العلاقة الجدلية بين الأمن والحريات العامة وحقوق المواطن في إقليم كُردستان العراق ... د. كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

يواجه الشعب الكردي في المرحلة الراهنة عدواناً شرساً من حكومتين لدولتين جارتين هما إيران وتركيا.

ويتمثل هذا العدوان في القصف المدفعي والراجمات والقصف الجوي الصاروخي على المناطق الريفية الجبلية لكردستان العراق. وهذه العمليات العسكرية العدوانية لا تهدف إلى دفع مقاتلي الأحزاب الكردستانية في كل من إيران وتركيا للانسحاب من الأراضي العراقية, على وفق إدعاء الحكومتين بوجودهم, بل الهدف من ذلك بالأساس زعزعة الأوضاع الأمنية المستقرة في الإقليم والإساءة للنموذج الذي يمكن أن يؤخذ به من جانب الشعبين الكرديين في كل من إيران وتركيا, وأعني به نموذج الفيدرالية أو الحكم الذاتي.

في مثل هذه الأوضاع المعقدة التي يمر بها الإقليم ترتفع بعض الأصوات من الأوساط الحكومية والأحزاب الحاكمة في الإقليم تطالب الكتاب والصحفيين والساسة المعارضين بالكف عن النقد والالتزام بدعم الحكومة من أجل تعزيز الوحدة الوطنية والصمود بوجه الأعداء, لأن النقد, حسب تقدير البعض, يساعد أعداء الشعب وليس الحكومة الوطنية في الإقليم!

من الأخطاء الشائعة الخلط بين الشعب وبين الأحزاب الحاكمة أو غير الحاكمة أو الحكومة. فالشعب كتلة مستقلة بذاتها ولذاتها, في حين يمكن أن تمثل الحكومة إرادة الشعب وتمارس سياسات في صالحه أو تتعارض معه. وبالتالي فالصداقة مع الشعب الكردي والدفاع عنه لا يعني بأي حال الصداقة والاتفاق مع سياسة الأحزاب الحاكمة أو الحكومة القائمة. ومن هنا يبدأ تأييد الإنسان أو معارضته لهذه الحكومة أو تلك في الإقليم أو أياً كانت تلك الحكومة. فالسكوت عن السياسات الخاطئة, أياً كان الظرف الذي يمر به الإقليم, أو عدم نقد تلك السياسات ليس موقفاً خاطئاً فحسب, بل ويلحق أفدح الأضرار بمصالح الشعب الكردي وتقدم الإقليم وتعزيز قدراته.

إن الظروف المعقدة التي يمر بها الإقليم هي التي تتطلب من جانب أصدقاء الشعب الكردي ومؤيدي حقوق الإنسان والتقدم الاقتصادي والاجتماعي وحماية البيئة ممارسة النقد لا همساً في الأذان فحسب, بل وبصوت مرتفع أيضاً لكي يسمعه الجميع ويتحول إلى نقاش يخدم الإصلاح المطلوب في الحياة العامة.

إن الصراع الداخلي في الإقليم وعدم إدارته بصورة عقلانية والابتعاد عن الحلول السياسية والاقتراب أو ممارسة الحلول الأمنية للمشكلات القائمة لا يعالجها بل يزيدها تعقيداً ويفسح في المجال للقوى الداخلية المعادية والقوى والدول الأجنبية أن تمارس تدخلها في الشؤون الداخلية أو زيادة عدوانيتها بشتى السبل.

لا يجوز إغماض العين عن المشكلات القائمة في الإقليم. فشعب كردستان يعيش في أجواء من الأمن. وهو أمر مهم جداً ومكسب لا يجوز التفريط به. ولكن شعب كردستان كبقية الشعوب بحاجة إلى جملة من القضايا الأخرى التي لا يجوز إغفالها, بل لا بد من بحثها ومعالجتها, وإلا فالعاقبة غير سليمة. لا يكفي أن نعتمد على الحماسة القومية والوطنية على أهميتها, فإن لهذه الحماسة حدوداً معينة, إذ حين يصاب الإنسان بصميم مصالحه اليومية ومستوى معيشته وأفراد عائلته, يتحول نحو وجهة أخرى.

لا أتحدث هنا عن مطالب القوى والأحزاب السياسية المعارضة في الإقليم وحدها, بل أتحدث بالأساس عن مطالب الشعب الكردستاني بكل قومياته. فمطالب المعارضة السياسية مهمة وهي بالأساس سياسية ولا أريد هنا التقليل من شأنها, منها بشكل خاص مطلب الكف عن الاعتقالات الكيفية وملاحقة واعتقال من يعتدي على الكتاب والصحفيين الذين ينتقدون الأوضاع مثلاً, أو المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين من المعارضين أو إعادتهم إلى وظائفهم, بل أعني تلك المطالب التي تمس جوهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الإقليم, والتي يمكن تلخيص أبرزها في ما يلي:

** عدم تدخل الأحزاب الحاكمة في العمل الحكومي اليومي, إذ لا بد أن يعبر برنامج الحكومة عن مصالح الشعب كله.

** إنهاء هيمنة الأحزاب الحاكمة على التعيينات في دوائر الدولة وعلى مختلف المستويات والمجالات التي ترفض تعيين غير الحزبيين والمستقلين في الوظائف الاستشارية والمدراء العامين والمدراء, بل وأحياناً التدخل في عملية التعيين حتى بالنسبة للوظائف البسيطة.

** مكافحة الفساد من الأعلى إلى الأسفل وليس البدء بالأسفل والكف عند الوسط, كما هي الحالة المعتادة. ولا بد أن تشمل مكافحة الفساد ليس دوائر الإقليم الحكومية فحسب, بل والأحزاب السياسية الحاكمة أو المسايرة للحكم ومختلف المجالات الأخرى. لقد أجاب السيد مسرور البارزاني في لقاء له مع مراسل مجلة كولان عن سؤال حول الفساد فقال ما يلي: "لا يجوز اتهام الحزب أو السلطة بشكل عام، والذي يعمل حتما يخطأ، ولكن المهم هو عدم الاستمرار في الاخطاء، نحن لم نساند الفساد يوما ما، سواء في السلطة أو خارجها ولن نتهم أحد دون أساس، هناك القانون. والقضاء هو الجهة الوحيدة التي تقرر الطرف المتورط في الفساد، ولو تم اتهام أي شخص في (البارتي) بالفساد، عليه مواجهة القضاء و القانون كأي شخص اعتيادي، الحزب الديمقراطي ضد الفساد ويوظف كل إمكانياته لمكافحته ودعم الإصلاحات". (راجع: موقع گولان, بتاريخ 23/8/2011). الموقف في عمومه صحيح, إذ لا يجوز توجيه اتهام عام ومطلق, بل يفترض تحديد الاتهام. ولكن هذه الإجابة غير كافية. فحين يعترف الجميع بوجود فساد عام في الإقليم وفي العراق كله ويلعب دوره في التخريب وإلحاق الأذى بالمجتمع واقتصاد الإقليم, فهذا يعني إن من واجب المسؤولين التحري عن هذا الفساد وحصره ومكافحته. وهذا يعني أيضاً بأن المسألة لا ترتبط بسرقة تقع هنا وأخرى هناك, بل تعني وجود أشكال متنوعة من التفريط بأموال الإقليم وتعطيل التنمية الوطنية..الخ.  

** مكافحة البطالة والبطالة المقنعة لمن يتسلم رواتب دون عمل أو من يمارس وظيفتين أو ثلاث وظائف ويتسلم راتبين أو ثلاثة دون وجه حق وبصورة غير شرعية.

** التصدي لسياسة الاستيراد المفتوح وترشيده, لأن الإقليم بحاجة ماسة إلى تعجيل عملية التنمية والتصنيع وتحديث الزراعة بما يساعد على ضمان الأمن الغذائي والتقدم والتشغيل وتعظيم الدخل القومي.

** تحرير الإعلام من الرقابة الحزبية والحكومية وإيقاف قرارات تقديم الصحفيين إلى المحاكم وإصدار أحكام بحقهم لمجرد ممارستهم النقد إزاء رئاسة الإقليم أو الحكومة أو البرلمان أو إزاء أي موقع آخر في مؤسسات الإقليم. فالمحاكم لا ضرورة لها مع العمل الصحافي عموماً, وخاصة حين تمس الشأن العام.

** تأمين الخدمات الضرورية للسكان, وخاصة خدمات الكهرباء والماء والنقل والعناية الصحية والمدارس والمسارح ودور الثقافة والمكتبات والسينمات والمعارض الفنية... الخ, أي العناية بكل الحياة الثقافية.

** العمل من أجل حل المعضلات المعلقة وبروح مرنة وموضوعية مع الحكومة الاتحادية وبعيداً عن التصريحات المتشددة والسعي الهادئ لتحريك اللجنة المكلفة بإيجا حلول للمناطق المتنازع عليها.

** ممارسة الشفافية في نشر الوثائق الموقعة بين العراق وتركيا أو في ما بين الأطراف العراقية في حل خلافاتها وعدم جعلها سرية بحيث يعجز الشعب عن إبداء أو تكوين رأيه الخاص بشأن المشكلات القائمة والجهة المعرقلة للحلول الضرورية.

إن المسؤولية المباشرة حول ما يجري في الإقليم كانت وستبقى من مسؤولية رئيس الإقليم أولاً , ومن ثم السلطة التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية (مجلس النواب), وبالتالي لا يمكن القول بأن رئيس الإقليم أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب لا يعرفون المشاكل القائمة. إن الفساد المالي قد أزكم الأنوف في العراق كله, ومنه إقليم كردستان. ولم يكن عبثاً حين ألقى رئيس الإقليم كلمة في دهوك قبل عدة سنوات التزم فيها بمحاربة الفساد نتيجة للمطالبة الجماهيرية هناك. ولكنه حين عاد إلى أربيل وصلاح الدين وسرا رشت لم يحصل أي شيء في هذا الصدد وانتشرت الإشاعات عن سبب عدم تنفيذ ما وعد به رئيس الإقليم. ولا شك أن الإشاعات قد وصلت إلى أسماع الجميع, ومنها أسماعي. والجميع ينتظر البدء الفعلية بمعالجة هذا الملف.

ومنذ فترة والمواقع الإلكترونية والصحف الخارجية تنشر إلى الكثير من الفضائح وخاصة تلك التي تمس توزيع الأراضي في الإقليم بدون وجه حق على الوزراء ولعدة مرات وعلى المدراء العامين والمستشارين والأقرباء وحجبها عن بعض المستحقين لأسباب شخصية أو تمييز ديني مثلاً.

واستناداً إلى المعلومات المنشورة فأن بعض المشاركين في تلك المخالفات والتجاوزات قد أُبعدوا عن مواقع المسؤولية دون اتخاذ إجراءات رادعة بحقهم ليكونوا درساً لغيرهم. والسؤال هو: ألم يحن الوقت المناسب لتقديم هؤلاء إلى المحاكم ليعرف الناس إن المسؤولين في الإقليم جادون في مكافحة الفساد, إذ إن العكس من ذلك لا يعني سوى المزيد من الإشاعات ذات الآثار السيئة على التنمية والمجتمع والمسؤولين.

من هنا أقول بأن الهمسات في آذان المسؤولين أو الرسائل الشخصية التي ترسل لهم أو النقد غير المباشر الذي يحكى شفاهاً لم يعد كافياً لتحقيق الإصلاحات الضرورية في الإقليم. إن الكثير من الرسائل قد وجهت إلى كبار المسؤولين في الإقليم رئاسة وحكومة. ولكن دون جدوى تذكر. فالأمور في الإقليم ما زالت كما هي في هذا المجال. فالبناء الصناعي غائب والتجارة هي المزدهرة والتي لا تعني سوى هدر موارد الإقليم المالية في أوجه لا تساهم في تقدم الإقليم وتطوره الاقتصادي والاجتماعي ومكافحة جادة للبطالة والبطالة المقنعة فيه.

إن المفيد حقاً أن تقام شبكة طرق وجسور في الإقليم, ومن المفيد أن تبنى العمارات السكنية والأسواق العصرية, ومن المفيد أيضاً أن تقام الساحات و المنتزهات. إنها ليست مفيدة فحسب, بل ومهمة وضرورية لراحة الشعب. ولكن هذا جانب واحد ومحدود من العملة, في حين أن الجانب الآخر منها والأكثر أهمية هي التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحماية البيئة. إن إقليم كردستان أيها السادة محاصر من دول غير صديقة, بل معادية للتجربة الكردستانية. ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بتطوير إستراتيجية الأمن الغذائي والصناعات المحلية التي تعتمد بهذا القدر أو ذاك على المواد الأولية المحلية. إن اقتصاد كردستان, كما هو حال كل الاقتصاد العراقي, ريعي استهلاكي غير إنتاجي. والمستفيد من هذا الاقتصاد ليس الشعب وليس الفئات الفلاحية وصغار المنتجين والبرجوازية الصغيرة والمثقفين والطلبة, بل المستفيد الأول هي الشركات التجارية الأجنبية المصدرة للسلع والخدمات إلى الإقليم, ثم الشركات التجارية المحلية أو التجار الكبار الذين يتعاملون مع تلك الشركات الأجنبية وكذلك الفاسدين والمفسدين الأجانب والمحليين. وهذا يعني عدم تحقيق التراكم الرأسمالي في الإقليم وعلى عموم العراق, وهي خسارة فادحة حيث لا يجري تعظيم الثروة الوطنية بل التفريط بها, كما لا تتغير بنية الاقتصاد ومصادر تكوين الدخل القومي.

إن مشكلة العراق, ومنه إقليم كردستان, تؤكد بأن السياسة لا تمارس كعلم وفن وإدارة علمية ولا تقترب من المعرفة والثقافة, وأن سياسيينا يبتعدون عن ذلك كثيراً, وبالتالي يرتكبون الأخطاء الفادحة ويتقاطعون سلبياً مع مصالح الشعب والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لهذا أقول لا يكفي الهمس بل لا بد من رفع صوت الاحتجاج والمطالبة من أجل سياسة جديدة, من أجل إصلاح جذري على مستوى الإقليم والعراق في آن.

إن المطلوب من كافة المسؤولين والأحزاب السياسية أن تنتبه إلى مطالب الشعب أولاً, وإلى سبل مشاركته في وضع الحلول ثانياً, وغلى دفعه للمشاركة في تحقيقها ثالثاً. وعبر هذه العملية بخطواتها الثلاث يمكن تعزيز الحياة السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان, والعلاقة بين المجتمع والمسؤولين.

أتمنى على المسؤولين في الإقليم في أربيل, كما تمنيت على المسؤولين في الحكومة الاتحادية ببغداد, أن يغيروا من سياساتهم الراهنة ويستمعوا بعناية وإصغاء ويعملوا من أجل تامين مطالب الشباب والجماهير الواسعة, وليس لبعض الأحزاب السياسية المعارضة, إذ إن رأي الشعب هو أوسع وأعمق وأكثر تعبيراً عن رأي هذا الحزب أو ذاك من أحزاب المعارضة أو الأحزاب الحاكمة.   

إن مواجهة العدوان الخارجي والقوى المعادية داخل العراق تستوجب في تقديري إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الأساسية التي ألخصها في الآتي:

1. ضرورة إصغاء المسؤولين إلى النقد البناء الذي يطرحه الشعب ومعه الكثير من الكتاب والسياسيين والصحفيين والاستفادة منه لصالح الإصلاح الفعلي في أوضاع كردستان العراق. وإن رفض الإصغاء ورفض النقد بذريعة استفادة العدو منه لا يصمد أمام الحاجة الفعلية للنقد والإصلاح.

2. إن وحدة الشعب تتم من خلال الاستجابة الواعية والفعلية لمطالبه الأساسية في العمل ومكافحة  البطالة والتنمية الفعلية ومكافحة الفقر وتقليص الفجوة المتسعة حالياً بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الكردستاني.

3. الاهتمام الواسع بالشبيبة والمرأة وحقوقها وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية وبعيداً عن الروح الحزبية الضيقة والهيمنة الحزبية.

4. الأخذ بالحلول السياسية بدلاً من الحلول الأمنية لمعالجة الحركات الاحتجاجية.  

5. إن التصدي الناجح للاعتداءات الخارجية وإفشال أهدافها يستوجب وحدة نضال  العرب والكُرد وبقية القوميات أولاً, وإطلاق الحريات العامة والحياة الديمقراطية وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب ثانياً, وزيادة التعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي ثالثاً.

                                               كاظم حبيب                  

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة