لــــــو فــــرضـــــنـــا ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

لو فرضنا ان في العراق حكومة قوية ، يعني ان كل من رئيس الوزراء ووزراءه يفعلون حقاً ما يعدون الناس به ويعون مسؤلياتهم الوطنية وبيدهم صنع القرار ولا يلتفتون يمنة ويسرة خوفاً من شريك في السرقة او محاصص في الغنيمة او مطلع على ملفات الحسابات المصرفية والعقارات في خارج الوطن على الأكثر ، ولا خوفاً من كشف اوراق تعيينات ذوي القربي من مزوري الشهادات وعديمي الكفاءات ، ولا يعملون وفق مبدأ تبادل السكوت مقابل إستمرار نهب وسلب خيرات البلد واستحقاقات المواطن العراقي . اي حكومة تتوفر فيها صفات الحكومة حقاً لا تبجحاً .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية قررت ان تعالج بعض المشاكل الآنية الملحة في وطننا العراق الذي لا تخلو زاوية من زواياه من مشاكل ومشاكل يعاني منها الناس كل يوم على مدار ساعاته .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة الوطنية البعيدة عن المحاصصات والشراكات في السرقات والتزوير والإبتزاز والركوب على رؤوس واكتاف وظهور المحكومين ، خاصة الفقراء منهم ، قررت ان تضع ضمن اولويات معالجاتها واحدة من مشاكل التلاعب بأموال الدولة وشؤون المواطنين والمتعلقة بتعطيل مجلس النواب لمدة اربعين يوماً وتمتُع اكثر من مئة من اعضاءه بتمويل من قِبَل الدولة يُسهل لهم ومرافقيهم ، ويقال بعض اقرباءهم ايضاً ، تأدية مناسك الحج ، ومدى إتفاق هذا التصرف مع واجبهم كنواب عن الشعب الذي لم ينتخب الأغلبية الساحقة منهم التي وصلت إلى مورد الرزق الجديد هذا ، الذي قد يُكَفرون عن بعض إبتزازهم له بالطواف حول الكعبة بحيث يعيدون ذلك في كل سنة كي يمسحوا تبعات سرقة اموال الشعب في السنة التي مضت وهكذا تتكرر هذه المأساة كل عام وهم لا يستحون بعد كل عودة من هذا الحجيج والضجيج ان يُقال لهم : حج مبرور وسعي مشكور وقد يضيف بعض المطلعين على مناسك حج هؤلاء عبارة : وتجارة لن تبور .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية تستدعي هؤلاء النواب الذين شدوا الرحال للسفر وتختلي بكل واحد منهم على حدة لتسأله كم هي عدد المرات التي كرر فيها فعلته هذه التي يسميها هو " حج بيت الله الحرام " في حين يطلق عليها الناس في العراق ، والذين اصبحوا  يعرفون كل شيئ عن ألاعيب وسرقات واموال وعقارات هؤلاء ، يطلقون على حج من هذا النوع كل الصفات التي لا تمت بصلة إلى مناسك الحج التي اتت بها تعاليم السماء .

ولو فرضنا ان بعض هؤلاء النواب الحجاج سيخاف فعلاً من هذه الحكومة القوية ويظل يفتش عن الصدق الذي غاب عن فكره ومخيلته منذ سنين طوال فيجد بعض تلابيبه التي تُؤدي إلى إعترافه ، مكرهاً ، بأن " حجيجه " هذا لم يكن للمرة الأولى .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية اثبتت بما لا يقبل الشك بأن اغلب " نواب الشعب " هؤلاء قد تجاوزوا على اموال الدولة بتركهم لواجباتهم التي يستلمون رواتبهم الضخمة بسببها وهم يعيدون ذلك ويكررونه في كل سنة دون ان يتعرض او يعترض اي منهم على الآخر لأنهم جميعاً " في الهوى سوا " كما يُقال .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية إقتنعت فعلاً ببطلان إدعاءات " نواب الشعب الحجاج " هؤلاء وفاتحت رئاسة  المجلس النيابي مستفسرة عن اسباب السماح لهؤلاء بمغادرة مواقع عملهم الذي يتقاضون عليه أجراً مادياً وامتيازات تفوق التصور ، وعن أسباب تعطيل العمل لمدة اربعين يوماً يتقاضى عليها النواب الحجاج وغير الحجاج رواتبهم وامتيازاتهم كاملة غير منقوصة في الوقت الذي لا يمارسون فيه عملهم  .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية طلبت مما يسمى بهيئة الحج والعمرة توضيح التعليمات التي اصدرتها بمنح المجلس النيابي واعضاءه إمتيازات خاصة بشأن حصة هذا المجلس من نسبة العراق ، مستفسرة عن اسباب هذه الإمتيازات وهل ان وراء ذلك ما وراءه ، في الوقت الذي توضع فيه للمواطن العادي الكثير من العقبات التي تعيقه عن أداء هذه الفريضة ولمرة واحدة ، لا لعدة مرات .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية لم تفهم العلاقة بين تعطيل مجلس النواب لمدة اربعين يوماً وبين تعليمات ما يسمى بهيئة الحج والعمرة بأن يسافر النواب الحجاج في آخر وجبة تغادر العراق ويعودون مع اول وجبة إلى العراق بعد إنتهاء مناسك الحج . ففي هذه الحالة سوف لن يستمر إبتعاد النواب الحجاج عن مواقع عملهم اكثر من إسبوعين يسافرون فيها ويؤدون مناسك الحج ثم يعودون إلى أعمالهم ، لكي يحللوا شرعاً ، على الأقل ، رواتبهم الضخمة وامتيازاتهم الأضخم التي يتقاضونها من اموال هذا الشعب المظلوم بوجودهم أصلاً .

ولو فرضنا أن هذه الحكومة العراقية القوية قررت ان تعتبر مدة الغياب عن العمل في البرلمان العراقي لغرض اداء مناسك الحج ضمن ايام العطلة السنوية التي يتمتع بها موظفو الدولة ، مع إستمرار اعمال البرلمان ، وأن لا يُسمح للمرافقين او لاي شخص آخر ان يرافق هذا النائب الحاج على حساب الدولة ، كما هي العادة في هذه السنة وفي كل سنة، وإذا ما تجاوز النائب ايام العطل المخصصة له ضمن قانون العمل فإن المدة التي سيتغيب فيها عن موقع عمله ، حتى وإن كانت للحج ، ستعتبر إجازة بدون راتب ، كما يجري للكثيرين من موظفي الدولة .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية إطلعت على مجريات حج النواب في السنين الماضية ووجدت ان حمولات بعض الطائرات التي إستقلها " بعض النواب " كانت حمولات تجارة لا زيارة ، وقررت إصدار تعليمات مشددة تجري على تفتيش حمولة الطائرات التي يستقلها النواب بشكل خاص لمنع هذه الظاهرة التي أخذ الكثير من الناس يتحدث عنها في المحافل العامة والخاصة .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة قوية جداً ولا تخشى لومة لائم او قولة قائل وتطلب من المرجعيات الدينية ان تحدد موقفها من هكذا نواب معممين وأفندية ، ملتحين مبسملين محوقلين مرصعي الجباه  " من اثر السجود " يتركون واجباتهم التي كلفهم بها القانون ، إلا انهم يستمرون على أخذ الأموال والإمتيازات المرتبطة بتنفيذ هذه الواجبات ، حجتهم في ذلك تأدية فريضة دينية ، وخاصة من أولئك الذين يكررون ذلك كل عام .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية تسعى إلى تطبيق القانون وتطلب من كل النواب السابقين واللاحقين المتجاوزين على القانون ، وما اكثرهم ، والذين أثروا بشكل غير شرعي دينياً وغير قانوني وغير اخلاقي أيضاً ، وتطلب من هؤلاء إعادة كافة الأموال التي سرقوها عبر هذا الطريق إلى خزينة الدولة .

ولو فرضنا ان هذه الحكومة القوية تصدر قانونا تمنع فيه موظفي الدولة من النواب والوزراء والمسؤولين الكبار وكل مَن يستغل موارد ادولة باسم الدين من السفر إلى الحج اكثر من مرة دون ان يتحمل تبعات ذلك مادياً ووظيفياً .

هذه واحدة فقط من المشاكل التي قد تدخل في عداد البسيطة إذا ما قورنت بالمشاكل المعقدة المتعلقة بالسرقات الكبرى وبعمليات ألإثراء الفاحش الذي هبط على بعض سياسيي العراق الجديد من خلال إنتشار الفساد المالي والإداري ، وعمليات التهديد والتهجير والإبتزاز والقتل وتنظيم مليشيات الرعب واستعراضات العضلات وعمليات التزوير وتنظيمات الإرهاب والجريمة ، وسوف لا تكون هناك نهاية لعدد الواوات إذا ما إستطردنا بتعداد الويلات والمأسي الذي يتعرض لها وطننا وشعبنا اليوم ومنذ ان ورث ألإسلام السياسي تبنيه لجرائم البعثفاشية التي اصبغها صبغة دينية هذه المرة .

فماذا سيكون مصير هذه الحكومة يا ترى في بلد تتحكم فيه مشايخ الدين ، وكل هذه الإفتراضات والإجراءات تقع بدون ادنى شك في صلب التعليمات الدينية التي ترفض الإحتيال على القانون والتلاعب بالمال العام والتسلق فوق الدين لتحقيق المآرب الخاصة ؟

هل سُيُكتب لحكومة مثل هذه تريد تحقيق العدالة الإجتماعية العيش الطويل تحت طائلة العمائم التي نعيش مآسيها منذ سنين طوال ،  بكل ما جاءت به من فنون واعمال وآراء لتحقيق هذه المآسي ؟

في منتصف القرن الماضي كتب شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم رائعته الخالدة " أين حقي " التي عالج فيها كثيراً من المشاكل الإجتماعية السائدة والمهيمنة على وطننا آنذاك.  وقد خصص بحر العلوم حيزاً لا بأس به لبعض الظواهر التي لم تكن بتلك الشدة التي نراها اليوم والمتعلقة باستغلال بعض المعممين للدين بما يتفق وتلبية إحتياجاتهم ومصالحهم التي ربطوها بالحكم والحاكم فأساءوا إلى الدين وإلى المجتمع في آن واحد . ومما قاله بحر العلوم آنذاك قد ينطبق على الواقع الذي يعيشه المواطن العراقي اليوم مع هؤلاء المعممين :


ليتني أسطيع بعث الوعي في بعض الجماجم
لأريح البشر المخدوع من شر البهائم
وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم
من مآس تقتل الحق وتبكى: أين حقي؟

إلا ان المصلح الإجتماعي الكبير محمد عبده في مصر سبق شاعر الشعب العراقي بحر العلوم في إكتشاف حقيقة بعض هؤلاء المعممين وخطرهم على الدين حتى صاح بأعلى صوته :

ولكن ديناً قد أردت صلاحه     أحاذ ر  ان  تقضي  عليه  العمائم

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة