عناصر ومقومات الدولة الكوردية المرتقبة / 2 / خدر شنكالى

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بعد ان تعرّفنا في الجزء الاول من مقالنا هذا على عناصر الدولة الكوردية ، سوف نحاول هنا التأكد من مدى توفر مقومات هذه الدولة  وقدرتها على ادارة شعبها والحفاظ على ارضها ومكتسباتها وامكانية اقامة افضل العلاقات مع جيرانها .                                                                    

      لقد حقق الشعب الكوردي في العراق وبعد سنين طولة من النضال انجازا ومكسبا تاريخيا عظيما عندما قام بانتفاضته المجيدة في آذار عام 1991 وتدخّل المجتمع الدولي لحماية الشعب الكوردي من قمع النظام البائد مما اضطر واجبر الاخير الى سحب جيوشه وقواته وادارته من المناطق الكوردية ، فقد استغل الشعب الكوردي وقيادته الحكيمة هذا الفراغ الاداري وهذه الفرصة التاريخية لادارة نفسه بنفسه واجراء اول انتخابات عام 1992، وانبثق عنها ولادة اول برلمان  لاقليم كوردستان يمثل الشعب الكوردي بجميع اطيافه ومكوناته ، ثم تشكيل اول حكومة لاقليم كوردستان ، وقد حدد البرلمان باعتباره الممثل الشرعي لشعب كوردستان بتكييف العلاقة مع الحكومة المركزية وفي ظل الظروف الحالية في اطار الفيدرالية ، ولايخفى ان هناك مشاكل قد حدثت على صعيد الاقليم وداخل البيت الكوردي ، الا ان الشعب الكوردي استطاع التجاوز على جميع المشاكل والتحديات التي كانت ولاتزال تواجهه والوصول الى نظام سياسي واداري مستقر في الاقليم ، بل واصبح اقليم كوردستان اليوم يتمتع بنظام سياسي ودستوري واداري متكامل قادر على ادارة شعبه بكل جدارة وتقديم افضل الخدمات اليه ، ولاشك ان هذا الاستقرار السياسي والاداري في الاقليم يعتبر من اهم مقومات الدولة الكوردية المستقلة .                                          

     ولكن السؤال هنا هل ان المنجزات التي حققتها ادارة الاقليم وعلى مدى هذه السنوات قد وصلت الى مستوى يمكن اعتبارها مقومات لبناء دولة قادرة على البقاء ؟                                                                                

     لايخفى على احد بان النظام السياسي في كوردستان ومنذ عام 1991 ورغم التحديات والصعوبات ، قد حقق الكثير لابناء الشعب الكوردي وفي الكثير من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية وغيرها ، ففي الجانب السياسي ، فقد استطاع الاقليم اقامة افضل العلاقات مع العديد من دول العالم ، كالولايات المتحدة الامريكية واستراليا ودول الاتحاد الاوروبي والدول المجاورة كايران وتركيا والعديد من الدول العربية كالاردن ومصر واصبح للاقليم اليوم ممثليات في الكثير من دول العالم منها ، امريكا وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وسويسرا واسبانيا والنمسا واستراليا وغيرها من الدول ، وبالمقابل توجد اليوم في الاقليم وفي العاصمة اربيل  قنصليات هذه الدول وغيرها من الدول التي اصبحت اليوم تتمتع بعلاقات مستقرة ومتميزة مع الاقليم وعلى  اساس التبادل والمصالح المشتركة ، كما ان اغلب هذه الدول لها شركات واستثمارات قوية في الاقليم تشارك في بناء البنية التحتية وتقوية اقتصاد الاقليم ، وتتم في اطار هذه العلاقات ايضا الكثير من الانشطة والفعاليات السياسية التي تخدم مسيرة وتقدم هذه العلاقات بين الجابين . هذا على صعيد العلاقات الخارجية ، اما على الصعيد الداخلي ، فقد حقق الاقليم تقدما كبيرا في مجال التعددية وحرية الرأي والفكر وحقوق الانسان ففي الاقليم توجد الكثير من المنظمات الغير الحكومية التي تمارس عملها ونشاطاتها وذلك لنشر الوعي السياسي والديمقراطي وثقافة حقوق الانسان بين ابناء الشعب الكوردي ، بل وان جميع هذه الحقوق والحريات اصبحت مكفولة ومضمونة في دستور اقليم كوردستان الذي صادق عليه البرلمان وسيعرض على الشعب للاستفتاء عليه .                                                                            

    وفي هذا السياق ، فقد وصف السيد روبرت هالفون عضو البرلمان البريطاني ، الذي كان قد زار اقليم كوردستان مرتين وفي اوقات سابقة ، اقليم كوردستان بانه نموذج للديمقراطية في المنطقة ، وكتب في مقال له نشر على  احدى المواقع الالكترونية ( منذ سقوط صدام حسين لم يحم الكورد من الابادة الجماعية فحسب ، بل اضاف للمنطقة شعبا حرا يتوق للديمقراطية في اطار اقليم كوردستان ) .                                                                        

    اما على الجانب الاقتصادي والخدمي ، فلايخفى بان المناطق الكوردية قد تعرضت الى الكثير من الاهمال والخراب والدمار ابان النظام العراقي البائد ، بل التجأ هذا النظام الى سياسة الارض المحروقة ضد الشعب الكوردي بالاضافة الى عمليات التهجير والتعريب والترحيل بهدف تغيير ديموغرافية  المناطق الكوردية ، الا انه ومع ذلك فقد استطاعت حكومة اقليم كوردستان من اعادة بناء البنية التحتية للاقليم وبناء الكثير من المشاريع الخدمية والاعمارية في مجال الزراعة والصناعة والتجارة والصحة والسياحة والنقل وتوفير المياه واقامة الجسور وتبليط الشوارع والاتصالات وتوفير السكن المناسب لكل عائلة وغيرها ، ولاجل افساح المجال امام الشركات العالمية والوطنية للقيام باعادة اعمار الاقليم وبالشكل الذي يساهم في بناء عملية التنمية الاقتصادية  فقد صدر قانون الاستثمار في الاقليم رقم 4 لسنة 2006 ، فمثلا نجد اليوم في كل محافظة من محافظات الاقليم عشرات المشاريع السكنية التي تضم مئات بل وآلاف الشقق السكنية وباسعار مناسبة يتم دفعها على شكل اقساط تتحملها الحكومة عن طريق صندوق الاسكان . وقد بلغ حجم الاستثمار في اقليم كوردستان وخلال العام الحالي الى ملياري دولار وتفيد الاحصائيات التابعة لوزارة التجارة والصناعة في الاقليم ان هناك ( 1217 ) الف ومائتان وسبعة عشرة شركة اجنبية تعمل في الاقليم ، 60% منها شركات تركية ، وقال نائب اردني كان قد زار الاقليم مؤخرا بان اقليم كوردستان يتجه بان يكون مركزا اقتصاديا مهما في العراق والمنطقة . كما ان اقليم كوردستان قد حقق في هذا المجال انجازا ومكسبا تاريخيا عظيما للشعب الكوردي وذلك باكتشافه واستغلاله للثروة النفطية ، فلا شك ان ذلك يعتبر عاملا اقتصاديا وسياسيا مهما للاقليم ، بل ويعتبر الثروة النفطية اليوم من اهم المقومات التي تساعد على اقامة الدولة وقدرتها على البقاء .                                                      

    اما في الجانب الاجتماعي والثقافي ايضا ، فقد حققت حكومة اقليم كوردستان تقدما كبيرا في هذا المجال وذلك بزيادة الوعي الاجتماعي والثقافي بين ابناء الشعب الكوردي وتحرره من العشائرية والطائفية الضيقة والاهتمام بالتعليم وفتح العديد من الجامعات الحكومية والاهلية والاتفاق مع الكثير من الجامعات الاجنبية لارسال بعثات طلابية اليها لغرض اكمال دراستهم ليكونوا قادة المستقبل والمساهمة في بناء دولتهم . والاهتمام بالمرأة ورفع مستواها الثقافي والاجتماعي وفتح فرص العمل امامها وادخالها في المجال الوظيفي وسوق العمل واحترام مركزها وموقعها الاجتماعي ، وقد اصدر البرلمان الكوردستاني قوانين مهمة في هذا المجال منها تعديل قانون الاحوال الشخصية  النافذ رقم 188 لسنة 1959 ووضع قيود وشروط اكثر تشددا وصرامة على مسألة تعدد الزوجات وتحديدها بحالتين فقط هما : عدم الانجاب او وجود مرض تمنعها من المعاشرة الزوجية ، وكذلك زيادة مدة الحكم على مرتكبي الجرائم بحق المرأة  استنادا لما يسمى بالباعث الشريف او بدوافع شريفة وغيرها من الخطوات الهدف منها تحسين واقع المرأة الكوردستانية باعتبارها النصف الاهم في المجتمع .                                                             

وفي الجانب الاجتماعي ايضا وباعتبار ان القانون يعتبر من اهم ركائز المجتمع وعلى ضوءه يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية ، فان السلطة القضائية في كوردستان تمارس عملها كسلطة مستقلة عن السلطات الاخرى في الاقليم ، التنفيذية والتشريعية ، في تطبيق القانون على الجميع ودون تمييز وان قرار تأسيس معهد قضائي في الاقليم خطوة اخرى في اتجاه استقلالية القضاء وسيادة القانون ، لان تقدم وتطور أي مجتمع تقاس بمدى تطبيق القانون فيها وتحقيق العدالة الاجتماعية .                                                            

    وفي الجانب الاعلامي ايضا ، فان حرية الصحافة والرأي قد وصلت الى مستوى كبير جدا ، فهناك المئات من الصحف الرسمية والمستقلة التي تصدر في الاقليم وتمارس عملها الرقابي وتشخيص حالات الخلل الموجود في المجتمع الكوردي عن طريق وسائل الاعلام الحر ، وقد اصدر برلمان كوردستان عدة قوانين في هذا المجال لتنظيم العمل الصحفي اهمها قانون حرية الصحافة رقم 35 لسنة 2008 ، وذلك لما للصحافة من اهمية ودور كبيرين في خدمة المجتمع وباعتبارها مرآة تعكس الواقع الموجود اضافة الى  انها  تعتبر جسرا بين الشعب والحكومة يمكن من خلالها معالجة المشاكل الموجودة ولبناء مجتمع ديمقراطي حر قائم على اساس المساواة وسيادة القانون ومبدأ حقوق الانسان .                                                           

    ان ماذكر اعلاه يعتبر غيض من فيض من المقومات والركائز التي يمتلكها الشعب الكوردي في اقليم كوردستان ، وبشهادة الكثير من الوفود والشخصيات السياسية والحقوقية الاجنبية التي تزور الاقليم بشكل مستمر للاطلاع على اوضاعه ، بان اقليم كوردستان يشهد تطورا وتقدما في جميع المجالات ، وفي آخر احصاء اجرته موقع ( جيب فلايتس )، والذي يحمل اسم ( النجوم الصاعدة ) ان اربيل في اقليم كوردستان العراق  ، هي ثاني وجهة سياحية عالميا ، بعد ان شهدت استقرارا نسبيا وجذبت رجال الاعمال ، وذكر ان اربيل عاصمة اقليم كوردستان تشهد انفتاحا اقتصاديا واسعا على دول العالم وبشكل خاص الدول المجاورة ، مما ادى الى استقطاب فرص استثمارية في مجالات الاسكان والبناء والسياحة .                          

                            

  اذن وبناءا على ما سبق نستطيع الاجابة على سؤالنا السابق ، بان الشعب الكوردي في اقليم كوردستان وخلال السنوات الماضية  قد اثبت قدرته وجدارته في بناء مجتمعه ، وانه اليوم اصبح يمتلك المقومات اللازمة لبناء واقامة دولته الكوردية المستقلة .                                                        

 

 

    

                                                     

       

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة