فَــتِّــش عن الإسلام السياسي / الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

يحكى عن غاندي أن احد الصحفيين سأله يوماً عن اسباب الصراع القائم في الهند بين المسلمين والهندوس والذي يصل إلى حد الإعتداءات المسلحة في بعض الأحيان ، فأجاب غاندي قائلاً : ليس في هذا الصراع فقط ، بل في الصراعات الأخرى ايضاً ، فَـتِّـش عن الإنكليز فستجد السبب واضحاً .

ما يجري في مصر الآن من حرب شوارع يصوِّره الإعلام على انه صراع بين المسلمين والمسيحيين لا يبتعد عن تحليل غاندي للصراع بين المسلمين والهندوس في الهند . إلا ان سبب هذا الصراع ليس ألإنكليز في حالة مصر ، بل الإسلام السياسي الذي هو سبب البلاء المُبرم في جميع المجتمعات الإسلامية دون إستثناء.

ألإسلام السياسي هذا الذي يتمشدق بإلتزامه بتعاليم الدين ، إلا انه لا يكف عن إثارة الفتن في كل المجتمعات التي ينشط أعضاؤه فيها زاعمين ان نشاطهم هذا في سبيل نصرة الدين . إلا ان كل ما يقومون به لا يتعدى خلق الفتنة بين افراد المجتمع والفتنة أشد من القتل ، كما يعلمنا الدين الإسلامي .

ألإسلام السياسي هذا الذي لا وسيلة له سوى العنف المرتبط بالقتل والغدر بالآخر وتوظيف كافة وسائل الجريمة حتى بين منتسبيه ثم يسمي ذلك جهاداً في سبيل الدين ونشر العقيدة الإسلامية التي يفسرون نشرها بالسيف . وتعاليم الإسلام التي يعرفها الناس تقول أن لا إكراه في الدين .

الإسلام السياسي الذي يجعل من بعض حثالاته التي لا تعي ما يدور حولها في هذا الكون الحضاري وكلاء على امور الناس ينهون عن هذا ويأمرون بذاك ليقرروا هم وحدهم ما هو المعروف ليجبروا الناس عليه وما هو المنكر ليكرهونهم على تركه ، وتعاليم الإسلام لم تسمح حتى لرسوله ان يكون وكيلاً على الناس .

الإسلام السياسي يفسر النص الديني بما يرضي شهوات ملتحيه الذين لا يميزون بين الفكر والكفر والذين لا يتوانون عن إقصاء نصف المجتمع عن تأثيره في الحياة لأنهم لا يرون في المرأة إلا حرثاً يقذفون فيه قذاراتهم ، بالرغم من نقص دين هذا الحرث ونجاسته ، إلا ان ما يخرج عنه يسجلونه فخراً لهم ولرجولتهم التي لا همَّ لها إلا الركض وراء شهواتها الحيوانية ، وتعاليم الدين الذي يتبجحون بانتماءهم له يضع الجنة تحت اقدام ألأمهات ، بالرغم من نقص دينهن وعدم طهرهن كنساء ، من وجهة نظر هؤلاء .

الإسلام السياسي الذي يزيد غباء منتسبيه غباءً حينما يتهم الآخرين بابتعادهم عن تعاليم الإسلام فيضعون انفسهم في مقدمة مَن يفقه هذه التعاليم التي سرعان ما ينسونها حينما يتعلق الأمر بالغير المخالف لهم ولإطروحاتهم البدائية وبنات افكارهم المتحجرة ، وتعاليم الدين الذين يريدون أن يكونوا من اتباعه تقول لهم ان الإختلاف رحمة .

وهذا ما يحدث اليوم بالضبط في مصر التي يريدها فقهاء الشياطين من حملة الفكر التكفيري البائس مرتعاً لأفكار إنهاء الآخر سواءً كان هذا الآخر مسلماً أو غير مسلم . في الوقت الذي يشددون فيه في هذه المرحلة من تاريخ الثورة المصرية الشبابية على غير المسلم ليأخذوا قصب السبق ، حسب إعتقادهم ، في السيطرة على الساحة السياسية المصرية التي وجدوا فيها نصيراً من بعض منتسبي القوات المسلحة الذين يحاولون بدورهم إظهار الوفاء لسادتهم القدامى في حزب وحكومة مبارك ، فيتكئون على هذه القوى المتخلفة في تجمعات الإسلام السياسي لتحرق الكنائس وتثير الشغب وتتلاعب بشعارات جماهير الثورة لتفتح الطريق واسعاً امام الجيش ليؤكد نزعة بعض قادته على إستمرار قوانين الطوارئ وعلى نزول المصفحات والمدرعات والفرق العسكرية إلى الشارع لقمع المطالبين بوضع الثورة المصرية الشبابية على مسارها الصحيح الذي تبنته منذ الأيام الأولى لبزوغ الربيع العربي . لم يفكر متخلفو الإسلام السياسي يوماً ، أمام توجههم هذا نحو الجريمة ، ان تعاليم الدين الذي يتسلقون عليه تقول لهم وجادلهم بالتي هي أحسن .

الإسلام السياسي الذي لم تتفتق قريحته الضامرة إلا عن شعار " الإسلام هو الحل " هذا الشعار البائس الذي لم يجدوا له تفسيراً هم بالذات وذلك بالنظر لسطحيته وعموميته واتخاذه ذريعة تماماً كما يتخذون من رفع المصاحف في كل مناسبة ذريعة يعيدون بها ايام اسلافهم في خديعة عمرو بن العاص ورماحه الشهيرة التي غرسها في قلب الخُلِق العربي الإسلامي قبل ان يحمل المصاحف عليها ليمرر خديعته باسم الدين ، تماماً كما يعمل اسلافه اليوم في مصر وسوريا وتونس وليبيا والعراق وإيران واليمن والبحرين وكل المواقع التي يجري فيه حرف ثورة التحرر عن مسارها الشعبي الديمقراطي لوضعها بين براثن الوحوش الهمجية من قوى الإسلام السياسي التي لم تحل بموقع إلى وهدمته على رؤوس اهله .

وعلى هذا الأساس ومن خلال التجربة التي مرت بها تجارب قوى الإسلام السياسي المتخلفة وما جرته وتجره على الناس من ويلات حتى يومنا هذا سواءً في افغانستان او في مصر او العراق او سوريا او ليبيا أو إيران او السودان او البحرين أو السعودية او اليمن او باكستان او إلى اي وجهة في المجتمعات الإسلامية تتواجد فيها عصابات الإسلام السياسي بكل ما تحمله من نفاق في الخطاب وبكل ما تحمله من اسلحة دمار الغير المخالف  ، ينبغي الإنطلق من القاعدة الأساسية التي اصبحت لا تقبل الجدل والقائلة بان الإسلام السياسي وما يطرحه من فكر متخلف وشعارات منافقة هو السبب الأساسي في كل الويلات والمآسي التي تمر بها الآن أو التي ستمر بها المجتمعات الإسلامية في المستقبل . وهذا ما يحتم على القوى الديمقراطية العلمانية ان تواجه مثل هذا التحدي الرجعي المتخلف بوحدة ثورية تقدمية تضع الشعوب ومصالحها في التطور العلمي والتقدم الإجتماعي والرفاه الإقتصادي في مقدمة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها عبر برامج سياسية تأخذ متطلبات القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية بكل آلياتها بنظر الإعتبار .

  

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة