المكون السوري والمعارضة (1) / د. محمد أحمد برازي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سوريا تكوينا

سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب. في الأربعينيات القرن الماضي تعاظم نشاط القوميين العرب فيها. وفي النصف الثاني من خمسينياته تم الوحدة بين الجمهورية السورية ومصر تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة. وفي الستينيات استولى على السلطة، بانقلاب عسكري، حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي لا يزال حاكما حتى اللحظة.

 

القوميون العرب ودولة إسرائيل

خسر العرب القوميون، في معاركهم مع دولة إسرائيل، أراضيهم وهيبتهم، ولم يفلحوا في تحرير فلسطين التي طالما نادوا بتحريرها كواجب مقدس واتهموا بقية العرب بالتخاذل والتهاون في استردادها. انحاز القوميون العرب إلى الاتحاد السوفيتي خلال بروز نجمه بعد الحرب العالمية الثانية ولاقوا دعما ملحوظا منه وخاصة في صراعهم مع إسرائيل، غير أن السوفيت لم يفدهم لا في تحرير فلسطين ولا في توحيدهم كما كان هدفهم في أمة عربية موحدة من المحيط إلى الخليج، وإعادة أمجاد الإمبراطورية العربية التي امتدت من سور الصين العظيم إلى إسبانيا. هذا الحلم غير المحقق لا زال يراودهم إلى اللحظة. فهم يؤمنون بالرسالة العربية الخالدة كما هي شعارهم.

 

الإسلام والاستعراب

استعرب الإسلام العديد من الشعوب غير العربية: كالمصريين والسوريين واللبنانيين وغيرهم، فالكثير من الآشوريين والكلدانيين والسريانيين والقبطيين والبربر وأمثالهم من الشعوب القاطنة على الرقعة الممتدة من الخليج إلى المحيط قد استعربوا بفضله. وقضى العرب بإسلامهم، بشكل يكاد يكون تاما، على لغات السامية العريقة، والتي نزل الكتاب المقدس بها، حيث ترك معظم هؤلاء الساميين وبعض أصحابي الديانة المسيحية في سوريا لغة سيد المسيح مستعيضين عنها باللغة العربية. لم يكتف عرب الإسلام بهذا فحسب، بل ادعوا بعروبة هؤلاء، واعتبروهم عربا. بهذا تقلصت بشكل ملحوظ الهوية الشخصية لهذه الشعوب العريقة. وقد لجأ القوميون العرب إلى اعتبارهم عربا من الديانة المسيحية بعد خفوت البريق الإسلامي الذي سخر شعوبا غير عربية لخدمة العروبة كخدمة للدين، مثل الكرد والفرس والترك والبربر وغيرهم من تلك الشعوب المسلمة والتي لولا حمايتها للدين لكان العرب محصورين، ربما في شعاب مكة وحدها. بهذا تم طمس المعالم الشخصية لمن هم وريث السيد المسيح وأقاربه.

 

استمرار الاستعراب

لكي تستمر عملية التعريب منذ فجر الإسلام، ودون انقطاع، عمل القوميون العرب على استعراب السريانيين والآشوريين والكلدانيين والآراميين في سوريا ولبنان والعراق بذريعة عروبتهم مما أدى إلى ضعف الحركة القومية لهؤلاء وإلى نسيان الكثيرين منهم لغتهم الأصلية والتعويض عنها بالعربية، وقد صانتهم المسيحية من الاندماج الكلي بالقومية العربية. فلولاها لم وجد اليوم هؤلاء ذوي التاريخ العريق في هذه الأرض.

 

سوريا لم تكن عربيا قبل الإسلام

لم تكن سوريا عربية قبل الإسلام، فكانت آرامية، سريانية، كلدانية وآشورية. وتاريخها في العهد المسيحي والروماني زاخر بالمفاخر البطولية والعلمية والإدارية. بسيطرة عرب الإسلام على هذه البلاد تم طمس جميع مآثر شعوبها الأصيلة ولم يُذكر سوى محاسن المسيطرين، وهذا بحد ذاته إجحاف بحق شعوب يفتخر بهم التاريخ وكذا الكتب السماوية. لم يكن السيد المسيح سوى شخصا سوريا من مسيحي هذه المنطقة، وكذلك كانت لغته آرامية ونزل العهد الجديد بتلك اللغة التي تكاد أن تضمحل.

 

شخصية العروبي

والعروبي الحالي ينتحل ثلاث شخصيات بارزة، هي القومية، والعلمانية والإسلامية وكلها تخدم مصدرا وحيدا هي العروبية. ويعمل بدأب على أداء الخدمة بشكل تام، منتظرا القادم من الأيام ليعيد توحيد الدولة من المحيط إلى الخليج، ومن ثم إلى تحقيق ما ضاعت من أيديهم من شاسع الأراضي والأصقاع ابتداء من سور الصين العظيم إلى إسبانيا. وما شعارهم القائل: "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة". فهذه الرسالة التي لم تكن موجودة قبل الإسلام. فكيف يكون المسيحي عربيا يقوم بحمل هذه الرسالة الخالدة. وهذا مخالف للمنطق أن يتطوع المسيحي في نشر الإسلام بدلا من نشر ديانته المسيحية.

 

هوية العروبي

فالعروبية واضحة وهي الصورة العلنية أو بطاقة الهوية الشخصية لهم، في حين تحت العلمانية تندرج الديمقراطية والأممية والاشتراكية والبرجوازية والليبرالية والرأسمالية... وإلى آخر ما هنالك من ألقاب ومسميات رائجة في الظرف الراهن. بينما الإسلامية، وهي التي تسعى مباشرة إلى توحيد العالم الإسلامي لمجابهة العالم الخارج عنهم. تتضمن القبلية والعشائرية والمذهبية... وغيرها ما يوافق التقليد الإسلامي. لم يكن الإسلام طامسا للهوية العربية يوما من الأيام، بل كان دوما محافظا عليها ومشجعا لها، والتاريخ شاهد عليها، كما مر معنا هذه الأراضي الممتدة من المحيط إلى الخليج في معظمها ليست عربية، ولكنها اليوم عربية وتتكلم العربية بالرغم من تواجد شتى القوميات والأعراق والأديان فيها. والعملة العثمانية الذهبية لم تحمل أية عبارة عثمانية، بل كلها باللغة العربية. إذا دققنا في الليرة الذهبية العثمانية لوجدنا العبارة التالية: "ضربت في القسطنطينية". وهذا كمثال على صون الإسلام للغة العربية، والأمم تعرف بلغاتها مهما اختلفت أعراقها وأجناسها.

 

التيارات العروبية والظرف الراهن

عندما تطفو على السطح، في الظرف السوري الراهن، شتى تيارات المعارضة السورية لا نجد في غالبيتها سوى هذه التيارات العروبية. من مواصفاتها: الديمقراطية، وتأييد الحرية والحريات الشخصية والدينية والفردية، الإرادة الحرة للشعب وسيادة الشعب وكل شيء من أجل الشعب وإليه. تساوي المكونات، حرية المكونات إرادة المكونات... وما ينضوي تحتها أو يتبعها. هذه الشعارات والادعاءات تبدو وهنها وزيفها حين يعرض أحد المكونات فكرة الفدرالية عليهم، مثالا لا حصرا. يبادر العروبي "المعارض" السوري بالقول مباشرة: إنها تجزئة لسوريا! بملاحظة هذه العبارة "تجزئة" ينكشف دخيلة العروبي المنتحل تلك الشخصيات. بمحاكمة منطقية بسيطة لرأيه هذا في الفدرالية، يتبين أنه ينوي استعادة الوحدة العربية التي فشل هو في تحقيقيها عندما نادى بها باسم العروبة الصريح ورسالتها الخالدة. فالفدرالية التي لم تفكك الهند بالرغم من اختلاف القوميات والأديان والأعراق فيها، وكذلك لم تجزئ سويسرا بقومياتها الثلاث. ولم تكن عامل ضعف وتشتت للولايات المتحدة الأميركية، وأيضا لألمانيا الاتحادية، أو لدولة الإمارات المتحدة. في حين السودان الموحدة انفصل عنها الجنوب، وفي الطريق انفصال دارفور، وكذلك على الدرب نفسه اليمن الجنوبية بعد أن لاقت الويلات من توحيدها مع الشمال والبوليساريو الرافضة للوحدة مع المغرب العربي ولا زالت تقاوم.

 

لماذا الفدرالية مضرة للعروبي

لم تضر الفدرالية دولة حتى اليوم، بينما يراها العروبي والعروبيون مضرة وبأشد ما تكون. لم يجربها العروبيون يوما، غير أنهم متأكدون من مضرتها بالرغم من معايشتهم ورؤيتهم ومعاينتهم في ولدول شتى تنعم بالفدرالية. نسألهم هنا: لماذا يرونها مضرة والكثير من دول العالم قوية وموحدة بفدراليتها، وهم (العروبيون)، أصلا، لم يجربوها. لماذا تضرهم وحدهم وليس غيرهم؟

 

ليكن هذا القدر كافيا لهذه الحلقة.

-------------------------------------------------------------------

د. محمد أحمد برازي:رئيس جمعية  الصداقة الكازاخستانية الكوردستانية (هيفي) الامل

 عضو في المجلس الوطني الكردستاني – سوريا

Merxazkurd@gmail.com

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة