الاحتجاجات والانتفاضات في الدول العربية تواجه مخاطر امتصاص زخمها / كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الحلقة الثالثة والأخيرة

أما المجموعة الرابعة من الدول العربية فيمكن توزيعها إلى مجموعتين:

أ‌.        المملكة العربية السعودية والسودان وبعض دول الخليج.

تعيش مجموعة (أ) تحت وطأة التخلف الاجتماعي واستمرار النظام العشائري بالعمل في إطار الدولة والمجتمع وتخلف ثقافي, رغم دخول أرقى التقنيات والعمارات الجديدة والأموال الباذخة في كل من السعودية وبعض دول الخليج بشكل خاص التي تصرف على المشاريع الكمالية وبذخ الأمراء والشيوخ, ولكنها بعيدة كل البعد عن وعي روح الثقافة العربية الديمقراطية وعن التجديد والتطور الجاريين في الثقافة على الصعيد العالمي من جانب الثقافة الأوروبية وأمريكا الشمالية على نحو خاص. ففي هذه البلدان تسيطر العادات والتقاليد القبلية وأسر البيوتات الكبيرة والمعروفة فيها, أو تهيمن عليها قوى الإسلام السياسي, كما هو الحالف في السودان أو بهما معاً كما في المملكة العربية السعودية والسودان. وتسيطر النخبة الحاكمة على المال العام وتسخره كيفما تشاء دون حسيب أو رقيب لصالحها. ونتيجة لذلك اتسعت بمرور الزمن الفجوة الدخلية ومستويات المعيشة والحياة بين الفئات الاجتماعية الغنية وتلك الفقيرة.

تلعب هذه المجموعة من الدول, وخاصة المملكة العربية السعودية, دور المتآمر على الثورات الحديثة في بعض الدول العربية والمخرب لها والراغب في قبرها. فهي لا تكتفي باضطهاد شعوبها وحرمانه من الحرية والحياة الديمقراطية الدساتير, بل تسعى إلى فرض مثل هذا الوضع على الدول الأخرى خشية وصول المد الثوري والانتفاضات الشعبية إلى دولها لتدفع بحكامها إلى مزابل التاريخ.

ليست في هذه الدول حريات عامة ولا حقوق للإنسان, وخاصة بالنسبة للعاملين الأجانب فيها الذين يم استغلالهم بصورة بشعة وأشد مما كان الرأسماليون الإنجليز في بريطانيا يستغلون العمال في القرن التاسع عشر على سبيل المثال لا الحصر. وحكومات هذه الدول لا تعترف بلائحة حقوق الإنسان العالمية ولا بالكثير من المواثيق الدولية الخاصة بحقوق المرأة والطفل وضد التعذيب وضد التمييز...الخ. وبالتالي, فهي تضع نفسها خارج إطار الحضارة الإنسانية والالتزامات الدولية في القرن الحادي والعشرين. إن الإنسان في هذه البلدان يعيش في ظروف متخلفة تعود إلى القرون الوسطى في ما عدا تقنيات وقشور الحضارة الغربية التي تستخدم هناك لا لسعادة الإنسان بل لتكريس العبودية عليه.

المرأة في هذه البلدان محرومة من كافة الحقوق في ما عدا الحق في البقاء في البيت والمطبخ وأن تكون موضوعاً لإشباع الرغبات الجنسية عند الذكور ومن أجل إنجاب الأطفال. وقلة من النساء تجرأن على الخروج إلى الشارع أو المشاركة في الحياة العامة, إذ يواجهن باستمرار صعوبات كبيرة ومطاردة من لجان "العمل بالمعروف والنهي عن المنكر". النساء في واقع الحال لا يمتلكن حقوقهن وحرياتهن في هذه المجموعة من البلدان وكأنهن من جنس آخر غير جنس البشر. حتى إن عدداً من النساء جلدن بالسياط في السودان لأنهن تجرأن على ارتداء السراويل الطويلة الغربية في الشوارع, لأن هذه السراويل تظهر مفاتن المرأة التي تثير الشبق الجنسي البدائي عند الذكور الذين لا يعرفون في حياتهم غير الجنس واعتبار المرأة موضوع جنس لا غير, مهمتها إشباع الرغبات الحيوانية للذكور في هذه الدول. أما في السعودية فحتى قيادة السيارة محرم على المرأة, دعْ عنك الحقوق الأخرى كالمشاركة في الانتخابات أو الترشيح إلى مجلس الشورى, إذ لا انتخابات في السعودية أصلاً .. أو حرمانها من السفر منفردة أو دون "محرم". وحين تجرأت امرأة على قيادة سيارتها في الشوارع, ألقي القبض عليها من قبل شرطة "الأخلاق", حيث قدمت للمحاكمة. أنزلت المحكمة "العفيفة جداً" عقوبة الجلد (10 جلدات) بالسياط (10 جلدات) على ظهر المرأة السعودية. قرر الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود إلغاء هذا الحكم الوقح والعدواني, ولكنه لم يلغ القانون الذي يحرم على المرأة قيادة السيارة. ولم يكن قرار إلغاء الحكم بمرسوم ملكي سوى الرغبة في إسكات الضجة الدولية التي انطلقت ضد هذا الحكم الرجعي وضد هذا الموقف الدوني والمتخلف من المرأة في المملكة السعودية, في وقت يعيش العالم حضارة القرن الحادي والعشرين وحيث أصبح العديد من نساء العالم ملكات ورئيسات دول أو رئيسات وزراء ووزيرات وعالمات وصحفيات وأديبات و..., إضافة إلى كونهن أمهات. إن حكومة تضطهد نصف شعبها وتتجاوز على حرية هذا النصف وحقوقه لا تحترم نفسها ولا شعبها. ومن المؤسف أن عدداً آخر من الدول العربية يشارك مع هذه المجموعة من الدول في اضطهاد المرأة ومصادرة حقوقها المشروعة وجعلها تابعة للرجل في كل شيء.

إن السعودية وبعض دول الخليج, وبعض دول المنطقة أيضاً, يستخدمون ثروات شعوبهم لكبح نضال الشعوب المنتفضة والراغبة في التغيير. والمملكة العربية السعودية هي التي تقود عملية التآمر ومواجهة شعوب المنطقة, كما يحصل في كل من اليمن بشكل مباشر أو في سوريا بصورة غير مباشرة. وإيران تلعب نفس الدور ولكن من منطلق فرض نظامها السياسي على شعوب تلك البلدان المنتفضة. وبالأمس نهض جزء من الشعب السعودي ضد حكامه في شرق السعودية مطالبين بالمساواة وعدم التمييز. ورغم كونهم يطالبون بمساواتهم ببقية الشعب السعودي, بسبب التمييز المسلط عليهم لكونهم من أتباع المذهب الشيعي بخلاف مذهب الأكثرية السني الحنبلي الوهابي, فأن السعودية تتهم إيران بالتدخل في الشأن السعودي. ولا يمكن نكران ذلك, ولكن أليس من واجب الحكم في السعودية الاستجابة لمطالب أتباع هذا المذهب في الإسلام لتفويت الفرصة على إيران في التدخل بشؤون الشعب السعودي. ألم تتدخل السعودية ودول خليجية أخرى لقمع انتفاضة الشعب البحريني حين كان وما يزال يطالب بالحقوق والحياة الديمقراطية التي لم تطرح اليوم بل ومنذ سنوات يخوض الشعب البحريني معركة الحرية والحياة الدستورية الديمقراطية. فالشعب البحريني ارتفع صوته منذ سنوات كثيرة مطالبا إجراء تعديلات على الدستور للحد من صلاحيات الملك وبالمساواة وعدم التمييز والتداول الديمقراطي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية.

المملكة السعودية والعديد من دول الخليج غنية بمواردها النفطية والغاز. ولكن يتم توزيع هذه الموارد المالية بصورة غير عادلة وغير عقلانية. إن الإطلاع على الدراسات الخاصة بالاقتصاد السعودي سيدرك مدى الفجوة القائمة والمتسعة دوماً بين أصحاب المليارات من الدولارات الأمريكية من أبناء العائلة المالكة وجمهرة من أمراء وشيوخ السعودية وبين الفئات الكادحة والفقيرة والمعوزة. وهذه الفجوة تتسبب في المزيد من التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية لأمل تغيير الأوضاع لصالح الفئات الفقيرة. إن التحرك النضالي الشعبي سيصل إلى شعوب هذه الدول لا محالة, عندها لا يكتفي الشعب بالخلاص من هذا الملك أو ذاك رئيس دولة فحسب, بل سيكنس هذه النظم من جذورها ويقيم على أنقاضها نظم حكم مدنية وديمقراطية حيث تسود فيها بعض العدالة الاجتماعية الغائبة كلية في الوقت الحاضر.          

ب . المغرب والأردن والكويت

أما مجموعة (ب) من الدول فتضم إليها كل من المغرب والجزائر والأردن والكويت. فعبر النضال الوطني والاجتماعي المتعاظم للشعب المغربي, الذي يضم الأمازيغ باعتبارهم يشكلون أكثرية السكان, ثم العرب الذين لا تتجاوز نسبتهم الـ 20% من مجموع السكان, تحققت لهم الكثير من المكاسب المهمة ولكنهم ما زالوا في بداية الطريق صوب الدولة الحرة والديمقراطية التي تأخذ بمبدأ التداول السلمي والديمقراطي للسلطة ويتمتع الشعب بكامل حقوقه وحرياته الأساسية. ورغم تراجع دور المخزن في حياة البلاد, فإن البلاط ما يزال يمتلك القول الفصل في الحياة الدستورية والعامة وهو الأمر الذي يفترض تغييره. إذ ما تزال الحريات هناك تعتبر عطية من عطايا الملك التي يمنحها متى شاء ويمكن أن يسحبها متى شاء أيضاً. إن الحريات العامة والحقوق تنتزع عموماً ولا تمنح. وهكذا انتزع الشعب المغربي بعض حرياته ولكنه ما زال يعاني من الفقر والبطالة والحرمان. إن زيارة قصيرة لحي سي محمد في الدار البيضاء, الذي يمكن اعتباره واحداً من أفقر وأسوأ الأحياء الفقيرة في العالم حيث البيوت القصديرية وأزقتها المليئة بالنفايات, وبجوارها ينهض مسجد الحسن الثاني الذي كان في المقدور بناء عدة أحياء سكنية نظيفة وحديثة ومجهزة بمستويات العيش الكريم بتلك الأموال التي صرفت على بناء هذا المسجد الذي لا يزوره إلا القليل جداً من الناس. وعلى مقربة من هذا الحي البائس ينهض القصر الشامخ الذي بناه الملك الحسن الثاني الذي لا يقيم فيه إلا أيماً معدودات في السنة, ولكنه يجسد الفجوة المتسعة والجفوة القائمة بين حياة الملك وحياة "رعاياه!". لقد تسنى لي زيارة هذا الحي أكثر من مرة, عندها شعرت بالقهر والمرارة والإنسحاق الذي يعيش فيه سكان هذا الحي غير الإنساني المليء بالبشر الجائع والمحروم الذي يتنفس في أزقته روائح المياه الآسنة وبراز الأطفال.

وفي المملكة الأردنية يدور نقاش حيوي حول التعديلات الدستورية التي طرحها الملك عبد الله بن حسين والتي يسعى فيها إلى مواجهة التحرك الشعبي المطالب بمزيد من المزيد من الحريات العامة والديمقراطية وتقليص صلاحيات الملك. إن المهمة التي تواجه شعب الأردن تتلخص في إدخال نص دستوري يؤكد ما يلي: "إن ملك البلاد مصون غير مسؤول" كما في النظم الملكية الديمقراطية عادة. وهذا يعني جعل الملكية دستورية ديمقراطية يكون تداول السلطة فيها في ضوء نتائج الانتخابات العامة. وهو أمر يقرب بين الملك والشعب الأردني ويضعف من دور قوى الإسلام السياسي المنتعشة في الأردن والتي تلعب دوراً كبيراً في التأثير على حركة الناس, في حين لا تلعب القوى الديمقراطية والمدنية دوراً كبيراً في التحركات الشعبية الأخيرة. وكما هو الحال في بقية الدول العربية فالعدالة الاجتماعية غائبة عن الأردن والفقر واسع الانتشار والفجوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع مستمر.

أما الكويت فهي تعاني من مصاعب جمة بفعل عوامل عدة:

أ . سعي العائلة في الإمارة للسيطرة على الحكم وإدارته وتوزيع المراكز على أفراد العائلة الحاكمة.

ب . المجتمع العشائري الذي ما يزال يلعب دوره في الحياة العامة وفي ضعف دور الفرد والمرأة على نحو خاص.

ج . ضعف الحياة الديمقراطية التي تتجلى في بنود الدستور والتفسيرات العديدة لمواده. 

د . اتساع الفجوة بين الأغنياء جداً والفقراء جداً, وهو الأمر الذي يسمح بتفاقم الصراعات الداخلية بفعل غياب العدالة الاجتماعية.

هـ. الصراع الطائفي الذي تعاني منه الكويت والكثير من الدول العربية.

إن غياب أو ضعف الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في أي بلد من البلدان العربية يعني في كل الأحوال نشوء إحدى الحالتين:

  1. ضعف القوى المدنية والديمقراطية بسبب المحاربة التي تواجهها من قبل نظام الحكم والنخبة الحاكمة والفئات المالكة لوسائل الإنتاج.
  2. اتساع قاعدة ودور وتأثير قوى الإسلام السياسي على الشارع, إذ إنها تستخدم المساجد والجوامع كواقع ومنابر للوصول إلى عقول وقلوب الناس والدفع باتجاه الأخذ بما تروج له هذه القوى الإسلامية السياسية من شعارات مثل "حاكمية الله" و"الإسلام هو الحل".. الخ.  

ومن الجدير بالإشارة إلى أن النظم التي ما تزال تقف ضد حرية شعوبها وحياتهم الديمقراطية, تسعى جاهدة  لتبويش انتفاضات الشعوب في الدول العربية وإفراغها من محتواها الثوري الديمقراطي. وهي تبذل أقصى الجهود للتآمر على تلك الانتفاضات مع القوى التي اندحرت بفعل تلك الانتفاضات ولكنها لا تريد أن تقبل بخسارتها للحكم, بل تسعى للعودة إليه. ويمكن أن نلاحظ ذلك في كل من تونس ومصر وكذلك في ليبيا واليمن.     

إن الصراع بين قوى الخير وقوى الشر, بين القوى الديمقراطية التي تريد بناء حياة مدنية تستند إلى دستور ديمقراطي ومبادئ شرعة حقوق الإنسان الدولية وحقوق وحريات ومساواة المرأة بالرجل والعدالة الاجتماعية, وبين تلك القوى التي تريد باسم الإسلام أو هذا المذهب أو ذاك من المذاهب الإسلامية فرض نظامها السياسي وخيمتها الفكرية المهلهلة ونخبتها السياسية على شعوب هذه البلدان, يتخذ اليوم وسيتخذ في الفترة القادمة أيضاً أشكالاً حادة وتمارس فيه من جانب القوى الأخيرة أساليب كثيرة لإجهاض الحركة الديمقراطية الشبابية والشعبية التي كانت وما تزال الرد الرائع على النظم المستبدة وهي تتطلع إلى بناء حياتها الجديدة والسعيدة التي تستند إلى دستور مدني ديمقراطية وحياة حرة وكريمة تأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية بغض النظر عن القومية والدين والمذهب والجنس وتأمين العمل للقادرين عليه وتحسين مستوى حياة ومعيشة فئات المجتمع من خلال الاستخدام الأمثل للثروات الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي.

إن المشكلة لا تكمن في الصراع الداخلي فحسب, بل تبرز أيضاً في الدور الذي تمارسه القوى والدول المجاورة في هذا الصراع الداخلي بوقوفها إلى جانب قوى الردة أو المناهضة للحياة الديمقراطية. فبعضها لا يكتفي باتخاذ موقف الحياد مما يجري في الصراع الداخلي في سوريا فحسب, بل يبعث الوفود لإعلان تأييده للدكتاتور السوري في إجراءاته العدوانية ضد الشعب السوري كما فعل العراق وإيران, أو في مد يد العون المالي والأفراد والسلاح, كما تفعل الحكومة الإيرانية وحزب الله في لبنان مع النظام السوري لمواصلة قمع انتفاضة الشعب السوري.

ومن هنا تنشأ الأهمية البالغة للدور الذي يفترض أن تلعبه الأمم المتحدة في دعم نضال شعوب الدول العربية في سبيل حريتها وحقوقها الأساسية وإدانة أشكال التدخل الخارجي التي تريد إعاقة نجاح الانتفاضات الشبابية والشعبية لإقامة النظم المدنية والديمقراطية فيها. ولدينا الثقة بأن شعوب الدول العربية لن تسمح بامتصاص زخم ثوراتها وانتفاضاتها الشعبية, بل ستزيد من نضالها للوصول إلى أهدافها العادلة والمشروعة.

5/10/2011                                                              كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة