طغاة الشرق وشرعنة الإرهاب الإسلامي ... مرحلة ماقبل الثورات الشبابية:

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

للتطرف الديني الإرهابي تاريخ موغل في القدم، كان واسع الإنتشار والتأثير في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، بلغ أوجها في الفترة التي سيطرت فيها طائفة دينية على منطقة واسعة، خلقوا فيها وحولها وجود مرعب، كما ودخل إرهابهم معظم المجالس السياسية والدينية آنذاك.  أطلق عليهم في التاريخ اللاحق أسم " الحساسين " وأحياناً من قبل بعض المناهضين لهم مذهبياً ب " الحشاشين " ويعول الكثيرين أصل هذه التسميه إلى الشخص الذي أشتهر في التاريخ الإرهابي، مؤسس التنظيم، وصاحب الحركة المذهبية ذات الصبغة المتآلهة الواسعة الإنتشار والنفوذ في العالم الإسلامي آنذاك " حسن الصباح " الرجل الذي بنى الدولة الإسماعيلية النزارية في  شمال الدولة السلجوقية آنذاك على مشارف بحر القزوين الجنوبية،  والذي كان ملهماً  ومروجاً لعمليات الإغتيالات الفردية كجهاد يؤدي بالقاتل إلى الجنة.

  صراع متنوع الجوانب في الساحتين الإقتصادية والسياسية تدور رحاها في العالم العربي والإسلامي بشكل عام، للتنظيمات الإرهابية الإسلامية حضور دائم فيه، حيث المنافع الذاتية تقف في مقدمة الغايات، وهي نزعة في الإنسان لا يستطيع إي فرد إنكارها، لكنها تكاد تكون مترسخة في معظم هذه التنظيمات، ولم تتجاوز الأنانية الذاتية مفاهيم الكثيرين منهم، وعليه فإن العديد منهم والدول تتصارع من أجل غاياتها وتسخر لها كل الإحتمالات الممكنة، وهنا لا يمكن تنزيه أي كان من هذه النزعة الأنانية في الإنسان، لكن رواد الحضارة الإنسانية  والقوى الدينية الحقيقية كثيراً ما يرجحون المصالح العامة على المصلحة الذاتية، والقيم الإنسانية لديهم لها أولوياتها في التعامل.

  بالتأكيد تصدت الدول الغربية للإرهاب الإسلامي الراديكالي السلفي والمتمركز في منظمات لا تزال تدعي الإسلام وتتبع مراجع سياسية عنصرية المبادئ، بمفاهيم نظرية، ودعمت بعمليات عسكرية في بقاع متنوعة من العالم، كانت تنسق مع دول إسلامية وعربية، تحت بنود دولية لئلا تتعارض والمفاهيم الحضارية الإنسانية، هذه المفاهيم والقيم الإنسانية كانت حتى وقت قريب مهملة في الزوايا المعتمة وراء عروش الطغاة، وأخرجت إلى الملئ يوم بدأت تنقلب هذه المنظمات على أوليائها، وعندما ظهرت بوادر تأثيرهم على بنية السلطات الدكتاتورية، ربيبة هذا الإرهاب ومغذيها. لكننا نرى من خلال الحراك الدولي والصراعات الجارية بين الدول والمنظمات، السلطات وشعوبها، بإنه هناك نزعة في الإتجاه الإنساني تثبت حضوره في الصراع الدائر، الدول الغربية بينوا هذه من خلال دعمهم اللامحدود لشعوب المنطقة، ضد طغاتهم، حتى في حروبهم المدمرة يعدون أكثر قرباً للمبادئ الإنسانية الحضارية من المنظمات الإرهابية الدينية. 

  وعلى خلفية دعم العديد من الدول والمنظمات الإسلامية للحد من أنتشار الإرهاب الإسلامي، كمرحلة جديدة للحفاظ على سلطاتها، قامت الدول الرأسمالية بإستعمال العنف المنظم ضد الإجرام والعنف والإرهاب الديني المغطى بالمفاهيم الإسلامية، ورغم ما أثارت هذه العمليات مراكز اهتمام الإعلام العالمي من نقاشات، أحتضنت ودعمت بطرق متعددة من قبل طغاة العالمين العربي والإسلامي بل كانوا من الذين روجوا لفكرة القتال وخلق المناطق الساخنة وضرب المنظمات الإسلامية المتطرفة، وبقدر ما خدمت مصالحهم وعروشهم وكسب رضا أو صمت الجماهير على طغيانهم تحت شعار مواجهة أجتياح الغرب أزداد دعمهم لصراع الغرب ضد الإرهاب الإسلامي، وفي الوقت نفسه روجوا لدعاية ينفون بها بأنهم كانوا رعاة المنظمات المتطرفة والتطرف الإسلامي بشكل خاص وفي أسخن المناطق. علماً بأن المساعدات المادية واللوجستية لا تزال مستمرة في كثيره بشكل مباشر أو عن طريق منظمات ورجال أعمال ذوو نفوذ في الدول ذات السلطات الدكتاتورية الدستورية أو الملكية.

 

مرحلة الثورات الشبابية:

 

    درج بين العامة ومجموعة من المثقفين على إن الغرب وظفوا التطرف الديني الإسلامي لشرعنة سيطرتهم على مراكز السياسة والإقتصاد في العالمين العربي والإسلامي، والذين روجوا لهذه الفكرة إما لا يملكون الرؤية الواضحة فيما وراء التداخل البشري اقتصادياً وسياسياً وعن طريق الثورة التكنولوجية ثقافياً، وتاهوا وراء الذين كانوا يروجون هذه المفاهيم للتغطية على الغايات والمصالح الذاتية الآنانية، كما فعلتها وتفعلها السلطات الدكتاتورية وطغاة الشرق، هؤلاء الذين أصبحوا بعد أنفجار ثورات الشرق في مقدمة المروجون، أو أن هذه المجموعات تعتمد على مفاهيم نوعية ترفض الآخر ثقافة وتعاملاً ولا تراهم إلا أصحاب غايات أنانية.

   رغم هذه البينات الواضحة في الثورات الشبابية، لاتزال شريحة واسعة من مثقفي الشرق تهاجم الغرب، من منطق إنهم يروجون لثقافة السيادة والفوقية على الشرق، وهذه المفاهيم معظمها تروجها الآن السلطات الدكتاتورية، فيضعون الشكوك حول نوايا أي حراك للغرب في واقع ثورات الشرق الآن ويتهمون القوى المعارضة الخارجية والغرب المساند للثورات على إنها لغايات ذاتية بعيدة المدى، حيث المصلحة الأنانية الإقتصادية في رأي هؤلاء هو الدافع الوحيد لأي خطوة تتجه نحو ثورات الشرق، حتى المساعدات الإنسانية واللوجستية للثورات يحللونها على إنها إمتطاء ما على ثورات الشباب، فيدمجون أدوار الأحزاب الإسلامية السياسية التي تحاول تسخير هذه الثورات لغاياتها الذاتية كمنافس للسلطات الدكتاتورية، والحراك العالمي في الدفاع عن الشعوب وحقوق الإنسان.

   البعض بهذه التحليلات وعلى هذه البنية الثقافية يبنون حواجز بين المنابع الثقافية المتنوعة، وآخرون لا يدركون بدايات ظهور مراحل الدمج الحاصل بين هذه الثقافات، التداخل الذي يقف في كثيره وراء إنطلاقة هذه الثورات، وفي النهاية الجميع وبدون إستثناء يبحثون عن المصالح وبكل أنواعها، لكن أيهم الأقرب إلى المصالح العامة وتتداخل مصالحهم بشكل إيجابي  مع مصالح الشعوب أو ضدها؟.

 فلم يكن غريباً وفي هذه المرحلة من مراحل الصراع بين الإرهاب الإسلامي والغرب، أن يظهر قرار خاص من قمة الجامعة العربية التي أنعقدت في ليبيا على عهد الطاغية الراحل القذافي سنة 2010، لإدانة الإرهاب، والفصل بينها وبين الدين الإسلامي، ولولا التداخل الموجود فعلاً في هكذا مفاهيم بشكل عملي، ولولا الإرتباط اللوجستي العميق بين هذه الأنظمة والمنظمات الإرهابية تحت تسخير غطاء الدين الإسلامي، لما أجتمعت هذه الأنظمة في جامعتها على التوافق لإصدار مثل هذا القرار والذي يقول:

  " دان القادة في البيان الختامي الصادر عن قمة سرت الإرهاب بجميع أشكاله وصوره... ورفض الخلط بين الإرهاب والدين الإسلامي، والعمل على معالجة جذور الإرهاب... ".

  نفس السلطات الدكتاتورية التي كانت تسخر هذه المنظمات الإسلامية الإرهابية لتسسيير اجنداتها للحفاظ على طغيانها الداخلي وترهيب الخارج، تتهم الآن الثورات الشبابية في الشرق بإنها مدعومة من المنظمات الإرهابية أو إنها منظمات سلفية إسلامية إرهابية، وهذا التناقض الواضح بينت على مدى عمق تعاملهم ومساندتهم وإحتضانهم لمنظمات الإرهاب الإسلامي الموجه لخلق ثقافة مشوهة بين الشعب، ثقافة الطغاة المعادية للمفاهيم الإنسانية والحضارية، وكان الترويج لهذه الأفكار منذ لحظة إنطلاقة ثورات الشرق محاولة لإبعاد الدعم الإنساني الدولي للشباب الثائر.

  ولاشك بأن هذه الألاعيب السياسية ستتفاقم حتى بعد سقوط السلطات الدكتاتورية، ستمر على المنطقة مرحلة صراع أعمق، بين الثقافة القديمة والثقافة التي ستخلقها الثورات الجارية، وفي المحصلة ستظهر وتسود مفاهيم جديدة ونوعية حول سوية العلاقات الإقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية بين الشرق والغرب.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com  

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة