حكايات من شنكال ... (27) لالشطعش . / مراد سليمان علو

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

سابقا كان الأعتقاد بأنه ليس مقدّرا لكل واحد أن يذهب للحج ، فالذهاب للوادي المقدس أمنية لا يستطيع كل أيزيدي أن يحققها في دنياه مهما كان مقتدرا إلا إذا كان ذلك مكتوبا على جبينه منذ الأزل ، وقد زاد ذلك في اعتقادنا وزرع في نفوسنا بصورة لا تقبل الشك مما ينسب للشيخ عدي (ع) في أحد أقواله : ... زيارة شرف الدين في طوافته ثلاث مرات تعادل زيارة لالش مرة واحدة .

قد يكون الشيخ الجليل قد قال ذلك لأسباب منطقية في زمانه وربما لم يتفوه به أبدا فهذا أمر متروك للباحثين ، ولكن المقولة انتشرت بين الناس في وقتها كالنار في الهشيم وترسخت في عقل مجتمعنا الباطن جيل بعد جيل وأصبحت من بديهيات الخضوع للقدر بدليل إن البعض كان واثقا من حظه العاثر بأنه لن يرى زمزم ولن يتمشى في سوق المعرفة في حياته لذلك تراه كان يخطط لزيارة شرف الدين ثلاث مرات متتالية عسى أن تحسب له حجة ويقتنع بذلك رغم إيمانه بأنه لو شاء الله سيذهب إلى جبل مقلوب أيضا .

مادام زيارة مزار قريب تفي بالغرض فاقتنع بنصيبك من الدنيا لتكون زوادتك في الآخرة فليس نيل الأشياء بالرغبة إنما بالقسمة التي خصصت لك من السماء ... هذا ما كان يردده كبارنا من الشيوخ على مسامعنا منذ الصغر وهذه كانت أقوال القوالين والكواجك وكل رجال الدين والمسنين لذلك نقش في عقولنا ... إنما المحظوظ هو من يحج ومن يحج لابد انه بخيت .

والعائلة التي تذهب للحج أو البيت الذي يذهب أحد أفراده للحج هو دار يشع منه النور وبالتالي يتوزع هذا النور لجميع بيوت القرية فيرسل الى كل بيت قليل من الزبيب ملفوف بمنديل زاهي مغموس أو مرشوش بماء كانيا سبي المقدس وتكون هذه بمثابة دعوة لتلك العائلة للقدوم إلى بيت الحاج للتبرك بالبرات المجلوب من لالش العزيزة ويعتبر كل شيء جلب من الحج يستحق التقديس وفي المساء يجلس الجيران والمعارف لسماع حكايات لالش الشيقة والتي يقوم الحاج بسردها وقبل أن يفض مجلسهم يدعوهم  لتناول الغداء في الغد حيث تقتضي زيارته نحر ذبيحة لأنه تمكن من إتمام مراسم الحج والرجوع بسلامة لعشيرته .

لا تزال هذه التقاليد العريقة والجميلة والتي تنم عن حب للأيزدياتي بقلب ونية صافية لا تزال موجودة وهناك رغبة حقيقية لتوارثها من قبل الأجيال القادمة ولكن ذلك الأيمان الصادق والذي لم يشوبه ذرة شك في يوم ما بالاستسلام الكامل للقدر قد تزعزع بعض الشيء .

فقبل عقد من الزمن لو نوى شخص ما الذهاب للحج كان النوم يجافيه شوقا لذلك المكان الخاص ولكن اليوم تغيّر الزمان وتغيرت السرائر فابمكان الفرد أن يقرر من خلال مكالمة هاتفية إذا كان يريد الذهاب أم لا وربما هاتفه صديقه وذهبوا لمجرد النزهة لا غير ، وإذا ما ذهبوا سيلتقون بفلان وفلان وسيتعجبون من قدوم فلان وفلان وسيسألون عن فلان وفلان ( بالنسبة لأيزيدية العراق على الأقل ).

لن أتكلم عن سلبيات عيد الجماعية في وادي لالش فقد تطرق إلى ذلك بعض الكتاب والإعلاميين ولن أقترح حلولا ولكني سأتناول الموضوع بطريقتي وبأسلوبي وأعيد السؤال المطروح منذ أكثر من عقد وهو :

هل الخلل في العائلة الأيزيدية ( الحديثة ) أم في القوانين والتعليمات والأوامر الصادرة من القائمين على أمور الحج .؟

كذلك لن أجيب على السؤال لأن الإجابة على سؤال شامل وكبير وعميق كهذا هو ليس (بنعم) أو (لا) وينتهي الجواب بل بحاجة للمزيد من البحث في الجوانب الدينية والاجتماعية والبيئية المتغيرة ولا تكفي مقالة واحدة بل ربما سلسلة من المقالات أو بحث متكامل للإحاطة بجميع جوانب الموضوع ولكني مع ذلك سأقفز إلى الحل أو الحلول ولن استرسل في التفاصيل الدقيقة والمملة ويكفينا أن ننتبه بأننا في مجتمع يتقدم ويتطور بسرعة مذهلة ولن يوقفه شيء بل سيزيح أي شيء يقف في طريقه لأنه أخرج رأسه من الرمل ويحاول اللحاق بالآخرين هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن القائمين على أمورنا الدينية يعلمون هذا جيدا ولكي يواكبوا هذا التقدم الهائل عليهم أن يضحّوا ... وهنا يتجدد السؤال بصيغة مختلفة لأن الكره باتت في ملعبهم والسؤال الجديد هو إلى أي حد هو استعدادهم للتضحية ليضعوا مّلتهم ومجتمعهم على الطريق الصحيح .؟

المهم التغير الذي نرغب جميعا في حدوثه عاجلا أو آجلا في لالش ممكن وسيتساوى طرديا مع التضحية بحفنة من الدنانير وابتكار قوانين وتعليمات وأوامر جديدة تتماشى مع التطور الحاصل في المدنية دون المساس بجوهر فرض الحج .

أخشى ما أخشاه هو أن يبقى الحال على ما عليه عام بعد عام ويصبح الوضع أسوأ في كل عام ونمتنع طوعا عن الذهاب إلى ذلك المكان الطاهر بحجة ... لم تكن لنا قسمة هذه السنة ... كما كان يقول ذلك أجدادنا مع ملاحظة عدم توفر الإمكانيات اللازمة لهم في ذلك الزمان وعدم توفر الرغبة لنا في هذا الزمان وشتان مابين الزمنين ، وكل الخوف هو أن يقول بعضنا ما كان يقوله ذلك الفتى عن أخوته الكبار الذين كانوا يستغلون صغر سنه في دفعهم إياه دفعا لرعي الأغنام موسما بعد موسم دون رغبته ولشدة احترامه وربما خوفه من أخوته كان يضيف لفظة طعش عندما يذكر أو ينادي أحدهم فكان يقول ... رشوطعش  وشموطعش ... الخ .

 muradallo@yahoo.com  

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة