قرأءة سريعة في احداث العنف الاخيرة في اقليم كوردستان العراق / شه مال عادل سليم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

حسب

 1 ـ قبل وقوع اعمال الشغب في مناطق دهوك وزاخو وزاويته وسُمّيل ...ومدن واقضية كوردستانية اخرى أعلنت وزارتا (الداخلية والبيشمركَة) في حكومة إقليم كوردستان العراق عن البدء بحملة لمطاردة (2636 ) من المطلوبين للقضاء بتهم مختلفة لم تتمكن الأجهزة التنفيذية من اعتقالهم لأسباب كثيرة اهمها :  إيواء اغلبية المطلوبين والهاربين من العدالة من قبل شخصيات سياسية كوردستانية مهمة أو أحزاب متنفذة ذات سلطة كبيرة !! .

حيث صرح الامين العام لوزراة البيشمركَة في اقليم كوردستان اللواء جبار ياور، في مؤتمر صحافي مشترك عقده بمبنى مديرية شرطة أربيل مع مدير عام الشرطة في الاقليم اللواء عبد الله محمد سعيد، إن "رئيس إقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني أصدر أمرا لوزارتي (الداخلية والبيشمركَة ) بإعتقال جميع المطلوبين الفارين من الأحكام القضائية"، مبينا أن "الوزارتين قامتا بتشكيل خمس غرف للعمليات لتنفيذ الأمر".

وأضاف ياور أن "الغرف تضم في عضويتها ضباط وعناصر من الشرطة والبيشمركَة والأسايش والأمن وضباط قانونيين"، مشيرا إلى أن "تلك الغرف تعمل على تعقب خمس قوائم من المطلوبين الفارين تضم أسماء( 2636) شخصاً".

وأوضح المتحدث باسم وزارة البيشمركَة أن "جميع المطلوبين هم من (سكان مختلف مناطق الإقليم ومطلوبين بتهم مختلفة)، مؤكدا أن (الفرق ستتعامل باسلوب واحد مع جميع المطلوبين الفارين سواء كان شخصية عسكرية أو سياسية أو حزبية أو مواطناً اعتياديا).

يذكر أن قضية المطلوبين للقضاء في إقليم كوردستان العراق سبق وان طرحها الإعلام الكوردستاني ( المرئي والمسموع والمقروء ) مراراً خلال الفترات الماضية وتحديدا مع فتح ملف جرائم الانفال (الابادة الجماعية ) ، ووجهت اتهامات بشكل مباشر وغير مباشر للأحزاب السياسية الكوردستانية بشكل عام  و(الحزبين الحاكمين بشكل خاص  ) بالتستر وايواء الكثير من المطلوبين لأسباب مختلفة، فيما تعجز أجهزة الشرطة عن ضبطهم وإحضارهم للمثول أمام المحاكم ومنهم ( قادة الجحوش ـ صداميين اكراد) اي (مستشاري ماكانت تسمى بقوات الدفاع الوطني ـ القنابل الموقوتة في الاقليم  ), والتي شاركت النظام العراقي البائد في جرائمه ومنها  مجازر ومسالخ اتخذت اسماء (الأنفال ـ الفرهود ـ الابادة الجماعية ) أواخر ثمانينيات القرن الماضي والتي راح ضحيتها الالاف من الكوردستانيين العزل .... وان لايتام النظام البائد خبرة كبيرة في اختيار المكان والزمان لزرع البلبلة واشعال نارالفتنة والتفرقة بين ابناء الشعب الكوردستاني لتمرير مخططاتهم الدنيئة ولأنفلة قرار رئيس الاقليم والمذكرات القضائية التي اصدرتها المحكمة العراقية العليا بحقهم  لتورطهم في سلخ و ابادة الناس جماعياً في الانفال الاكثر من سيئة الصيت . .

 لقد ثبت لنا وخلال تجارب عديدة وامتحانات كثيرة في الاقليم بان هؤلاء الجحوش سيبقون على اهبه الاستعداد لمقاتلة شعب كوردستان وانفلته من جديد وسيبقون كقنابل موقوتة اينما وجدوا ينتظرون ساعة الصفر ليظهروا على حقيقتهم الا وهي معاداة الشعب والارض والوطن بكل معنى الكلمة لالشي الا لانهم من مخلفات وبقايا النظام البعثي ...يغيرون ولا يتغيرون ... يؤمنون بكل شيء الا الحرية والديمقراطية والسلام....

2 ـ ان فوز الاحزاب الاسلامية في بعض الدول العربية ومنها مصر ...شجع الاحزاب والتيارات الاسلامية في المنطقة على ان تعلو نبرة اصواتها حيث ركبت الاحزاب الاسلامية ( الاتحاد الاسلامي الكوردستاني والذي يعتبر الفرع الكوردي للاخوان المسلمين في العراق بزعامة السيد صلاح الدين محمد بهاء الدين صادق , مواليد 1950  قصبة طويلة / قضاء حلبجة / كوردستان العراق ، والجماعة الاسلامية الكوردستانية بزعامة الشيخ علي بابير وتمان من مواليد 1961  قضاء بشدر / السليمانية / كوردستان العراق )  موجة الظهور ورفع اللافتات والشعارات وعدم الالتزام بقرارات وزراة الاوقاف واللجنة  المختصة العليا للفتوى في الاقليم والتي ورد فيها (يمنع رجل الدين من خطباء المساجد أثناء إلقاء خطبة الجمعة أن يصدر فتوى) ...  

و قامت باصدارالبيانات وابراز العضلات اسوة بالحركات والاحزاب والتيارات الاسلامية في الدول العربية  ولم يكتفوا بذالك بل استغلوا منابر الجوامع للتهجم على الاديان والطوائف المسالمة الكوردستانية في الاقليم و حيث تحولت منابر عدد من الجوامع في  اقليم كوردستان  الى منابر وخنادق ضد حرية التعبير والراي و صدرت من خلالها احكام القتل وبتر الايدى وكسر الاقلام وهدر الارواح والعقاب الصارم  والتفرقة المتعمدة بين الاديان السماوية وفتاوى كثيرة اخرى ...

حيث لم اصدّق اذني حينما سمعت خطبة لأحد (الائمة) في مدينة  السليمانية ( ثاني أكبر مدن إقليم كوردستان العراق ) ،  وهو يحث ويشجع الحاضرين على قمع الافكار والغاء الاراء  بلهجة واثقة وبحماس كبير لامثيل له حيث كرر و لعدة مرات هدر دم احد المثقفين لانه مرتد وفاسق !! وليس فقط هذا بل حث الحاضرين على عدم مشاركة اخواننا المسيحيين في اعيادهم الدينية ايضا لانهم (كفار)  ....ضاربا عرض الحائط كل القيم والاعراف الدينية و الإجتماعية و الوطنية اضافة الى الدولية.... ولاننسى بان احداث زاخو الاخيرة حدثت بعد صلاة الجمعة ( حيث شجع خطيب وامام جامع الرشيد الواقع في محلة الصناعة في قضاء زاخو  السيد اسماعيل عثمان السندي  في خطابه  الحاضرين للتهجم على الاماكن (الفاحشة والاعمال المشينة )  ........

 نعم ففي كوردستان يتم توظيف منابر الجوامع وللاسف من قبل بعض الائمة المسيسين  في استغلال مشاعر المواطن الكوردستاني واستطاعوا نوعاً ما ان يكسبوا رأي الشارع الكوردستاني الغاضب اصلا من الفساد المستشري في مفاصل المؤسسات الحكومية في الاقليم .... من اجل فرض سيطرتهم السياسية على الشارع الكوردستاني بالقوة .....

وهذه الظاهرة ماهي الا دليل على غاية واهداف المتطرفين  في تفكيك اواصر المحبة والالفة بين ابناء تلك المناطق المتعايشة لمئات السنين. والحقيقة ان محاولة المجاملة وغض النظر عن هذه التصرفات التي اصبحت ظاهرة خطرة في جوامع الاقليم فيها تحقير كبير للانسان , واهانة لادميته , ومحاولة لغسل ادمغة الشريحة الشبابية والتحكم بها وفق مصالح سياسية ضيقة بعيدة عن الدين و العقلانية .....

وفي اعتقاد المهتمين بشؤون امن واستقرار كوردستان  ان هذه التفسيرات التي تشوه العقول لاتعني الا يأس هؤلاء الائمة وللاسف من مواكبة تطور الحياة في الدنيا وعدم امكانيتهم من استيعاب مفهوم الدولة الحديثة و الحقوق المدنية و فصل الدين عن السياسة و السياسة عن الدين لصيانتهما و حرمتهما كليهما ، الامر الذي يعتبرونه كفرا ونفاقا ودجلا ....

3 ـ  تزامنت احداث العنف والشغب الاخيرة مع تحضير الاحزاب الكوردستانية للانتخابات المحلية في الاقليم ... ويرى المراقبون بان هذه الاحداث هي ترجمة حرفية لعرض عضلات الاحزاب السياسية ولهيمنة القوة على قوة العقل والمنطق وهي كما نعلم جميعا بان العنف يقتل روح المنافسة الصادقة والنزيهة بالاضافة الى انه لغة الهيمنة والاقصاء والغاء الاخر ....وكما  نعلم جميعا ان بدون منافسة حقيقية على اسس سليمة وسلمية بين المعارضة والقوى الرئيسية الحاكمة , لايؤدي فقط الى مراوحة العملية السياسية في مكانها بل و يجعلها تتراجع... و لن يحدث اي تغيير او تقدم بنّاء يسعى لتثبيت الركائز الاساسية للديمقراطية و لروح المدنية في المجتمع  .....

ولاننسى دور دول الجوار التخريبي  ايضا في دعم الاحزاب لاستغلال الفرصة لزعزعة الوضع السياسي في الاقليم  ........اما النتائج النهائية من هذه الاملاءات وعرض العضلات  فقد كانت ولا تزال هي السبب الرئيس في الانقسامات وفي تفكيك البيت الكوردستاني والصراع والاقتتال المدمر بين الاحزاب بشكل عام في الاقليم ...وان الاحداث الماساوية القديمة والجديدة في كوردستان خير دليل على تاثير تلك القوى الخارجية على الفتنة والشر وعدم استقرار الوضع في الاقليم ....

4 ـ تقول لنا تجارب ماساوية كثيرة بان افراد الاجهزة الامنية والشرطة في الاقليم  ليس فقط لم ينهضوا بواجبهم في حماية المواطن الكوردستاني دون استثناء , بل وقفوا في احداث ماساوية  كثيرة موقف المتفرج ازاء الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن الكوردستاني ........ ولهذا فقد المواطن الكوردستاني ثقته الى حد كبير بقوات الامن والشرطة ويعتبره قوة حزبية بحتة ...

احتكارالاعلام من قبل الاحزاب السياسية الكوردستانية واستخدامه لمصالحها الحزبية الضيقة حسب ما يلائم سياستها نقطة اخرى في تعميق المشاكل واثارة الفتن بين الاطياف الكوردستانية ( القومية , الدينية , الثقافية العرقية )  , وحين نطالع الساحة السياسية اليوم في الاقليم سنجد وللاسف بان تاريخ (الاقتتال الداخلي) الذي يبدأ عادة بحرب اعلامية بين القوى المتصارعة يعيد نفسه.....فالاحزاب الاسلامية  تمارس اليوم خطابا عالي النبرة معتمدة في الاساس على قوة ما، وبقراءة للاحداث والتأمل فيها، نكتشف ان تلك القوة التي تستند اليها تلك الاحزاب ، هي في الحقيقة، ليست قوة الشعب، بل قوة الدول الاقليمية، التي حاولت باستمرار وتحاول الان استغلال الفرصة لزعزعة الوضع السياسي في الاقليم لمصلحتها التي نعرفها جميعا....

و يرى مراقبون ان الاعلام الكوردستاني هو اعلام السلطة او الاحزاب السياسية بشكل عام بحمله فيروسات سياسية و مصلحية ضيقة  لذلك، فأنه ـ اي الأعلام ـ  تحول الى وسيلة للتهجم على الاخر في حملات الدعاية الانتخابية مثلا  ...ولهذا نرى ونسمع ونقرأ يوميا فبركة الاتهامات وتوجيه الكلمات الجارحة لتشوية سمعة الاخر( حزبا او اشخاصا ) بدون ادلة او اثبات تماما عكس اعلام الدول الديمقراطية ,  التي تعاقب كل من تثبت عليه تهمة الافتراء او تشوية السمعة  بعقوبة السجن او بغرامة مالية ويتيح للمتضرر  ايضا حق الرد  عما نشر من معلومات غير دقيقة بما يتطابق مع الحقيقة و الواقع .  

6 ـ والنقطة الاهم التي اريد ذكرها هي : عدم التزام  الجهات المعنية بدورها القانوني في اعطاء رخص قانونية للمظاهرات والمسيرات الشعبية  المحددة ب( الزمان والمكان ) اسوة بالمظاهرات والمسيرات في دول العالم المتحضر....ولاننسى بان حق التظاهر السلمي مكفول دستورياً ولايحق لاي جهة كانت ان تقمعها وخاصة اذا كانت مرخصة وقانونية.............ويرى المراقبون ان بدون الضوابط القانونية هناك مخاوف جدية وحقيقية ان تتجه تلك المظاهرات باتجاهات خطيرة لاتحسب عقباها........كما نراه اليوم وللاسف في مناطق ومدن كوردستان ....

اما الدعوة للفوضى ونشر ثقافة الانتقام والتكفير والتخريب والقتل واستخدام السلاح بكل انواعه واشكاله ومن اي جهة كان فهو لا ينسجم اطلاقا مع روح الديمقراطية ويصب في مصلحة اعداء الشعب والوطن وهي فتنة وشر ودعوة مشبوهة هي ومن ورائها.......!!

 

7 ـ  في تقديري المتواضع يجب على رئيس الاقليم ان يقف هذه المرة بقوة امام هذه الاحداث المؤسفة والدخيلة على الشعب الكوردستاني ...لانه وبكل صراحة  فقد المواطن الكوردستاني ثقته باللجان التحقيقية وبالوعود حيث بقيت دون تنفيذ خلال سنوات عمر الاقليم.......

نعم لقد سئم  الشعب  من وعود حكومة الاقليم منذعام 1991 ولحد اليوم (كثرة الوعود وغياب التنفيذ ) والتي ادت الى فقدان الثقة بحكومة الاقليم وتحديدا الحزبين :الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني اللذين يبدو كما لو انهما اصبحا عبئا على الوطن والمواطن بحكم طول عهد الفساد الذي عطل كل شيء وضرب جوهر القضية الا وهي (تامين الخبز والعمل والحرية ) والتي ضحى من اجلها بنات وابناء كوردستان ومن جميع القوميات والاديان والطوائف منذ عقود طويلة....

 فلحد يومنا هذا لم نطلع على خلاصة تقرير للجنة شكلت لمتابعة حادث او واقعة من قبل الجهات المعنية( كثرة اللجان وغياب النتيجة وعدم المحاسبة ) ...مما ادى الى التسيب وانتشار ظاهرة العنف واللامسؤلية واتهام الاخر والتفرقة .....

 اخيرا يرى المهتمون في الشوؤن الكوردستانية بان القضاء على العنف والفتنة الطائفية والدينية وفرض الاكراه من قبل اي جهة في الاقليم يكمن اولا واخيرا في تطبيق النظام والقانون ومسك زمام الامور وتشخيص الاخطاء بجرأة ووضع اليد على الجرح  ثم معالجتها جذريا وذالك باتخاذ الاجراءات الصارمة بحق المشاغبين والفوضويين الذين حاولوا جاهدين  اشعال نار الفتنة بين ابناء الشعب الكوردستاني التي لاتخدم الا اعداء تجربتنا الفتية في المنطقة  ...

كما يحملوا حكومة اقليم كوردستان  مسؤولية حماية المواطنين وممتلكاتهم  وخاصة ابناء الاقليات الدينية والقومية والذين يعانون من الاضطهاد بأشكال عديدة ومن جهات مختلفة مما ادى الى تناقص اعدادهم بشكل كبير،  وأصبحوا  مهددين بالانقراض من وطنهم الاصلي العراق.

و أن  من واجبنا جميعا ومن صميم واجب رجال الدين والائمة والخطباء ان يعملوا  على نشر ثقافة السلام وقبول الآخر وخدمة الدين وحماية أمن المجتمع ونشر روح التسامح وقبول الاخر ، بشكل حضارى ودون مشاكل لمكونات المجتمع كافة ...

لا أجد ما أختتم به مقالتي أفضل من دعاء المسيح عليه السلام  وهو معلق على الصليب طالبا الرحمة لجلاديه وصالبيه قائلا :  ( يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون) ..... !!

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة