ثورة مصر الحرة تتعرض لمحاولة اغتيال جديدة! كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

منذ اليوم الأول لثورة شباب وشعب مصر ضد النظام السياسي الفاسد والظالم تتعرض هذه الثورة إلى محاولات جادة ومستمرة لاغتيالها, لوأدها, لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. نحن أمام مؤامرات ومناورات متتالية بدأت مع أول يوم للثورة يوم 25/يناير 2011 وتجلت بشكل صارخ في يوم 28 يناير/كانون الثاني 2011 بمعركة الجمل ولم تنته في يوم الأحد الدامي, يوم 9/10/2011 حيث سقط فيه 26 شخصاً وأكثر من 300 جريح في المواجهة الدموية بين المواطنين المتظاهرين من مسيحيين ومسلمين غير مسلحين ومسالمين الذين تجمعوا أمام "مبنى تلفزيون ماسبيرو" احتجاجاً على حرق كنائس أتباع الديانة المسيحية إضافة إلى حرق دور العائلات المسيحية, وبين قوى الردة والبلطجة ووحدات من الجيش والشرطة والأمن الداخلي, كان وما يزال هدفها الأول والرئيس شق وحدة الشعب المصري, لأنها الضمانة الوحيدة الفعلية لاستمرار زخم الثورة ونجاحها في إنجاز مهماتها الكبيرة المتمثلة ببناء دولة مصرية مدنية وديمقراطية حرة وعصرية تخدم مصالح شعب مصر وحريته وحياته الآمنة والكريمة. وقوى الردة لا تستهدف وحدة شعب مصر, باعتبارها أكبر دولة عربية وأكثرها نفوساً, إضافة إلى أهمية موقعها الجغرافي وتراثها الحضاري ودورها السياسي والثقافي والاجتماعي, كما لا تستهدف حرية هذا الشعب, فحسب, بل تستهدف أيضاً دور مصر وتأثيرها البالغ على الثورات الشبابية والشعبية في الدول العربية الأخرى ومنطقة الشرق الأوسط ودور مصر السياسي التقدمي على الصعيد الدولي.

إن قوى الردة الرجعية في مصر تسعى دون أدنى ريب إلى إعاقة عملية التغيير الثوري وإعاقة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية في موعدها المقرر, وإلى منع نقل السلطة إلى قوى الثورة والتقدم الاجتماعي المدنية وعودة الجيش إلى ثكناته لممارسة دوره في حماية حدود الوطن المصري, بل تريد أن يبقى الجيش خارج ثكناته ويمارس دوره السياسي والاجتماعي السلبي الراهن على مجمل العملية السياسية في البلاد, إن استمرار المجلس العسكري في قيادة العملية السياسية والتشريعية في البلاد تعني أولاً وقبل كل شيء توفير ذات الشروط والمستلزمات السياسية والأجواء المضطربة التي تساهم في إبقاء السلطة السياسية بيد القوات المسلحة, إذ يعتبر ذلك استمراراً وامتداداً للحكم العسكري الذي بدأ في مصر منذ ثورة يوليو/تموز 1952 حيث تتابع على حكم مصر كل من محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسني مبارك.

إن هذه المحاولة التي تجد الدعم من قوى مصرية وإقليمية ودولية تعتبر سياسة مناهضةً لما تسعى إليه قوى الثورة الشعبية المقدامة التي تعمل على إقامة نظام حكم مدني ديمقراطي وبرلماني حر ونزيه يعتمد على دستور مدني وديمقراطياً حديث لدولة مصرية عصرية تلتزم بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وكذلك الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة واستقلال القضاء ورفع الأحكام العرفية ووضع موارد البلاد في خدمة عملية التنمية ومكافحة البطالة والفقر الذي يعم البلاد وتعاني منه نسبة عالية جداً من السكان التي تعيش على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, إضافة إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وهدر موارد الدولة.

إن المؤامرة الراهنة تستهدف إشاعة الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار من جهة وتؤكد من جهة أخرى عجز حكومة عصام شرف عن تحقيق مهمات الثورة الشعبية والتي أدت إلى استقالة وزير المالية احتجاجاً على ما يجري في مصر من جهة ثانية.

إن هذه المؤامرة الخبيثة لا تسعى إلى جعل الثورة الشبابية والشعبية تراوح في مكانها فحسب, بل وتسعى إلى تأمين حصول ردة رجعية فعلية نحو الوراء, إلى ما كانت عليه مصر في زمن المستبد بأمره محمد حسني مبارك, بأمل عودة قوى النظام السابق إلى الحكم, أو من أجل إقامة دولة إسلامية تستند إلى "حاكمية الله" و"الإسلام هو الحل" لتحارب أتباع كافة الأديان الأخرى باعتبارهم "كفاراً" لا بد من الخلاص منهم وبالمقدمة منهم أقباط مصر الذين يشكلون أكثر من 10% من شعب مصر بدعوى مناهضة المسيحيين "الكفار!" للإسلام! إنها الرغبة العدوانية الجامحة لدى الإسلاميين السياسيين السلفيين الذين يسعون إلى استخدام كافة السبل المتوفرة لديهم لفرض الهجرة القسرية على المواطنين والمواطنات الأقباط إلى خارج مصر. إن هذه السياسة تشكل جزءاً عضوياً من سياسة قوى الإسلام السياسي المتطرفة لا في مصر وحدها فحسب, بل وفي بعض الدول العربية الأخرى, كما يحصل في العراق مثلاً. علماً بأن المسيحيين في كلا البلدين هم من أبناء وبنات البلدين الأصليين, إنهم من أصل أهل البلدين.

إن المؤامرة الجارية كبيرة حقاً ولا يشترك فيها طرف واحد فحسب بل عدة أطراف, ولكن لها هدف واحد هو حرف الثورة عن مسارها المنشود وإعادة قوى الردة والبغضاء إلى الحكم, أو إقامة حكم "إسلامي" سلفي" وعنصري دموي شائن. فمن هم هؤلاء الذين يتربصون بالثورة وقادتها من الشباب والشابات وقواها الأساسية, ومن هم أولئك الذين ينظمون العمليات الإرهابية التي تريد اغتيال وحدة الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه وبقية أتباع المذاهب أو الديانات الأخرى؟

إنهم وباختصار شديد:

1.       قوى النظام السابق الموجودة والعاملة في جميع الوزارات والمواقع, وخاصة في وزارات الداخلية وقوى الأمن وكذلك في وزارة الدفاع ووزارة الإعلام وبعض القيادات العسكرية الذي كان شريكاً فعلياً في نظام محمد حسني مبارك ومستفيداً منه على حساب مصالح الغالبية العظمى من الشعب المصري. ووجود هذا البعض الكثير في مواقع مهمة وحساسة يساعده على تنظيم قوى معينة يتم زجها في مثل هذه العمليات الإجرامية التي وقعت في 9/10/2011, وهي ذات القوى التي نظمت معركة الجمل يوم 28/1/2011.

2.       قوى الإسلام السياسي السلفية التي تريد إقامة حكمها بالقوة من خلال ما تمارسه من عمليات إجرامية تهدف إلى زعزعة وحدة الصف المصري. وهي تؤمن بالعنف وتتهم أتباع جميع الديانات الأخرى غير المسلمين بكونها كافرة ومعادية للإسلام يجب دحرها وتصفيتها, كما إنها ترى في جميع المذاهب الأخرى في الإسلام عدواً لمذهبها الإسلامي الوحيد الصائب, أي المذهب الحنبلي (أحمد بن حنبل164 هـ/780 م ـ 241 هـ/855 م) والجناح الوهابي المتزمت منه (محمد عبد الوهاب التميمي 1703م - 1791م), وهي المدرسة الدينية السائدة في المملكة العربية السعودية والتي صدَّرت أفكارها عبر المدارس والأكاديميات الدينية وأموال النفط السعودية إلى الدول العربية وبقية الدول ذات الأكثرية المسلمة مثل أفغانستان وباكستان ومصر, وصدًّرت معها اتجاهات التعصب والتزمت والغلواء الديني والمذهبي والعنف وتكفير الآخر ورفض الأخر من الناحيتين الدينية والمذهبية.

3 . الجماعات الأكثر تشدداً في قوى الإسلام السياسي الأخرى وخاصة جماعة الأخوان المسلمين, وهي جماعة منظمة في مصر وقادرة على زج الكثير من الناس وتحشيدهم ضد إقامة الدولة المدنية الديمقراطية والمواطنة الحر والمتساوية, وهي التي تحصل على دعم دائم ومستمر من قادة وشيوخ الدين في المملكة العربية السعودية. ولهذه الجماعة قيادة مشتركة على الصعيد العالمي, كما إنها تسعى إلى إقامة الدولة الدينية المتحجرة في مصر وفي بقية الدول العربية.

إن من استمع إلى التلفزيون المصري وهو يدعو الناس إلى التصدي للمتظاهرين المسالمين يدرك إن المسؤولين على إدارة التلفزيون لا يمكنهم أن يطلبوا ذلك دون أن يكون قد حصلوا على موافقة فعلية من المجلس العسكري أو المسؤول العسكري المشرف على الإعلام وكذلك الحكومة المصرية الراهنة التي برهنت عن عجز فعلي شديد في إدارة شؤون البلاد في هذه الفترة الانتقالية. جاء في البيان الصادر عن البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان, ومقره القاهرة, حول هذا الموضوع ما يلي:

"يعلن البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان الحداد لمدة ثلاثة أيام علي أرواح مجزرة ماسبيرو- مسلمين ومسيحيين- والتي وقعت مساء أمس تحت سمع وبصر المقر الرئيس للتلفزيون الرسمي المصري دون أن يغطيها إعلامياً بالشكل المهني المناسب للحدث، وتجاوز الأمر إلى دعوته للمواطنين الشرفاء بالنزول والتصدي للمتظاهرين الأقباط الذين يهاجمون الجيش المصري، (وهي النغمة التي تعلمها من بياني المجلس الأعلى للقوات المسلحة الأخيرين)، في تعريض مباشر بالمتظاهرين والثوار بأنهم غير شرفاء وأنهم من غير أبناء مصر." [راجع: بيان البرنامج العربي تحت عنوان "بيان عاجل مصر أحداث ماسبيرو جريمة في حق الوطن" بتاريخ 10/10/2011].

كما صدر بيان عن حزب التحالف الشعبي الاشتراكي المصري بتاريخ 10/10 2011 بيان تحت عنوان " ندين مجزرة ماسبيرو..  ونطالب بمحاكمة عاجلة للمسئولين" جاء فيه ما يلي:

" تابع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بقلق بالغ وغضب شديد الأحداث المأسوية التي أدمت قلوب المصريين  والناجمة عن  الاعتداءات الوحشية للشرطة العسكرية  علي المتظاهرين العزل في منطقة ماسبيرو، واستشهاد عشرات تشوهت ملامح بعضهم .. وضاعت منها الرؤوس وفقا لشهادات  من المشرحة،  كنتيجة لمطاردة المتظاهرين بالعربات المجنزرة ودهسهم وإطلاق الرصاص الحي عليهم .. وهى المشاهد التي صورتها فضائيات عربية بينما عجز تليفزيون ماسبيرو عن بثها، وعمليات السحل تدور على بعد  بضع خطوات منه .. وشبح الموت يخيم في كل أرجاء المكان.

إن حزب التحالف الشعبي يدين هذه المجزرة البشعة .. كما يدين توجه الإعلام الحكومي وتعتيمه على الحقائق وتشويهه للأحداث، فضلا عما قام به من تحريض طائفي مباشر باسم حماية الجيش من الأقباط .. ومن المؤسف أن يتحول الإعلام المصري إلى بوق للطائفية وتتحول الشرطة العسكرية إلى ذراع للبطش والإرهاب. ".

إن الثورة المصرية تواجه اليوم مخاطر جمة تستوجب وحدة الصف الوطني المصري والتصدي لقوى الشر والردَّة, تستوجب التكاتف والتفاعل في ما بين قواها السليمة الساعية لضمان الانتصار النهائي للثورة على أعدائها في الداخل والخارج والوصول بها إلى شاطئ السلام والأمن والاستقرار.

لقد أكدت قوى الثورة الشبابية المصرية, التي فقدت في هذه العملية الإجرامية أحد أبرز نشطاء الثورة والمناضل الشجاع السيد مينا دانيال الذي استشهد برصاص قوى الردة الفكرية والسياسية والاجتماعية, وكافة الأحزاب الوطنية الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني, بما فيها منظمات حقوق الإنسان, على أهمية الالتزام بوحدة الشعب والانتقال السلمي السريع إلى الحكم المدني الديمقراطي والإسراع بإنجاز مهمات فترة الانتقال. كما أكدوا على مطلب الانتهاء السريع من التحقيق الذي يفترض أن تقوم به لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن الجناة ومن يقف وراء هذه العمليات الإجرامية, والكشف عن عمليات التعاون والتنسيق بين القوى التي شاركت في ضرب المتظاهرين والتسبب في استشهاد هذا العدد الكبير من المواطنين وكذلك الجرحى والمعوقين, وأغلبهم من المواطنين المسيحيين وتقديم المسؤولين عن هذه الجريمة إلى المحاكمة لنيل الجزاء العادل الذي يستحقونه.

إن من واجب شباب وشعوب الدول العربية والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي إدانة هذه العملية الإجرامية والتضامن المتين مع أقباط مصر الأحرار وقوى الثورة الشعبية بمختلف السبل السلمية المتوفرة.

الذكر الطيب للشهداء والشفاء للجرحى والصبر والسلوان لذوي الشهداء والجرحى والمعوقين.         

11/10/2011                                                            كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة