معارضون سوريون بلا ضمير

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

   يرى السيد أشرف المقداد ما هو وراء المؤتمرات، لذلك يشعر بالأسف الذي يذكرها في مقاله"... برهان غليون  والأربعين حرامي! " ... وأنا بدوري أشعر بالحزن والأسى على شهداء الوطن، حيث مجموعات تدعي المعارضة تتاجر بأرواحها في الخارج، وأخرى في الداخل تلملم الطلقات الفارغة التي أخترقت رصاصاتها صدر الشعب المليء بالعنفوان والكبرياء، يسموا طغاة سوريا بالديمقراطية. أشعر بالأسف على بعض أطراف المعارضة في الداخل والخارج التي تنتهز أحداث الثورة في الداخل وهم يحاولون أستخدام شبابها لتحقيق مآربهم، وأشعر بالأسف على شريحة من المثقفين الذين جعلوا من قلمهم مطية لتلك القوى والأحزاب السورية عامة، هؤلاء المتخمون بثقافة التعامل الميكيافيلي المستفيد من المصالح الحزبية، وعلى رأسها قادة وخبراء النفاق والإستماتة على القيادة.

  مجلسان معارضان، لا يتعارضان، التناقضات بينهما لا تتعدى إطار الأولوية في الحصول على حصة الأسد من الثورة، في الخارج يتقاتلون على المناصب، وفي مقدمتهم القوى الممثلة لأجندة مفاهيم الإسلام السياسي المسير من قبل الأردوغانية والغايات الطورانية، هذا الباحث عن السيطرة على الشرق بإسم الإسلام الليبرالي من جهة، والقضاء على الحركة الكردية قبل بلوغ الثورة السورية أهدافها من جهة أخرى، أما القوى البرهانية المدعية بالعلمانية مطية الفكر القومي العروبي والمغطى بالوطنية المزيفة، تتأرجح بين أجندات متعددة المصالح!

  الجهتان تبحثان عن نقاط الإختلاف، ولا تحاولان الإلتقاء على نقاط التفاهم والتقارب، المتمعن في خلافاتهم سيدرك كم هم بعيدون عن الثورة ومفاهيمها، أنهم لايبحثون عن البنية التي يجب الأعتماد عليها لأسقاط النظام بل يبحثون عن الطرق التي سيستلمون فيها على السلطة، يبحثون عن الإنقلابات وعن السيادة في تسيير السلطة القادمة، حيث المفاهيم الديمقراطية غائبة عن أجوائهم، والثوار الشباب ينتظرون تمثيل موحد.

  تكاد الثورة أن تكون في حكم الغائب عند عقد المؤتمرات في الخارج، وهي الفترات التي تثار وتبان بشكل واضح حالات الصراع على المراكز، لولا أن أستمرارية الثورة تعطيهم ركيزة البقاء لما أعاروها الإنتباه، فهم مع ديمومتها ليست للأنتصار على النظام وأسقاطه، بل لنموهم في الخارج، والحصول على الدعم والشرعية الدولية، لا يهم كم ستدوم الثورة، وكم من الشهداء في سوريا الوطن سيسقطون بيد الجلادين والمجرمين من رعاع آل الأسد الطغاة، بل المهم أن يحصلوا على الريادة في المجلس الوطني السوري  ويحكموا بأسم ممثلي الثورة.

 مقابل هؤلاء تتمرس " هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سوريا " وراء الداخل الاستبدادي وتدعي من أعماق المستنقعات الآسنة بأنها تتنفس نسائم الحرية! رافعة في الساحات التي أمتلأت فيها اشلاء شهداء الوطن والأطراف الممزقة من شرف الأمة السورية، شعار اللاآت الثلاث: اللات والعزى والمناة..  والثالثة الأخرى! والأخيرة هي لا للتدخل الخارجي حفاظاً على السلطة وحاشيتها، وببيان لا يجاري!... هيئة جمعت من أزقة الوطن المثخن بالجراح لعقد مؤتمر ترفع فيه الاءات تلك!. هؤلاء حاضن السلطة وربيبها، المتباهون، والنفاق بادي على محياهم  وتاريخ البعض مليء بالسواد، بأنهم المعارضة الداخلية ويمثلون الثورة!  يعارضون السلطة! وهم على بعد رمية حجر من العاصمة، في الوقت الذي تقوم شبيحة هذه السلطة بتقطيع أجساد فتيات يمثلون شرف سوريا الوطن في الساحات المحاطة بمكان المؤتمر المطالب بإسقاط السلطة! ثلاثمائة معارض يجتمعون ويطالبون بإسقاطه، وهم في عقر حديقته يرفعون ثلاث لاآت منافقة!  ولم يتعرض لهم أي شبيح! بل الشبيحة كانوا يحرسون المؤتمر من شباب الثورة والمندسين والعصابات الخارجية! كما أن الشبيحة أمنوا لهم الفندق والمطعم  وطبعوا لهم البيان الختامي بعد أن نقحوه ونشروه على حسابهم الخاص، وأمنوا الموصلات التي لم تنفجر وهي على الطريق ولم يتعرض لهم أي قناص خارجي مندس!...

   ما أأسف عليه أكثر، تلك الأنزياحات الفكرية الفظيعة لمجموعة من المثقفين الذين كانوا القدوة بتعرية السلطة الفاشية، والأوائل في البحث عن القوة التي ستؤدي إلى إسقاطها، وكشفوا الكثير من جرائمها، وهم الآن بين ليلة وضحاها يتاجرون بالفكر والمنطق والقلم، وأصبحوا يخدعون أنفسهم ويخدعون القراء بمدح السلطة بشكل غير مباشر، وذلك من خلال مدح " المجلس السوري الموسع " والمسمى بالمعارضة الداخلية، والذي أسس في حديقة القصر الجمهوري! يمدحون شريحة تدعي المعارضة المغطاة بأغطية مرقعة لم يجدوا لها مخرجاً سوى بأنهم مجموعة تعارض التدخل الخارجي ! وهذه هي الحقيقة!... فالمعارضة الأساسية بالنسبة لهم ليست ضد السلطة بقدر ما هي ضد الذين يطالبون بالتدخل الخارجي أو الحماية الدولية! وهذه الفكرة روجتها السلطة السورية رهبة. القوة الخارجية السياسية والدبلوماسية أو العسكرية هي التي ستكون السند القويم لثورة الشباب في الداخل لهدم أركان السلطة الشمولية وبشكل مؤكد، وتأكيد على هذا التخوف، المسيرات الإجبارية والمعروفة لكل مواطن عاش في سوريا، ليبينوا عن الفرح العارم الذي غطى سماء السلطة وهم يسمعون بفيتو روسيا والصين، والتي أطالت أعمارهم بعض الزمن، كما وأن هذه الفكرة هي السبب الرئيس في تشكيل هيئة القوى الديمقراطية وإقامة المؤتمر في فندق الخمس نجوم في دمشق، وتشكيل " المجلس الوطني السوري...الموسع " ليكون المنافس للمجلس الخارجي الذي يطالب بعضهم بالحماية الدولية!.

 تلك المفاهيم والغايات بحد ذاتها لا تختلف عن غاية أجندات الدولة الأردوغانية التي أملت على معظم المؤتمرات الإستنبولية إلى أن تشكل " المجلس الوطني السوري.. الموحد " وفرض عليها البند التشكيكي التحريضي، التأكيد على  " وحدة البلاد أرضاً وشعباً " البند الأكثر وضوحاً الذي يشترك فيه مع هيئة التنسيق، والذي لا يوجد من سبب لذكره سوى بأنه موجه بشكل أستفزازي مباشر للشعب الكردي. وبالمقابل أملت السلطة السورية على المعارضة الداخلية البندين: لا للتدخل الخارجي وبند أسقاط النظام، مع تحليلات بأن المعني بالنظام ليست السلطة الرئاسية بل السلطة الأمنية، أي أن العرش الأسدي  وقادة المآسي والفساد والإجرام وأصحاب النهب و التدمير الإقتصادي لا يندرجون في تؤيلات هذا البند الوارد في مؤتمر هيئة القوى الديمقراطية!. وفي الجهتين يوجد نسيان لمفاهيم الثورة الشبابية السورية.

  الثورة السورية تناضل بين قوى معارضة وسلطة فاشية فاسدة، من أجل اسقاط النظام، وإذا بها الآن تجد نفسها في ساحات ثورة أوسع من المتوقع، خاصة عند ظهور المعارك السياسية والدبلوماسية ما بين الإنتهازيين وقوى العهر السياسي. المسيرة تطول، والنضال يتوسع، وساحات المعارك تتنوع وتتشعب، ومن وراء إنتهازية هذه القوى التي أمتلكت اسم المعارضة، وجعلت من السلطة السورية ذكية وواسعة المدارك لتفادي ضربات ثوار الشباب، فخرجت ببرامج بعيدة المدى، لتطيل عمرها إلى شهور أبعد من المتوقع، والمؤلم في كل هذا تزايد أعداد الشهداء من الشعب في الوطن الجريح من كل الأطراف.

   الشهداء ودم المواطن أرخص بكثير من أثمن تدمير المنشآت و مستودعات الذخيرة، لدى الذين يرفضون التدخل الخارجي. الشعب يقتل وهم يودون الحفاظ على البنية التحتية، لا يهم ما يحدث للبناء الثقافي والكيان الإنساني ! أولئك الذين رفعوا شعار SOS“ " وانتقلوا إلى الإختلاف بين أنتقاء التدخل الخارجي أو الحماية الدولية، يدركون تماماً بأن الوضع الإنساني المزري في سوريا وهم تحت رحمة شبيحة ماهر الأسد وقواه اللاأمنية ستؤدي في القادم من الزمن إلى الأصرار على التدخل الخارجي، كما فعلها البعض. وهذا بالضبط ما دفع بالسلطة السورية إلى الشماعة الدعائية ونفخت في أبواقها للوقوف أمام شعار التدخل الخارجي، وكثروا من دعاية تشبيهها بالوضع العراقي والليبي، متناسين الحقيقة، والتي يدركها كل إنسان، ألا وهي أن معظم مآسي العراق يقف ورائها السلطة السورية وأئمة أيران، وهذا ما ستثبته الأيام القادمة بعد سقوط نظام الأسد، يوم سيخرج أرشيفهم المليء بالدسائس والمؤامرات. وفي ليبيا يقف ورائها سفيهها وعائلته، كما كانوا وراء بعثرة ونهب أقتصادها على مدى أربعة عقود، لنشر مخططاته وأفكاره الموبوءة بكل آثام البشرية.

   مع كل هذا فالثورة السورية أقوى من أن تتمكن الأقلام المحيرة والمتذبذبة التأثير فيها مهما غيرت مسار خطوطها، وأي كانت نوعية الأجندات الوهمية، الثورة الشبابية السورية أمتن من القوى التي تود التلاعب بمسيرتها، للحصول على أكثر المزايا في السلطة القادمة ما بعد أسقاط النظام الأسدي، إنها ثورة أينعت من عمق مآسي الشعب، على بنية مفاهيم شمولية في معاني الحرية والديمقراطية، وهي جزء من الثورة الكلية التي تجتاح الشرق، والكل لا يكتمل بدونها، إنها جدلية تفرض نفسها وتسير في التاريخ لخلق الجديد على ركام فساد الماضي، لبناء ثقافة قبول الآخر بعد إزالة ثقافة الطغيان.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com   

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة