مغالطات ومزايدات السيد حسن العلوي حول الدولة الكوردية ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

   لا أعتقد بأن أحدا من العراقيين، خاصة من الساسة والمثقفين والمتابعين، المطلعين على أحداث وسير العملية السياسية في العراق، يجهل التأريخ الطويل للسيد حسن العلوي المثقل بالإنتهازية والوصولية،والتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وتغيير إنتماءاته وتحالفاته السياسية وفقا لنظرته الستراتيجية البعيدة المدى، وفلسفته الخاصة اللتين تصبان في مصلحته الخاصة وليس في مصلحة الوطن أو الآخرين.

شخصيا لا يهمني تأريخ هذا الرجل ولن أتحدث عنه، لأني لن أزيد على ما كتب عنه شيئا، فالأخوة الكتاب والمثقفين العرب قبل الكورد قد تناولوا كل فترة ومرحلة من حياته بالدراسة والتحليل، وزينوا بكتاباتهم ومقالاتهم الجميلة والشيقة عنه صفحات ومواقع الإنترنيت.

لكن ما يهمني ويهم الشعب الكوردي ويهم قضيتنا الكوردية المقدسة، هو أن يأتي مثل هذا الإنتهازي المتطفل، بعد أن إستدار 180 درجة ليتسنى له التحرك وفق إستراتيجيته الإنتهازية البغيضة، مع إتجاه حركة رياح الحرية والتحرر التي بدأت تلوح في سماء كوردستان، لتتجمع وتشكل علما عاليا خفاقا يرمز إلى دولة كوردستان المستقلة، والتي يعلم السيد علوي قبل غيره بأن الإعلان عنها وتحقيقها بات مسألة وقت ليس إلا.

لذلك قرر الإنتقال للعيش في أقليم كوردستان وفي العاصمة أربيل بالذات، متوهما بأنه بمجرد تأييده لحق الشعب الكوردي في الإعلان عن دولته المستقلة، وبأنه سيقف مع هذا الحق، سيصبح حبيب الكورد ووصيا عليهم والمتحدث بإسمهم، والمرشد والمخطط لعملية إنتقالهم من الفدرالية إلى الدولة المستقلة، وبذلك سيضمن لنفسه من المكانة والمكاسب ما لم يحصل عليها في بغداد التي تعرفه جيدا.

ففي أمسية سياسية ثقافية بعنوان { رؤية لستراتيجيات المنطقة ومنعكساتها الكوردية } أقامتها له نقابة صحفيي كوردستان في قاعة فندق روتانا بأربيل قبل أيام، وبحضور عدد كبير من المسؤولين السياسيين والإداريين والإعلاميين،

ذهب السيد حسن العلوي بعيدا في مغالطاته ومزايداته حيث قالـ، لقد أعطيت للكورد الكثير من الفرص لم تعطى مثلها للشعوب الأخرى لتقرير مصيرها، وإن الكورد لم يستفيدوا عمرهم من أية فرصة أعطيت لهم، ولم يتمكنوا من إستغلالها لإفتقارهم إلى الوحدة القومية حسب قوله، وقال أيضا أقولها بأعلى صوتي إن مسعود بارزاني يخاف من كلمة الدولة، وإن الجالسين هنا يخافون من الدولة، وإن حسن العلوي إذا تحدث عن الدولة فلن تقبل منه وربما يقول أحد إنها مزايدة.

وفي محاضرة أخرى له في السليمانية، قال إن على الحزبين الكورديين أن يتحدا فورا إستعدادا لإعلان الدولة الكوردية، وكأنه لايعلم بأن مفهوم وواقع الحزب الواحد هو أقصر الطرق التي تؤدي إلى خلق الأنظمة الدكتاتورية البغيضة التي عانى من ظلمها وإستبدادها الشعب الكوردي طويلا، وقدم الكثير من التضحيات من أجل التخلص منها، وإن التعددية الحزبية هي أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية، وإن الشعب الكوردي قد مارس الديمقراطية منذ عقود طويلة قبل أن يعرف العرب معنى الديمقراطية وكيفية ممارستها. وأن التجربة الفدرالية الديمقراطية الناجحة التي يمارسها شعبنا الكوردي منذ سنة 1992 وإلى اليوم، أثبتت للعالم بأن الشعب الكوردي شعب متحضر محب للحرية والديمقراطية، وقد شهد العالم كله بنزاهة وشفافية كل العمليات الإنتخابية التي جرت ضمن هذه الأطر الديمقراطية، ولم تكن الديمقراطية والتعددية الحزبية يوما عائقا في طريق تحقيق الأهداف والحقوق القومية لشعبنا الكوردي، كما إنها سوف لن تكون عائقا في طريق حق تقرير المصير، بل ستكون القوة الدافعة لإقرار هذا الحق المشروع.

نعم لقد قالها حسن علوي عن كلامه وبنفسه، إنها مزايدة ومزايدة رخيصة جدا، بأن يتحدث هو من عندياته ووفقا لمزاجه وأهوائه ومفاهيمه وتحليلاته الخاصة ودراسته الخاطئة لتأريخ الشعب الكوردي، الذي إتسم بالنضال الطويل والوضوح والقوة والشفافية في آن واحد، والذي ركز ووجه نضاله السياسي والعسكري في كل مرحلة في الإتجاه الصحيح الذي يخدم مصلحة الشعب الكوردي ويحقق الأهداف الستراتيجية التي رسمتها القيادة لتلك المرحلة، والتي كانت تتمحور دائما حول إقرار الحقوق القومية السياسية والثقافية للشعب الكوردي والديمقراطية للعراق، على إعتبار أن الديمقراطية هي الضمانة القوية للحفاظ على هذه الحقوق.

لا أعلم عن أية فرص تحدث حسن العلوي، أعطيت للكورد لإعلان دولتهم ولم يستفيدوا منها، وأضاعوها بسبب عدم وحدتهم وخوفهم من كلمة الدولة، فكلنا نعلم بأن أول فرصة سنحت للكورد لتأسيس الدولة الكوردية في التأريخ الحديث كانت بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تم تدويل القضية الكوردية لأول مرة في معاهدة سيفر التي عقدت في العاشر من شهر آب سنة 1920 بين الإمبراطورية العثمانية وقوات الحلفاء، والتي تضمنت المادة الثالثة منها ثلاثة بنود هي 62 و 63 و 64 تؤيد حق الشعب الكوردي في كوردستان الشمالية بالتمتع بالحكم الذاتي، وبعد مرور سنة واحدة يحق لسكان كوردستان الجنوبية الإنضمام الى كوردستان الشمالية والتمتع بنفس الحقوق القومية، وإذا أثبتوا جدارة وكفاءة في إدارة شؤونهم عند ذلك يحق لهم المطالبة بالإستقلال. جاءت تلك المعاهدة نتيجة لنضال الشعب الكوردي وثورته المستمرة ضد الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، لكن وكما ذكرت بأن الطغاة لايحترمون الحقوق القومية للشعوب، فقد تمكن مصطفى كمال أتاتورك في ذلك الحين بدهاءه وصفقاته مع الغرب، من إلغاء معاهدة سيفر لتحل محلها معاهدة لوزان سنة 1923 والتي إعتبرت بموجبها القضية الكوردية مسألة تركية داخلية، تبددت على أثرها أحلام الكورد بتشكيل دولتهم. لكن بالرغم من ذلك لم يتوقف نضال الشعب الكوردي بل إستمر في التصاعد في كل أجزائه المقسمة، الى أن تحقق الحلم بتشكيل دولة كوردية مستقلة في إيران في الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني سنة 1946 تحت إسم جمهورية مهاباد، برئاسة القاضي محمد، وبمساعدة الزعيم الكوردي الخالد مصطفى بارزاني ومجموعة من الضباط والمناضلين الكورد الأحرار، لكن للأسف فإن ذلك الحلم لم يدم طويلا وتم القضاء على جمهورية مهاباد الفتية بعد أحد عشر شهرا من ولادتها، ليس بسبب عدم وحدة الكورد كما يقول العلوي بل لأسباب وعوامل خارجية تمثلت بلعبة المصالح والتحالفات الدولية بين أمريكا والإتحاد السوفيتي وإيران آنذاك.
واصل الشعب الكوردي الذي يعشق الحرية والإستقلال نضاله السياسي والعسكري الى سنة 1961 حيث إندلعت ثورة أيلول المباركة، التي قادها الأب الروحي للشعب الكوردي مصطفى بارزاني تحت شعار الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق، شارك فيها غالبية أبناء الشعب الكوردي بكل فئاته وشرائحه من كل مدن وقرى وقصبات كوردستان في سوران وبهدينان، في وحدة وطنية قومية فريدة ومتماسكة قل نظيرها، تكللت بالنجاح وأجبرت نظام البعث الحاكم آنذاك بالرضوخ إلى مطالب الشعب الكوردي، والتوقيع على إتفاقية الحادي عشر من آذار سنة 1970 تضمنت الإعتراف بحقوق الشعب الكوردي القومية السياسية والثقافية، إستنادا الى قانون الحكم الذاتي الذي صادق عليه الطرفان، وإتفقا على هدنة مدتها أربعة سنوات لتنفيذ تلك الإتفاقية.
لكن وكعادة المجرمين والطغاة لم يفوت صدام حسين وحزبه البائد أية فرصة للإجهاز على تلك الإتفاقية التي إضطر الى التوقيع عليها نظرا لضعف موقفه وقوة موقف الحركة الكوردية آنذاك. لم يتوان عن التخطيط لمحاولة إغتيال قادة الثورة الكوردية وفي مقدمتهم الزعيم مصطفى بارزاني، حين أرسل اليه بعضا من رجال مخابراته بعد أن إرتدوا ملابس رجال الدين الإسلامي وتحتها الكثير من القنابل والمتفجرات، وهم يعلمون جيدا مدى الإحترام الذي كان يكنه الراحل الكبير لرجال الدين، لكن شاءت القدرة الإلاهية أن تنقذ بارزاني من موت محقق خطط له المجرمون بدهاء. وبعد إنتهاء هدنة الأربع سنوات تجدد القتال بين فصائل البيشمركة الكورد وقوات حزب البعث، حقق الجانب الكوردي فيها إنتصارات كبيرة ومهمة، ولم يعد بإستطاعة الجيش العراقي مواصلة القتال، مما إضطر صدام حسين الى سلوك طريق الغدر والخيانة وتقديم الكثير من التنازلات التى شملت الأراضي والمياه العراقية الى إيران التي كان يحكمها الشاه محمد رضا بهلوي، بعد توقيع معاهدة الخيانة الثلاثية ضد شعبنا الكوردي بمساعدة ووساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين سنة 1975 والتي سميت بإتفاقية الجزائر المشؤومة، التي قضت مرة أخرى على آمال وطموحات شعبنا الكوردي في نيل حقوقه القومية وممارسة حقه الطبيعي والمشروع في إدارة شؤونه بعيدا عن سلطة البعث. وأيضا لأسباب وعومل خارجية لا علاقة لها البتة بموضوع وحدة الصف أو القرار الكوردي، وقد كان السيد حسن العلوي شاهدا بل ومشاركا إعلاميا في كل تلك الأحداث، من خلال موقعه الإعلامي البعثي المتقدم وقربه أو صداقته القريبة جدا من صدام حسين آنذاك.

تسببت هذه المؤامرة الدنيئة التي سكت عنها العرب والغرب، الى توقف الحركة الكوردية بشكل مؤقت وأدت الى تشريد وهجرة مئات الآلاف من أبناء شعبنا الكوردي الى أصقاع كثيرة من دول العالم خاصة الغربي. لكن سرعان ما جمع المقاتلون الكورد قواتهم ووحدوا صفوفهم وبدأوا بممارسة نوع جديد من التكتيك العسكري على شكل حرب عصابات منظمة أنهكت العدو لسنوات، ومن ثم جرى تشكيل الجبهة الكوردستانية التي إنتظمت تحت لوائها جميع الفصائل الكوردية المسلحة، وفي مقدمتها الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني..
في نهاية سبعينات وخلال ثمانينات القرن الماضي، ومع إبتداء الحرب العراقية الإيرانية التي أطلق عليها إسم قادسية صدام المشؤومة، والتي حصدت أرواح قرابة مليوني إنسان عسكري ومدني من كلا الطرفين، تصاعد بقوة مؤشر النضال والعمل العسكري لفصائل القوات الكوردية {البيشمركة}، وعندما لم يتمكن صدام حسين من القضاء على تلك القوات صب جام غضبه على المدنيين الكورد الآمنين، ومارس بحقهم أبشع أنواع الجرائم والإنتهاكات، تمثلت بعمليات القتل والإبادة الجماعية، وحرق وتخريب القرى وتعريب ما تبقى منها وتهجير سكانها الى مناطق صحراوية في وسط وجنوب العراق، إضافة الى إعتقال عشرات الآلاف من شباب الكورد وزجهم في السجون والمعتقلات، ثم إعدامهم بعد أن أذاقهم كل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي التي لايمكن أن يحتملها إنسان، ولا تغيب عن بالنا مأساة حلبجة التي لاتزال ذكراها حية في ذاكرتنا حيث بلغت قسوة النظام البعثي ووحشيته ذروتها سنة 1988 حين قصف هذه المدينة الآمنة بالغازات الكيمياوية السامة، مما أدى الى قتل حوالي خمسة آلاف إنسان كوردي جلهم من النساء والأطفال والشيوخ، ثم أعقبها بعمليات الأنفال السيئة الصيت التي أدت الى إعتقال حوالي 182000 مواطن كوردي نقلوا الى منطقة الصحراء الغربية ودفنوا أحياء تحت رمالها، ولا زالت الى اليوم تكتشف المقابر الجماعية التي تضم رفاتهم.

في آذار سنة 1991 قام الشعب الكوردي بإنتفاضة عامة وكبيرة شملت جميع أنحاء كوردستان، نجحت في القضاء على جميع معاقل النظام البعثي العسكرية والأمنية والإستخباراتية في كوردستان، وإتم عتقال أكثر من 100000 عسكري عراقي أطلق سراحهم لاحقا معززين مكرمين، وفقا لشيم وأخلاق الشعب الكوردي والمبادئ الإنسانية التي يؤمن بها.
لكن بعد إنتهاء حرب الخليج التي شنتها قوات التحالف الدولية على القوات العراقية التي إحتلت الكويت سنة 1991 ، وبعد أن مني صدام بهزيمة عسكرية ساحقة وأجبر على الخروج من الكويت بعد أن وقع على وثيقة الإستسلام المشينة، التي نشرت البنود العلنية منها فقط في جميع وسائل الإعلام العالمية، ولغرض إسترداد ماء وجهه وجزءا بسيطا من الكرامة التي لم يكن يملكها أصلا، وليثبت بعنجهية بأنه لا زال قويا، بدأ عملية إنتقامية غادرة وجبانة جديدة ضد شعب كوردستان، حيث زحف بما تبقى من قواته وقطعاته وآلته العسكرية بإتجاه المدن الرئيسية دهوك وأربيل والسليمانية
.
بالتأكيد لم يكن بإستطاعة المدنيين الكورد العزل مواجهة جيش صدام خاصة في المدن الآهلة بالسكان، لذلك إضطر أربعة ملايين كوردي الى مغادرة مدنهم، وترك ممتلكاتهم وأموالهم التي تعرضت للسلب والنهب من قبل العرب إخواننا في الدين والوطن. والهروب بإتجاه الحدود التركية والإيرانية سيرا على الأقدام وعبر طرق وممرات جبلية وعرة، وفي ظروف جوية قاسية جدا حيث البرد القارس والأمطار والثلوج، مما أدى الى موت المئات بل الآلاف من الأطفال وكبار السن والمرضى.

عاد المهجرون الكورد إلى وطنهم كوردستان، بعد أن أصدرت الأمم المتحدة قرارات إلتزمت بتنفيذها قوات التحالف الدولية التي كانت تقودها امريكا، تضمنت إنشاء منطقة آمنة في شمال العراق ضمن خط عرض 36 مع توفير الحماية اللازمة للكورد لكي يكونوا في مأمن من بطش وإعتداءات صدام حسين ونظامه الغادر.

عاد الكورد ولم يكن للقوات العسكرية العراقية أي تواجد على أراضي كوردستان، لكن الإدارات العراقية كانت لاتزال باقية وتدير الأمور، وفي شهر مايس سنة 1992 قرر النظام البعثي سحب تلك الإدارات بهدف خلق حالة من الفراغ والفوضى الإدارية في المنطقة، بغية إحراج القيادات الكوردية ودفعها إلى دوامة من الإرباك والتخبط والصراع.

لكن الجبهة الكوردستانية أدركت بسرعة هدف النظام البعثي الخبيث، فعملت بسرعة على ملأ الفراغ الإداري وأجرت في 19 ـ 05 ـ 1992 أول إنتخابات ديمقراطية عامة ومباشرة، أدت الى تأسيس أول برلمان كوردستاني والذي قرر في 04 ـ 10 ـ 1992 إعلان الفدرالية من طرف واحد. تم بعدها تشكيل أول حكومة {وزارة} كوردية وطنية مناصفة بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني

كانت تلك هي أول فرصه تأريخية حقيقية سنحت للكورد لوضع الحجر الأساس واللبنات الأولى لبناء دولتهم المستقلة ، وكان عليهم في تلك المرحلة إثبات قدرتهم على إدارة شؤون أقليمهم بطريقة عصرية وديمقراطية، لكي يلفتوا إنتباه العالم ويضعوه أمام الصورة الحقيقية والجميلة للشعب الكوردي، والتي تعكس مدى توقه للسلام وتعلقه بالحرية والديمقراطية، وقد تمكن بالفعل بقوة إرادته ورغبته الصادقة وعمله الدؤوب من تحقيق وإبراز هذه الصورة، وتحويلها إلى واقع ملموس من خلال عمل وجهود ومثابرة كابينات وزارية متعاقبة، إستطاعت جميعها رغم الكثير من المعوقات والمؤامرات أن تعمل بنجاح وتحقق الكثير من الإنجازات الهامة، التي دفعت بالحياة السياسية والإقتصادية والعمرانية الى مستويات جديدة ومتقدمة من التطور والإزدهار، إستمرت وتيرتها في التصاعد الى حين سقوط النظام البعثي في 2003، حيث تفتحت أمام الشعب الكوردي آفاق جديدة لرسم مستقبله وتحقيق كامل طموحاته القومية، ووضع لبنات جديدة وراسخة في بنيان دولته المستقلة التي أصبحت في مراحل متطورة من التكوين.

لذلك وجدت القيادة الكوردستانية نفسها أمام مسؤوليات تأريخية كبيرة، ليس فقط تجاه الشعب الكوردي، بل تجاه الشعب العراقي وشعوب المنطقة والعالم، فعملت بجد ومثابرة وبروح عالية من الشعور بالمسؤولية، وفي صراع وتسابق مع الزمن على تحقيق أعلى قدر من البناء والتقدم والتطوير في كافة المجالات، وصولا إلى حالة متقدمة من الإزدهار في كوردستان، وفي نفس الوقت شاركت بفاعلية في رسم وتنفيذ وإنجاح العملية السياسية والتحولات الديمقراطية الجديدة لمرحلة ما بعد صدام، وصولا إلى بناء عراق ديمقراطي فدرالي جديد موحد، يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات. وأيضا عملت القيادة الكوردستانية على إرساء قواعد وأسس جديدة للسلام والإستقرار في المنطقة، خاصة مع دول الجوار تركيا وإيران ونزع فتيل الأزمات، بالرغم من محاولات هذه الدول اليائسة والمستمرة لجر المنطقة إلى الحرب والإقتتال، من خلال قصفهم وهجماتهم المستمرة على القرى والمناطق الحدودية، تحت حجج وذرائع واهية لايمكنها أن تخفي الأهداف الحقيقية والتي هي النيل من التجربة الديمقراطية الفدرالية في أقليم كوردستان وإفشالها، لكن حكمة القيادة الكوردية كانت وستبقى أكبر من نواياهم ومخططاتهم الشريرة بكثير.

إذن فالشعب الكوردي لم يتوقف يوما عن النضال من أجل حقوقه القومية المشروعة، وقد قدم على هذا الطريق الكثير من التضحيات الجسام، وقوافل طويلة من الشهداء الأبرار، سالت دمائهم الطاهرة على كل أراضي كوردستان من أجل حرية وكرامة شعبهم ورسم مستقبله، وإن حالة الأمن والسلام والإستقرار التي نعيشها اليوم، في إطار الفدرالية التي أقرها دستور العراق الديمقراطي الفدرالي الجديد، هي ثمرة لنضال شعبنا وتضحياته، ونتيجة لحكمة قياداتنا وإخلاصها لمبادئ الثورة الكوردية. ولا أعتقد بأن أحدا من أبناء شعبنا الكوردي سواء في الماضي أو الآن، لم يكن أو لا يحلم بأن تكون له دولته المستقلة، وهذا حق طبيعي ومشروع إسوة بكل شعوب العالم. لكن وكما قال السيد مسعود بارزاني مرارا، هناك فرق كبير بين الرغبة والطموح، وبين ماهو قابل للتحقيق، ولا يجب أن نتسرع في إعلان دولتنا قبل إكتمال بنيانها.

والأن ها هو البناء قد أوشك على الإنتهاء، وأصبحت مقومات الدولة وبنيتها التحتية والأساسية متكاملة وواضحة المعالم، وأن الظروف الذاتية والموضوعية أصبحت مهيأة وتسير بهذا الإنجاه.

في هذه المرحلة بالتأكيد نحن كشعب بحاجة إلى أصدقاء شرفاء في كل مكان من العالم، للوقوف إلى جانبنا ودعم قضيتنا وحقنا في تقرير مصيرنا، ومساندة هذا الحق في المحافل الدولية، وإن الشعب الكوردي لا ينسى هؤلاء الأصدقاء، بل يسجل أسمائهم في سجل الشرف ليبقوا نجوما في سماء كوردستان وأعلاما في ذاكرة شعبه. ولسنا أبدا بحاجة إلى إنتهازيين يزايدون على قضيتنا العادلة لتحقيق مكاسب شخصية، ولسنا بحاجة إلى تحليلاتهم ونظرياتهم وآرائهم التي تخفي وراءها أهدافا مشبوهة، فلدينا من القادة والمنظرين من هم جديرون بثقة الشعب الكوردي ومحبته، وفي مقدمتهم السيد مسعود بارزاني رئيس الأقليم، يعملون ليل نهار بجدية وإخلاص من أجل الوصول بالشعب الكوردي إلى اليوم االذي يستطيع فيها إعلان دولته المستقلة بنجاح وبدعم دولي، ليرتفع العلم الكوردستاني خفاقا إلى جانب أعلام الدول الحرة المنظوية تحت راية الأمم المتحدة. وإني لأرى هذا اليوم قريب ...... بل قريب جدا. 

 

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة