"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ", بل ولا يفقهون!! كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

تتراكم الهموم وتشتد الأحزان وتتراجع تلك الأحلام الجميلة والوردية التي كانت تتراءى للعراقيات والعراقيين بعد الخلاص من الدكتاتورية ودفن الاستبداد والقمع والتمييز والفساد والتفريط بالمال العام وغياب العدالة الاجتماعية والفقر والحرمان والموت على أيدي أجهزة الأمن الصدَّامية المجرمة وفدائييه ومنظماته "الشعبية". ومقابل هذا يتفاقم الإحباط لدى الناس من المسيرة المعوجة والمهزوزة لنظام الحكم الطائفي في البلاد وعواقبه الراهنة والمستقبلية على المجتمع.

المجتمع العراقي يقترب من الذكرى التاسعة لسقوط الدكتاتورية الفاشية وتسلم القوى السياسية العراقية للحكم, التي كانت قبل ذاك تتغنى بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, في ظل الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق. وهي الذكرى التي انتهت بسقوط النظام البعثي القومي العربي الشوفيني التي جلبت معها قاعدة المحاصصة الأثنية والطائفية المقيتة التي أسست لبداية انحراف واستبداد جديدين, رغم الحديث عن حرية الانتخابات وحرية التعبير ودستور بعيد عن التنفيذ .. وما إلى ذلك. فالنظام السياسي القائم في العراق يستند إلى المحاصصة القومية والدينية – الطائفية السياسية المقيتة التي تميز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في غير صالح المواطنة والمواطن في دولة تعترف عملياً بالهويات الثانوية على حساب الهوية الوطنية والمواطنة الحرة والمتساوية !!  

والعراق الذي تخلص من حروب النظام وغدره وفساده ودمويته, سقط في هوة الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف والبعثي الدموي والفساد والتسلط والصراع بين القوى الحاكمة التي ارتضت التوزيع الطائفي ولكنها تسعى في الوقت نفسه إلى ممارسة سياسة إقصاء الآخر والخلاص منه, وهو غير ممكن أو التسلط عليه وإخضاعه بشتى السبل. وهي عملية مدمرة للعراق والمجتمع والاقتصاد الوطني والفرد في آن واحد.

منذ أكثر من عامين والحكومة العراقية بدو ثلاث حقائب وزارية مهمة هي الدفاع والداخلية والأمن الوطني التي يديرها منذ أكثر من سنتين رئيس الوزراء, إضافة إلى منصبه. وهو أمر قل مثيله لا في تاريخ العراق, بل وفي تاريخ المنطقة بأسرها. ونتيجة هذا الواقع يواجه المجتمع العراقي الوقائع التالية:

1 . استمرار الموت اليومي للعراقيات والعراقيين على أيدي القوى الإرهابية والمناهضة, سواء أكانت قوى تنظيم القاعدة المحلية وقوى هيئة علماء المسلمين وقوى البعث الصدَّامية وبعض القوى القومية اليمنية المتطرفة, أم كانت مليشيات شيعية طائفية يهمها زعزعة الأمن والاستقرار لتستفيد منه في صراعها على الحكم في البلاد. وعلى وفق التقديرات المنشورة فأن معدل القتل اليومي يصل إلى عشرة أشخاص في مختلف أنحاء العراق, ومنها بشكل خاص بغداد, إضافة إلى عدد أكبر من الجرحى والمعوقين والأرامل واليتامى. ويبدو أن الإنسان العراقي لا يستحق الدفاع عنه من جانب القوى الحاكمة التي لا تسعى إلى إملاء الفراغ في الوزارات الأمنية ليأخذ الوزراء على عاتقهم مواجهة الإرهاب ومسؤولية الأمن الداخلي, وتترك الأمر للقضاء والقدر, فالقتلى مكتوب على جبينهم أنهم يموتون بهذه الطريقة وبهذا الوقت والمكان!!

2 . أما الفساد فحدث ولا حرج, إذ لم تعد هناك منظمة مسؤولة عن هذا الملف على الصعيد العالمي أو المحلي, وأخيراً وزارة التخطيط العراقية, إلا وأكدت تحول الفساد إلى نظام سائد في جميع مفاصل الدولة العراقية وكيان المجتمع, وإنه لا يقتصر على الملايين بل المليارات, إضافة إلى التفريط بالمال العام بسبب عجز الحكومة العراقية عن استكمال مشاريع الطاقة الكهربائية بحيث يجبر العراق على دفع مبالغ طائلة لاستيراد الطاقة.

3. ويبدو أن رئيس الوزراء وحكومته عاجزون أو لا يريدون رؤية الفجوة الدخلية المتسعة بين الفئات الفقيرة والكادحة والعاطلة عن العمل والأرامل والمطلقات و المعوقين, سواء أكانوا في المدينة أم الريف, من جهة, وبين الفئات الأكثر غنى من القطط السمان والمتجاوزين على المال العام أو الذين ينعمون بالسحت الحرام من العاملين في أجهزة الدولة أو في قطاعات المقاولات والسمسرة العقارية والتجارة الخارجية..الخ من جهة أخرى. ويبدو هذا صارخاً عند المقارنة في مستوى المعيشة والحياة والسكن والشوارع والنظافة بين مناطق بغداد المختلفة مثلاً أو المدن العراقية الأخرى. 

4. وبسبب ضعف الحكومة وعدم مهنيتها المطلوبة غاب عن الحكومة وضع إستراتيجية للتنمية الاقتصادية, وبشكل خاص للتصنيع وتحديث الزراعة وتنمية الإنتاج فيهما لتقليص الاستيراد المتفاقم الذي يستنزف عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية سنوياً من أموال النفط الخام المصدر من دون أن يساهم في تحقيق التراكم والتشغيل وزيادة الإنتاج المادي المحلي وتحسين مستوى معيشة نسبة عالية جداً من بنات وأبناء الشعب. ويتجلى هذا الخلل في عجز الحكومة عن توفير الخدمات الإنتاجية والاجتماعية للسكان, وهو واجبها الأول أمام المجتمع. ويمكن أن نتابع ذلك في مجال الطاقة, التي بدونها لا يتقدم ويتطور أي اقتصاد وطني أو مجتمع, وكذلك مشكلة المياه وشحتها, أو مشكلة الصحة وتوفير الخدمات الصحية وتحسينها أو توفير المدارس المؤهلة لتدريس التلاميذ والطلبة في مختلف مراحل الدراسة أو توفير السكن اللائق للسكان أو التصدي للتضخم المتفاقم شهرياً الذي يستنزف الدخل الواطئ لفئات المجتمع ذات الدخل المحدود والعاطلين عن العمل ..الخ.

4 . والخلل الكبير في بنية الحكومة يبرز أيضاً في غياب النساء عن المشاركة في مجلس الوزراء, وهي مخالفة دستورية كبيرة لا يجوز السكوت عنها وكأنها مشكلة عادية. وإذا كان رئيس الوزراء المسؤول الأول عن قبوله بوقوع مثل هذه المخالفة, فأن مسؤولية الأحزاب المشاركة في الحكم ليست قليلة, إذا إنها لم ترشح نساء لتسلم حقائب وزارية على وفق المادة الدستورية الصريحة في هذا الصدد.

5. إن الصراع الدائر بين الأحزاب السياسية الحاكمة يستهدف تحقيق الموقع الأقوى والمهيمن في السلطة السياسية وفي النفوذ في الداخل والتحكم بالموارد المالية العراقية, وهي وأن تتحدث باسم الطائفة أو القومية, فإنها في واقع الحال بعيدة كل البعد عن مصالح بنات وأبناء القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب الدينية, بل تصب في مصلحة الأفراد المهيمنين على تلك الأحزاب والقوى المحيطة بهم وقيادات أحزابهم وكوادرهم وبعيدة عن مصالح أعضاء تلك الأحزاب.

6 . والمشكلة التي من المحتمل أن تواجه المجتمع العراقي تتلخص في الواقع التالي:

إن الأحزاب السياسية الحاكمة والقوى التي تسندها وميليشياتها في الداخل والدول المجاورة والكثير من القوى السياسية الفاعلة فيها تعد العدة منذ فترة لما يفترض أن يحصل بعد خروج القوات الأمريكية من العراق. وهذا الذي نقوله يجد المتتبع تعبيره على لسان الكثير من القوى السياسية المشاركة في الحكم أو خارجه لأنها تعرف طبيعة الصراع المرير المنطلق من مواقع دينية طائفية سياسية مؤيدة من دول الجوار في الشرق والغرب.

ويبدو لي بأن رئيس الوزراء يدرك هذه الحقيقة ولكنه يتعامل معها وكأن ليس هناك أي خطر وأن "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية", على وفق ما جاء في الرواية بهذا الاسم للكاتب الألماني اريك ماريا ريماركه, كما كان الحديث يجري أثناء الحرب العالمية الثانية في حين كانت الأوضاع هناك مزرية, وهي رواية مهمة ضد كل الحروب. إنها النعامة التي تضع رأسها في الرمال حين تواجه الخطر!          

إن النداءات التي تتوجه من قوى التيار الديمقراطي أو من بعض القوى السياسية والشخصيات الوطنية, رغم وجود تأييد شعبي لها, لمعالجة الخلافات وعقد مؤتمر وطني واسع أو إجراء انتخابات نيابية عامة مبكرة, هي أشبه بصرخة في واد فسيح, فالقوى الحاكمة تمارس بشأنها الموقف المعروف "صم بكم عمي فهم لا يعقلون", بل هم لا يفقهون أيضاً. وهذا يتطلب من قوى الشباب ومن فئات الشعب المتضررة أن ترفع صوت الاحتجاج على ما يجري وتطالب بتغيير السياسات والمواقف ورفض الأوضاع المتردية التي يُقتل فيها البشر يومياً قبل أن يغوص العراق في مستنقع الصراع القومي والطائفي المرير, وقبل أن يتحقق ما سعى إليه الإرهابيون من إشعال حرب طائفية في العراق.

9/12/2011                                                              كاظم حبيب                

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة