حركة شباط - مايس 1941 الانقلابية والفرهود ضد اليهود ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

تحل في يومي 1 و2 حزيران/يونيو من هذا العام الذكري السنوية الـ 70 على فاجعة ومجزرة الفرهود ضد يهود العراق ببغداد في العام 1941. وبهذه المناسبة الحزينة أنشر هذه الدراسة المكثفة عن هذه الفاجعة المريرة التي راح ضحيتها الكثير من مواطنات ومواطني العراق اليهود حينذاك, وهي جزء معدل من كتاب بعنوان محنة يهود العراق للكاتب.


انتظم القوميون في العراق في بداية النصف الثاني من العقد الرابع في نادي ثقافي أطلق عليه بـ "نادي المثنى بن حارث الشيباني" الثقافي الذي شكل له علاقات قوية مع القنصلية الألمانية ببغداد وبالدكتور گنتر گروبه, القنصل الألمانی, الذي شارك في تعزيز العلاقة السياسية والفكرية والثقافية بألمانيا والذي كان يحرض أعضاء ومؤيدي النادي بالوقوف ضد بريطانيا ودعم الدولة الألمانية. كما نظم مع النادي وحركة الفتوة سفرات لعراقيين على ألمانيا.

إلا إن نادي المثنى الثقافي لم يستطع إشباع تطلعات القوميين حينذاك في الوصول إلى السلطة وحسم الموقف من وجود القوات البريطانية في العراق. فقرروا, بعد أن وصل مفتي الديار الفلسطينية إلى بغداد, تأسيس حزب سري يقود عملية الوصول إلى السلطة ويضع قضية عروبة فلسطين في صدر مهامه السياسية, أطلق على الحزب السري اسم "حزب الشعب". منح فيه كل عضو في هذا الحزب اسماً حزبياً سرياً1. وأعطيت القيادة لمفتي الديار الفلسطينية؛ الحاج أمين الحسيني (مصطفى). وكان في عضويته كل من رشيد عالي الگيلاني (عبد العزيز) وصلاح الدين الصباغ (رضوان) ويونس السبعاوي (فرهود) وفهمي سعيد (نجم) ومحمود سلمان (فارس) وناجي شوكت (أحمد), وتم اختيار الحاج أمين الحسيني رئيساً.2 على القارئة والقارئ أن يلاحظ أن يومس السبعاوي قد اختار له اسماً حزبياً هو فرهود وهو الاسم الذي أطلق على فاجعة ومجزرة اليهود ببغداد, والتي تكررت في البصرة بذات الفترة ولكن دون قتلى أو جرحى في ما عدا محاولات النهب والسلب. كما ضم إليه المجموعة التالية من الأعضاء المعروفين حينذاك بنشاطهم القومي, منهم محمد علي محمود، وداود السعدي، ومحمد حسن سلمان، وعثمان حداد. وقد أقسمت المجموعة يمين الإخلاص للقضية التي تناضل من أجلها، وللحزب الذي أسسته سراً حتى النهاية. لقد تأسس هذا الحزب في بداية العام 1941. وفي ذات الشهر بدأت خيوط العملية الانقلابية تتكامل ضد حكومة العميد طه الهاشمي الذي تسلم الحكم قبل ذاك من رشيد عالي الكيلاني. ففي شهر شباط من نفس العام استطاع العقداء الأربعة إنزال قوات عسكرية من الوحدات التي كانوا على رأسها واحتلوا مواقع مهمة وحساية في بغداد مثل ".. دوائر البرق والبريد والتلفون, ومسكت بعض مداخل الطرق العامة واتخذت التدابير لصيانة الجسور والمعابر, ومحافظة سائر المرافق"3 إلا إن الوصي على العرش عبد الإله كان قد ترك بغداد لكي لا يرضخ لهذا القرار ويصدر القرار بتنحية طه الهاشمي وتكليف رشيد عالي الكيلاني. وإزاء هذا الوضع شكل حزب الشعب السري مجلس الدفاع الوطني ليأخذ على عاتقه تمشية الأمور في البلاد.

لقد نشأ وضع غريب في العراق. فمن جهة لم تسقط وزارة الهاشمي، بقيت تمارس عملها الروتيني، بينما أخذ مجلس الدفاع الوطني، يمارس عملاً في إطار اللاشرعية. ولكنه كان يسعى إلى تثبيت أوضاعه إلى حين قيام وزارة برئاسة الگيلاني. واتخذ مجلس الدفاع الوطني غير الشرعي جملة من القرارات التي اراد بها إضعاف وزارة طه الهاشمي، ويمنعها من ممارسة عملها. ونشير فيما يلي إلى أبرز تلك القرارات:

  • المحافظة على المعاهدة العراقية - البريطانية والابتعاد عن استفزاز بريطانيا.

  • الإبقاء على وزارة الهاشمي فترة أخرى؛ ليتسنى نضوج اتجاه معين في الأوضاع يخدم أغراض القوى القومية.

  • الامتناع عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وعند إصرار البريطانيين على ذلك يتوجب عرض الموقف على مجلس نيابي يتمتع بالحرية؛ لاتخاذ القرار المناسب.

  • توفير إمكانية حل المجلس النيابي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة للتخلص من أعوان الاستعمار البريطاني.

  • التخلص من نوري السعيد، وجميل المدفعي، وعلي جودة الأيوبي بتعيينهم سفراء في بلدان أخرى.

  • تحديد صلاحيات الوصي على العرش في الدستور العراقي؛ لكي يبقى مصوناً غير مسؤول.

  • التحري عن أسلوب لتحسين العلاقة بين الوصي على العرش وقادة الجيش الأربعة.

  • عند فشل طه الهاشمي بتحقيق هذه المهمات، يطلب منه تقديم الاستقالة.

  • في حالة الاستقالة يكلف رشيد عالي الگيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة.

  • في حالة إجراء انتخابات حرة ونزيهة، يتعهد الجيش بعدم التدخل في شؤون الحكومة.

وكانت النتيجة واضحة: الوصي على العرش يبذل جهوداً حثيثة لعقد اجتماع لمجلس الوزراء في البصرة، في حين أن مجلس الدفاع الوطني يعرقل وصولهم إلى البصرة؛ ولذا وجد طه الهاشمي نفسه أمام حل واحد لا غير؛ هو الاستقالة من رئاسة الوزارة ليتخلص من:

  • ضغط الإنكليز عليه لإرغامه على ممارسة مهامه السياسة التي تشترطها معاهدة 1930 في حالة دخول بريطانيا في حرب ضد دولة ثالثة.

  • ضغط الوصي عليه لدفعه إلى أن يرفض شروط العقداء الأربعة، وإلى البقاء بالحكم والتوجه إلى البصرة؛ لعقد اجتماع لمجلس الوزراء بحضور الوصي.

  • ضغط العقداء الأربعة في الدعوة إلى حل المجلس النيابي، وعدم الاستجابة للمطالب العشرة التي قدمتها الحكومة البريطانية وتبناها البلاط الملكي, والتي منضمنها قطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا وإيطاليا.

أمام وجود حكومتين (عملياً) وجد مجلس الدفاع الوطني نفسه أمام حل واحد هو: دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد، واتخاذ قرار باستقالة وزارة الهاشمي، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة رئيس مجلس الدفاع الوطني. إلا أن الوصي رفض هذه الدعوة باعتبارها غير شرعية. ومع ذلك عقد مجلس النواب اجتماعه، واستمع إلى خطاب ألقاه رشيد عالي الگيلاني وآخر لناجي السويدي، ثم خرج بقرار واحد هو:

  • إلغاء وصاية عبد الإله على العرش، وإسنادها إلى الشريف شرف. وتم ذلك بالإجماع.

ثم جرى الاتفاق على مسألتين هما:

  • الموافقة على استقالة وزارة طه الهاشمي.

  • الموافقة على تشكيل وزارة جديدة

وبعد اجتماع مجلس الأمة بادر الشريف شرف، بتوجيه رسالة إلى رشيد على الگيلاني؛ لتشكيل الوزارة الجديدة4. وبهذا اعتبر الانقلاب قد تحقق فعلاً. ولكن الأزمة لم تنته، بل تفاقمت واشتد أوارها وتكثفت الجهود لحسم الصراع لصالح أحد الطرفين. وفي الثاني عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1941 شكل رشيد عالي الگيلاني وزارته الرابعة. حيث قررت قيادة التنظيم الحزبي السري للحركة القومية أسماء الوزراء والحقائب الوزارية التي يشغلونها, وكانت على النحو الآتي:

رشيد عالي الگيلاني رئيس الوزراء ووزير الداخلية بالوكالة

ناجي السويدي وزيراً للمالية

ناجي شوكت وزيراً للدفاع

موسى الشابندر وزيراً للخارجية

علي محمود الشيخ علي وزيراً للعدلية

محمد علي محمود وزيراً للأشغال والمواصلات

محمد يونس السبعاوي وزيراً للاقتصاد

رؤوف البحراني وزيراً للشؤون الاجتماعية

محمد حسن سلمان وزيراً للمعارف"5.

استقبل العراقيون تشكيل الوزارة الجديدة بارتياح كبير، ووصلت إلى بغداد وفود كثيرة من مختلف الألوية للتهنئة بمناسبة نجاح الانقلاب العسكري. كما وردت مجموعة من برقيات التهنئة من شخصيات سياسية واجتماعية وأدبية، ومن هيئات وجماعات وأحزاب سياسية مؤيدة للخطوات التي اتخذتها الحكومة والتي تحتاج إلى تأييد ومساندة6.

وارتبطت هذه الفرحة الكبيرة بمجموعة من العوامل المهمة، التي لم تستطع الحكومة البريطانية استيعابها أو القبول بها، وعجزت عن إيجاد أساليب أخرى للتعامل مع العراق، ونعني بها:

  • موقف العراقيين الرافض منذ البدء للوجود البريطاني الاستعماري في العراق، والرغبة الجارفة لديهم للخلاص من معاهدة 1930. إذ اعتبروا هذا الانقلاب بمثابة الخطوة الأولى على طريق الخلاص من الإنكليز، والمعاهدة في آن واحد.

  • رغبة العراقيين في التخلص من عبد الإله؛ الوصي على العرش الذي لم يكن محبوباً عند العراقيين. إذ اعتبروه متآمراً بارزاً مع الآخرين في قتل الملك غازي الذي حظي بحب العراقيين، وشخصية مؤمنة بفضل الإنكليز على عائلته.

  • الكره الشديد عند الغالبية العظمى من العراقيين لنوري السعيد، وجميل المدفعي وغيرهما من الساسة الذين هربوا إلى خارج بغداد أو إلى خارج العراق باعتبارهم من أعوان بريطانيا المقربين.

  • الحلم بالحصول على الحرية والديمقراطية، والتمتع بثروات العراق وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.

أبدت الحكومة البريطانية امتعاضها الشديد من الانقلاب الذي قامت به القيادة العسكرية في بغداد، ومن عزل الوصي على العرش، وقررت اتخاذ التدابير الضرورية لإحباطه من خلال إرسال قوات هندية وبريطانية إلى العراق. ولم يمض سوى بضعة أيام على تشكيل الوزارة الگيلانية الرابعة؛ أي في يومي 17/18 نيسان/أبريل 1941 حتى كانت القوات العسكرية البريطانية قد نزلت إلى البصرة. وأصدرت الحكومة العراقية بياناً، ادعت فيه معرفتها بالإنزال البريطاني، وزعمت أن هذه العملية قد تمت في ضوء معاهدة 1930. ثم طلبت بريطانيا من الحكومة العراقية إنزال قوات جديدة يتراوح تعدادها بين 2000 إلى 3500 شخص إلى البصرة أيضاً7. رفضت الحكومة العراقية هذا الطلب، واعتبرته غير ضروري، ثم طالبت بانسحاب القوات التي نزلت قبل ذاك إلى البصرة. ورغم قرار المنع نزلت القوات البريطانية الجديدة في 30 نيسان/أبريل 1941 إلى البصرة. وبدأت بريطانيا عملياتها العسكرية ضد القوات العراقية من موقعين أساسيين: في الحبانية حيث توجد قاعدتها العسكرية الأولى, وحيث تم تجميع قوات عراقية قريباً منها، وفي قاعدة الشعيبة العسكرية في البصرة, حيث قامت القوات البريطانية باحتلال المدينة. وأصدر السر كورنوالس بياناً شرح فيه موقفه من الأزمة، وحمّل الحكومة العراقية مسؤولية وقوع أي ضرر لأي مواطن بريطاني يعمل في العراق8.

أصدر رشيد عالي الگيلاني, رئيس الحكومة، بياناُ موجهاً إلى الشعب العراقي مشيراً إلى قيام بريطانيا بعملياتها العسكرية العدوانية، ومطالباً الشعب بالوقوف إلى جانب الحكومة العراقية والجيش العراقي في دفاعه عن الوطن. كان ذلك في يوم 2 مايس/أيار 1941. ومن هنا جاء اسم الحركة الانقلابية (حركة مايس) باعتبار بدء المعارك مع القوات البريطانية. في حين أن الانقلاب في الحقيقة تم عندما أجبر طه الهاشمي على توقيع كتاب استقالة حكومته.

ومع بدء احتلال البصرة وبدء المعارك في الحبانية أصدر العلماء المسلمون فتاوى للجهاد ومكافحة الوجود البريطاني في العراق. وجاءت البيانات من أئمة الشيعة والسنة في آن واحد. ففي الوقت الذي أصدر أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء، والعلامة عبد الكريم الجزائري فتاوى تدعو إلى الجهاد ضد الظالم والكافر المحتل، أصدرت في ذات الوقت مجموعة من علماء الدين ورؤساء المؤسسات الدينية وأئمة الجوامع والمدارس الدينية السنية في بغداد، بياناً دعت فيه المواطنين إلى الجهاد المقدس ضد الإنكليز الغدارين الذين عمدوا إلى احتلال العراق، والإساءة إليه وشن حرب عليه. واعتبر رشيد عالي الگيلاني أن العراق أصبح بعد الغزو البريطاني، وخوض المعارك ضد الجيش العراقي في حلٍ من معاهدة 1930. واستمرت المعارك بين الطرفين حتى التاسع والعشرين من شهر مايس/أيار تحمل الجيش العراقي فيها ضربات قاسية وهزائم متعاقبة، رغم المقاومة الكبيرة التي أبداها الجنود وصغار الضباط.

انتهت الحركة الانقلابية بمغادرة مجموعة القيادة العسكرية والسياسية البلاد, ولاسيما القيادة الحزبية التي قادت العملية سياسيا وعسكرياً، وكانت تقف على رأس الحركة أثناء العمليات العسكرية بين القوات البريطانية والقوات العراقية. وعقد آخر اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رشيد عالي الگيلاني في 27 مايس/أيار من عام 19419. ثم صدر عنه القرار رقم س 3646 بتاريخ 28/5/1941 القاضي بتشكيل (لجنة الأمن الداخلي في العاصمة والطوارئ) حيث تم انتخاب أمين العاصمة رئيساً لها. وهي اللجنة التي وقعت اتفاقية الهدنة مع القوات البريطانية، والتي بدأت مفاوضاتها لوقف زحف القوات البريطانية على بغداد التي تمت في 31/5/1941. وفي التاسع والعشرين من مايس/أيار، غادر رشيد عالي الگيلاني بغداد، وكذلك المفتي الحاج أمين الحسيني باتجاه إيران. وكان آخر من غادر العراق من المجموعة القيادية على الأرجح، هو السياسي البارز والمتميز في الحركة الانقلابية ووزير الاقتصادي محمد يونس السبعاوي. إذ أنه واصل العمل في بغداد، وأعلن نفسه حاكماً عسكرياً لمنطقة بغداد والمنطقة الجنوبية، وطالب باستمرار المقاومة ضد القوات البريطانية. ولكن لجنة الأمن الداخلي، استطاعت إقناعه بعدم جدوى المقاومة، وطلبت منه مغادرة البلاد باتجاه إيران10. ثم بدأت بعدها التفاوض مع القوات البريطانية لغرض إعلان شروط الاستسلام. وعلى أثر ذلك حلت كتائب الشباب، ومنها مجموعة الدفاع عن السبعاوي (حرس السبعاوي-الفدائيون)11. وجدير بالذكر هنا أن السبعاوي، عمد إلى تشكيل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية لحمايته، والدفاع عن الحركة الانقلابية، والتصدي للقوات البريطانية الزاحفة صوب بغداد، وهي (كتائب الشباب) و (الحرس الحديدي) و(فدائيو يونس السبعاوي)12. وهذه الكتائب كانت في طليعة القوى التي هاجمت اليهود، ونفذت فاجعة الفرهود في بغداد.

أعلن في بغداد عن انتهاء الانقلاب، وسيطرة القوات البريطانية على بغداد وعموم العراق، وعن عودة عبد الإله إلى العاصمة. وبدأت عمليات اعتقال وتقديم المسؤولين عن الحركة - بعضهم كان ما يزال في بغداد وبعضهم الآخر كان قد غادرها - إلى المحاكمة. حيث حكمت على المسؤولين المباشرين بالإعدام؛ وهم العقداء: صلاح الدين الصباغ، وفهمي سعيد، ومحمود سلمان، وكامل شبيب فيما بعد، ويونس السبعاوي. ونفذ الحكم بهم في أوقات مختلفة. وحكم بالإعدام على رشيد عالي الگيلاني الذي لجأ إلى السعودية وبقي فيها, فنجا من الموت13. كما أصدرت المحكمة أحكاما أخرى بالسجن لفترات مختلفة على عدد من الذين اتهموا بمشاركتهم بالحركة الانقلابية، أو بتأييدهم لها ودفاعهم عنها. وللعلم فقد شمل الاعتقال والتقديم إلى المحاكمة، أشخاصاً لا يمتون إلى التيار السياسي القومي مباشرة، وطالت المحاكمة أشخاصاً آخرين لم تكن لهم مشاركة فعلية في أحداثها 14.

لقد كانت حصيلة هذه الفترة من حكم القادة العسكريين من الجناح القومي اليميني المشبع بالفكر النازي، وبروح المغامرة من الناحيتين الفكرية والسياسية سيئة جداً. ولاسيما الإعلام الذي اتخذ وجهة معادية للديمقراطية والحياة الدستورية، وركّز على تربية الشباب والطلائع بالقيم التالية :

  • تأكيد أهمية القوة العسكرية في الدفاع عن المصالح القومية واسترداد الحق المغتصب، واحتقار الداعين إلى السلام، واعتبار الحرب هي الطريق السليم لاكتشاف العناصر الأصيلة عند الأمة!

  • ربط القضية الفلسطينية بالقضية العراقية وكأنهما قضية واحدة. وهنا لعب الحاج أمين الحسيني دوراً أساسياً في هذا التوجية.

  • تعميق الكراهية ضد اليهود في العراق، والتهليل لما يقوم به النازيون ضدهم في ألمانيا، وكأن يهود العراق مسؤولون عما كان يجري من صراع في فلسطين. وكان التثقيف في المدارس والكليات يسير في هذا الاتجاه الذي وجد تجسيده في ما حصل لاحقاً ضد اليهود في فاجعة وجزرة الفرهود في بغداد.


أحداث الاعتداء الإجرامي على يهود العراق (فاجعة الفرهود)


في الأول من حزيران عام 1941 أطلقت القوى الشوفينية المتطرفة ذات العلاقة الوثيقة بقوى حركة رشيد عالي الگيلاني المناهضة لليهود؛ حملات عدوانية شرسة منظمة وواعية وهادفة ضد المواطنات والمواطنين اليهود في بغداد، تميزت بالعنف والشراسة واستخدام السلاح، تساندها جمهرة جاهلة غير واعية من الأوساط الشعبيةً ومن الرعاع الذين يتحينون أي فرصة للمشاركة في عمليات النهب والسلب والقتل التي تحركها تلك القوى المنظمة، وعصابات الجريمة, أي تلك القوى التي تأثرت كثيراً بالدعاية الفاشية في العراق، والتي أصابتها خيبة انهيار الانقلاب، وعودة قوات الاحتلال البريطانية للسيطرة الكاملة على العراق، وإرغام العراق على عقد اتفاقية الهدنة المذلة. أطلق على هذه الحملة (فاجعة الفرهود)15. وكان المشاركون في حملات العنف هذه التي اقترنت بعمليات السلب والنهب والقتل والتدمير ضد العائلات اليهودية والمحلات والمصالح التابعة لليهود في بغداد، يهزجون في شوارع بغداد "حلو الفرهود كون يصير يومية" والتي تعني (حلوة عمليات السلب والنهب والقتل وإشعال الحرائق ضد اليهود عسى أن تتكرر يومياً). ولم تكن جمهرة من الجنود وحدها وراء هذه العمليات الإجرامية فحسب، بل كانت أيضاً جمهرة من الشرطة المسؤولة عن أمن المواطنات والمواطنين والمدنيين والمدعومة من بعض الضباط وبعض رجال السياسة من المعسكر القومي الشوفيني، فضلاً عن كتائب الشباب التابعة للحركة الانقلابية. كتب السيد مير بصري عن هذه الفاجعة يقول: "كان الحاج طاهر محمد سليم من أشراف بغداد عائداً إلى داره المطلة على شارع غازي (الذي سمى بعدئذٍ شارع الكفاح) فرأى شباب يهود ينزلون من السيارات العامة ويذبحون, فتجري دماؤهم البريئة على قارعة الطريق. أسرع في سيره ودخل مركز الشرطة وقال لرجاله: ألا ترون المذبحة أمامكم, فأين شهامتكم المسلكية وغيرتكم العربية؟ لكنهم سخروا منه وقالوا له: أذهب إلى دارك, أيها الحاج, فلا شأن لكَ في الأمر, وخرج يجر أذيال الخيبة, وحاول عبثاً ردع الرعاع, ولم يجد بداً من المضي إلى داره كئيباً"16.

كتب السيد أنور شاؤل يقول: "وكما تكشفت حركة رشيد عالي الكيلاني الفاشلة وملابساتها الهوجاء, بالنسبة ليهود العراق, عن ضراوة في طباع بعض الناس وخسة في أخلاقهم فلا رادع من قانون ولا وازع من ضمير, فقد روت الأحداث أعمالاً طيبة قام بها أناس طيبون من المسلمين لنصرة من يعرفونهم ولا يعرفونهم من جيران لهم يهود كانوا في أمس الحاجة إلى حمايتهم. وأن أنس لا أنس المبادرة الفريدة الحميدة التي قام بها الواعظ الشيخ المفضال الأستاذ جلال الحنفي إذ توجه عن طريق الإذاعة إلى جماهير الشعب العراقي ظهر اليوم الثاني من حزيران, والنظام في بغداد وسائر مدن العراق ما زال سائباً والغوغاء ما زالت تتحين الفرص, بنداء بليغ حذر فيه الناس من مغبة الاعتداء على اليهود "الذين هم في ذمة المسلمين لهم حقوق الذمة والجيرة اللتين أوصى بهما الله في محكم كتابه العزيز وعلى فم رسوله الأمين ...". كان نداء الشيخ جلال الحنفي إنسانياً جديراً بأن يسجله التاريخ, قلت في حينه إذ أصغيت إليه وأنا في مقر حامية أربيل : "بارك الله فيك يا جلال, يا أجل الشيوخ ولتظل أبداً قدوة للمقتدين ...!"17.

في الكتاب الذي أصدره السيد إسحق بار موشيه بعنوان (يومان في حزيران) وصف فيه ما عرضته الجدة العجوز التي تعرض دارها للنهب في يومي الفرهود من قبل العصابات المنفلتة من عقالها ضد المواطنات والمواطنين اليهود. كتب حواراً يدور بين جدة يهودية نهبت دارها وبين عائلة يهودية ذهبت إلى زيارتها بعد فاجعة الفرهود، جاء فيه ما يلي:

"قصت علينا الجدّة ما حدث, عندما زارتنا بعد الفرهود:

- هذه الجماعة كانت كبيرة. كانوا يبحثون عن النهايب. عندما رأيناهم من بعيد أدركنا أن البيت في خطر. استرقنا النظر إلى الطريق عندما أصبحت خالية تقريباً, بعد عبور الجموع إلى داخل المحلة, وحتى آخرها. وصلت إحدى بنات الجدة إلى بيت الأب الكبير والذي من المفروض أنه كان محروساً من قبل شخص اكترى خدماته أحد أبنائه. لم يكن الحارس هناك. والبيت أصبح قفراً بلقعاً. عادت البنت بسرعة إلى البيت وأنبأت الجدة وأختها أن الملجأ الوحيد سيكون العبور من السطح إلى الجيران. أشق جزء من العملية كانت مساعدة الأخت المقعدة, الخياطة, على تسلق الحائط فوق السطح والانتقال إلى بيت الجيران.18

وهكذا وصلوا إليكم؟

وصلوا إلى بيوت يهودية أخرى, بعضها كانت على علاقة معنا وبعضها الآخر لم يكن.

كل شيء بالصدفة والمناسبة.

تماماً. لحسن حظنا عندما وصلوا بيتنا كنا جميعاً فررنا عبر السطوح ونجونا بأرواحنا.

وجدوه غنيمة سهلة.

غنيمة متروكة. حتى أن الباب كان موارباً فقط.

سهلتم في وجههم العملية.

لم يكن مفر من ذلك. خشينا فقط أن تكون بأيديهم أسلحة نارية.

من الذي لا يخاف في مثل هذه الحالات؟

رأيناهم من بعيد. دخلوا البيت, كأنه وجّهت لهم الدعوة. وبعد دقائق, ربما ربع ساعة, وربما أكثر قليلاً, كان البيت يخلو من كل شيء. لا يعوزه إلا الكنس والرش بالماء.

الجدة كانت تروي القصة وكأنها تتحدث عن شيء عادي: ولادة طارئة, أو مولد توأمين بدل ولادة عادية. كان لها حس واف للدعابة, فهي تطلق حديثها متبلاً بأمور تثير الابتسام.

  • لم يبق في البيت شيء. حتى الخيوط التي كانت تستعملها أختي في الخياطة, جمعوها وأخذوها.

  • التخوت والسرائر, ماكنتا الخياطة, القدور والصحون والملاعق. حتى الشباشب والنعال القديمة. عندما عدنا في المساء إلى البيت بعد أن أعلن منع التجول لم نعرف المكان بسهولة. هنا كان سرير فلانة. هنا كانت أختي تجلس لتخيط الملابس. وهكذا رأينا البيت نظيفاً فذهبنا إلى دار والدي وبتنا هناك, مفترشين الأرض.

  • .. لقد خلع السراق حتى كيلون الباب... المهم نجونا بالثياب التي كانت علينا...

  • أغلب البيوت اليهودية في الحي نهبت..."19.

جاء في تقرير لجنة التحقيق الحكومية عن الخسائر التي وقعت في يومي 1 و2 حزيران/يونيو 1941 ما يلي: "أما جميع القتلى فبالنظر لما جاء في إفادة حاكم التحقيق أنهم مائة وعشرة, بضمنهم ثمانية وعشرين امرأة, وهم من إسلام ويهود, ولم تعرف هويات قسم كبير منهم. وأما الجرحى فكانوا مائتين وأربعة, وهم كذلك من الإسلام واليهود. أما رئيس الطائفة فيدعي بأن القتلى والجرحى أكثر من ذلك". كما يبدو من التقرير وحسب قول رئيس الطائفة الموسوية في العراق "بأن الحوانيت والمخازن المنهوبة عددها خمسمائة وستة وثمانين محلاً, وأن ثمن ما نهب يبلغ (271402) ديناراً. ويدعي أن الدور المنهوبة عددها (911) وتقطن هذه الدور (3395 عائلة, ومجموع أفرادها (12311) نسمة, وأن الضرر الذي لحقهم يبلغ (383878) دينارا"20. ويلاحظ هنا أن التقرير يدمج بين عدد القتلى والجرحى من المسلمين ومن اليهود، لا لأنه لا يميز بين المواطنين، بل ليغطي في واقع الأمر على حقيقة أن النسبة العظمى من القتلى والجرحى، كانت من المواطنين اليهود في هذه الجريمة البشعة. (راجع الملحق رقم 6 ) واختلفت نتائج التحقيق الخاص الذي قامت به رئاسة الطائفة اليهودية فقد توصل إلى ما يلي: "كان عدد اليهود الذين قتلوا 179 قتيلاً, كما جرح 2118 شخصاً آخر, وبلغ عدد الدور التي نهبت في الفرهود حوالي 1000 دار, وعدد الحوانيت التي أفرغت 2500 حانوت, كما بلغ عدد اليهود الذين مسهم الضرر في قليل أو كثير 40 ألف يهودي"21.

أشار بعض الكتاب في حينها إلى أن أحد الأسباب التي أدت إلى التوتر بين اليهود والمسلمين العرب؛ هو أن اليهود قد فرحوا كثيراً بعودة الجيش البريطاني إلى بغداد وسقوط حكومة رشيد عالي الگيلاني، وخرجوا إلى الشوارع لاستقبال الوصي الذي عاد بدوره إلى بغداد. كتب السيد عباس البغدادي في كتابه المسمى (بغداد في العشرينات) - علماً بأن الكتاب لا يبحث في العشرينات فحسب، بل يتجاوز العشرينات إلى الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي - يقول: "ومن الجدير بالذكر أن اليهود في بغداد يطلقون على المشمش الناضج جداً كلمة (زردالي) وهي الكلمة التي استعملوها يوم قدوم الوصي عبد الإله وصحبه من الأردن بعد توقف القتال بين الجيش العراقي والبريطانيين ويعنون بذلك أن الجيش العراقي أصبح مهترئاً كالمشمش الزردالي. وإضافة إلى هذه النداءات كانت سينمات الرشيد والوطني والزوراء في شارع الرشيد, وجميعها لليهود, تطلق أغاني أم كلثوم (إفرح يا قلبي) بأعلى صوتها شماتة وتشفياً مما سبب الاضطرابات الدموية في بغداد باليومين التاليين"22. وإلى الفكرة ذاتها أشار السيد عبد الرزاق الحسني مؤلف كتاب (تاريخ الوزارات العراقية) قائلاً: "صادف يوم الأحد أول حزيران من عام 1941 عيد زيارة النبي يوشع عند اليهود, فخرج لفيف كبير منهم إلى المطار المدني للتنزه, وللتفرج على مقدم الأمير عبد الإله. وكان فريق من المسلمين والمسيحيين قد خرج إلى هذا المطار, لغرض نفسه, فحدثت مشادة كلامية بين أحد اليهود وأحد المسلمين أدت إلى ضرب ولكن اشترك فيها لفيف من الفريقين, وأسفر عن جرح سبعة عشر يهودياً, ووفاة اثنين من المجروحين, فأسف الجميع لهذا الحادث, غير المنتظر, واعتبر حادثاً اعتيادياً انتهى باعتقال المعتدين من قبل الشرطة, ..,"23.

في الجزء الثاني من كتاب طارق الناصري (عبد الإله الوصي على عرش العراق) كتب تحت عنوان (فرهود بغداد) بشكل ملفت للنظر ومخالف للواقع، نازعاً عن يهود العراق حينذاك حقهم في المواطنة، وأنهم من أبناء الشعب العراقي:

"... خرج لفيف منهم (يقصد اليهود, ك.حبيب) إلى المطار والوشاش للمشاركة في استقبال الوصي, ولم يخفي اليهود فرحتهم بانتهاء حكم رشيد عالي الكيلاني وعودة النفوذ البريطاني إلى البلاد وأدى هذا الموقف إلى احتكاك واصطدام بين اليهود وبين أبناء الشعب من مسلمين ومسيحيين ... الخ"24.

وفي المقابل سفه العديد من الكتاب هذا الرأي مستندين في ذلك إلى واقع أن اليهود، كانوا قد خرجو احتفالاً بعيدهم وهم يرتدون ملابس الزينة على عادة العراقيين في الاحتفال بأعيادهم الوطنية والدينية، وأن هذا اليوم كان يوم (عيد نزول التوراة عند اليهود) وليس لأغراض الاستفزاز والاحتفاء بعودة الوصي على العرش. كتب الدكتور سلمان درويش رداً على تقرير إحدى اللجان المتحيزة ضد اليهود، يقول فيه أنه سبق وقدمت لجنة تحقيق أخرى تقريراً "اتهمت اليهود بأنهم وحدهم المسؤولون عما حدث وذلك لأنهم قصدوا المطار لاستقبال الوصي وحاشيته إعلاناً عن فرحتهم واستبشارهم بعودته مع رفاقه (دون أن تذكر أن هذا اليوم صادف "عيد نزول التوراة عند اليهود") فخرج عدد قليل منهم كما خرج غيرهم من المسلمين والمسيحيين للنزهة والتفرج وليس للإعراب عن سرورهم بقدوم الوصي وحاشيته وبانتهاء حكم رشيد عالي وزمرته فأثارت كما زعموا شعور رجل الشارع حسب ادعاء اللجنة... كما أن اتهام اليهود بأنهم أظهروا شماتة باتدحار الجيش العراقي والتحرش بأفراد الجيش المنسحب واستفزازهم بالكلمات النابية فهي تهمة باطلة لا يصدقها من له ذرة من العقل"25. ويمكن تصديق هذا الكلام، إذ لم يكن يهود العراق بأي حال استفزازين إزاء مواطنيهم من المسلمين أو المسيحيين، بل إن العكس هو الصحيح، ونحن نعتمد في هذا الحكم على معرفتنا بأوضاع العراق ووقائع تلك الفترة.

وتجدر الإشارة إلى أن ما طرحه العديد من الكتاب العرب المسلمين، فيه الكثير من المغالطات وتشويه الحقائق؛ بهدف التغطية على الأسباب الحقيقية والفعلية لتلك الاعتداءات الشريرة التي تعرضت لها العائلات اليهودية العراقية. وهي بلا شك نتيجة منطقية للذهنية الشوفينية التي لا ترى الشر إلا في الآخر، والتي مارست التزييف باستمرار لتحقيق غايات معينة. وهي ظاهرة لا تمس الشوفينيين العرب، بل تمس كل شوفينيي العالم.

يشير العديد من الكتاب اليهود الذين عاصروا هذه الفترة وعاشوا تفاصيلها، وكذلك الذين بحثوا في أولياتها، إلى أن للقوات البريطانية، ضلع في ما حصل لليهود في فاجعة الفرهود. إذ كان في مقدورها لو أرادت أن تضع حداً سريعاً لتلك الفاجعة. ويصعب الآن تقدير مدى التنسيق بين الجماعة المدنية والعسكرية من النخبة الحاكمة، والمسؤولين عن الأمن في بغداد الذين وقفوا مكتوفي الأيدي إزاء ما حصل ضد الطائفة اليهودية من جهة، وبين القوات البريطانية التي كانت على أبواب بغداد، والتي هي الأخرى وقفت مكتوفة اليدين، وكذا السفير البريطاني السر كننهان كورنواليس الذي كان يعلم بالفاجعة، ولكنه لم يتخذ أي إجراءات ضرورية لوقفها من جهة أخرى. كما يصعب على الإنسان تقديرها جزءاً من عملية السعي لإخراج يهود العراق ودفعهم للهجرة إلى فلسطين، وخصوصاً أن الحركة الصهيونية، كانت تجد في سيرها بهذه الوجهة بنشاط على الصعيد العالمي حينذاك.

يؤكد الدكتور داود سلمان أن القوات البريطانية، التزمت بالتعليمات التي كان القائد العام للقوات المسلحة للحلفاء الجنرال ويغل، ولذلك لم تحرك ساكناً عندما حصل الاعتداء. بل إنها كانت سبباً في فسح المجال أمام العرب للاعتداء على اليهود. كتب درويش مشيراً إلى تلك التعليماتالتي يمكن تلخيصها فما يلي:

1 – الوصول إلى السفارة البريطانية في الكرخ في الوقت المناسب، لرفع الحصار الذي فرضه عليها الجيش العراقي، وليتسنى للسفير السر كننهان كورنوال - لقبه العراقيون بمختار محلة الكريمات تهكماً - حرية الحركة.

2 – السيطرة على رؤوس الجسور من جانب الكرخ والكاظمية لمنع وصول الغوغاء إليها.

3 - عدم التدخل في الاعتداءات الدموية الدائرة في شوارع الرصافة في بغداد ضد اليهود.

4 – عدم التدخل في الشؤون العراقية الإدارية والداخلية وعدم النيل من استقلاله.

5- تشجيع العراقيين على الاستمرار في ممارسة مسؤولياتهم المدنية كما كانوا عليه قبل قيام رشيد عالي الكيلاني وضباطه الأربعة بانقلابهم. وهذه العوامل كلها ساعدت الأعراب المحيطين بالعاصمة على مهاجمة بيوت اليهود ومحلاتهم لنهبها..."26.

يؤكد الدكتور سلمان درويش ذلك بنقله محادثة هاتفية جرت بين ضابط عراقي، وبين مرافق السفير البريطاني ( كورنواليس ) الكابتن المدعو هولت الذي امتنع عن إيقاظ السفير وإبلاغه بالمجزرة الجارية ضد اليهود في جانب الرصافة بقوله: إن السفير يعرف ما يجري من إطلاق نار وسلب. ولكنه يعتبر ذلك مسألة داخلية لا يجوز للقوات البريطانية التدخل فيها.27 لقد حدد التقرير الذي وضعته اللجنة الخاصة التي شكلت لهذا الغرض، الجهات المسؤولة عن أحداث الفاجعة، وكان جريئاً وواضحاً في تشخيصه لتلك القوى، وقد حمل القوات المسلحة العراقية: الجيش، والشرطة، مسؤولية عدم قيامهم بواجبهم في حفظ الأمن والدفاع عن مواطنين تعرضوا لمذبحة شريرة. وذكر التقرير تلك القوى على النحو التالي:

" 1. كل من مدير الشرطة, أو المتصرف ومدير شرطة لواء بغداد, وآمر الانضباط ومعاونيه, وعدد من ضباط الخفر وأفراد الانضباط

المفوضية الألمانية في بغداد وما بثته من الدعاية ضد اليهود .

دور مفتي القدس الحاج أمين الحسيني وحاشيته من المعلمين الفلسطينيين والسوريين الذين مارسوا تحريض طلاب المدارس ضد اليهود.

الإذاعة الألمانية باللغة العربية وتسميمها الرأي العام..

الإذاعة العراقية خلال شهري نيسان ومايو 1941.

الفتوة وكتائب الشباب"28. (راجع الملحق رقم 7 الخاص بتقرير اللجنة الخاصة بأحداث الفرهود).

يشير الكاتب إسحق بار- موشيه في كتابه المسمى (يومان في حزيران) إلى الآثار التي تركها الفرهود، وسياسات الحكومات العراقية المتعاقبة على الوضع النفسي لليهود فيقول:

"بعد الفرهود بدأ عدد من اليهود بالخروج من العراق. كان هناك من حاول ونجح في الوصول إلى البلاد الغربية, حتى والحرب ما زالت دائرة. كان هناك من هاجر إلى إيران وإلى سنغافورة وإلى الملايا وإلى الهند وإلى اليابان وإلى الصين وإلى أندونيسيا, طالما كانت الطرق مفتوحة أو يمكن فتحها بالفلوس. البعض غير القليل هاجر هرباً إلى فلسطين. وهناك حاول ونجح في الوصول إلى مصر والاستقرار فيها. الموسورون خصوصاً, لم يترددوا عن التضحية بكل مال لشراء جوازات السفر وللقيام بالمستحيل الذي هو الهجرة من العراق, الخروج من العراق بأي وسيلة كانت"29.

ولكن الكاتب يشير إلى حالة أخرى غير الهجرة؛ وهي تأثير الحركة الصهيونية على أفكار وعقول اليهود في أعقاب الفرهود، حيث يقول:

" الغالبية العظمى من يهود العراق, وخصوصاً منها الجموع التي لم تكن مؤهلة اقتصادياً للحصول على جوازات سفر, بدأت بالاهتمام بما تعرضه وتقدمه الحركة الصهيونية من إمكانات ومن تنظم شؤون السفر إلى فلسطين. كانت هذه الغالبية ترقب بذهول عملية تدمير أسس الطائفة اليهودية التي بنيت وظلت قائمة عشرات كثيرة من القرون الطويلة. تعاونت جميع الظروف الداخلية والخارجية على تحقيق الخروج من العراق, وفي مقدمتها الفرهود الجديد, الكبير, الذي نظمته وأدارته الحكومات العراقية بين عامي 1945 و1950, بالمحاكم العرفية القرة قوشية وبتجريد اليهود من وظائفهم وأعمالهم, وبغلق طرق العمل المفتوحة أمامهم منذ عشرات السنين, وبسوق أعداد كبيرة منهم إلى السجون بتهم ظالمة وبتوجيه الاتهامات الباطلة نحوهم وباضطهاد كل من كان يتحدث ضد هذه الإجراءات وبالقيام بضغوط نفسية ومادية تشمل عامة اليهود, فانتهى الأمر باستباحة حريات هؤلاء اليهود, ومحو تاريخهم الطويل في العراق, ثم تجريدهم من جنسياتهم بشكل لم يقع أي مثيل له في العالم, وبسكوت العالم المتحضر عما يجري في هذه البلاد, التي كان اليهود الجزء الثابت والمهم في تاريخها المتقلب. وهكذا اضطر يهود العراق بقسوة لا شبيه لها على القبول بما عرضته الحكومة من التنازل عن جنسياتهم, عن طريق قانون لم يمت إلى قانون الغاب وليس إلى قوانين العالم المتحضر, وحمل اليهود حملاً على ركوب المركب الصعب بعد أن لم يبق أمامهم سبيل آخر. وهكذا أيضاً أصبح اليومان البائسان في حزيران أول خطوة على طريق الفرهود الحكومي الأعظم الذي انتهى بالخروج من العراق, بدءاً من عام 1950"30.

لقد حاولت أن أقدم للقارئة والقارئ لوحة كتبها يهودي عراقي وصف فيها حالة يهود العراق في فترة الفرهود، وفي فترة إسقاط الجنسية عن يهود العراق؛ لندرك جميعاً بأن غالبية يهود العراق لم تخرج طواعية عن رغبة حقيقية، وإنما أجبرت على ترك العراق؛ بسبب السياسات العدوانية التي مارستها الحكومات العراقية المتعاقبة، إضافة إلى الجهد الدولي الذي مورس في هذا الصدد من قبل المنظمات الصهيونية العالمية، ومن قبل الدول الكبرى، ولا سيما بريطانيا، ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية. وهي صورة صادقة وواقعية.

لم يقتصر الاعتداء الإجرامي الذي وقع على يهود العراق على بغداد وحدها، إذ امتد أيضاً إلى البصرة وإلى مواقع أخرى تمت فيها عمليات نهب وسلب واسعة واعتداءات غاشمة، ولكنها لم تؤد إلى قتل في حينها.

ولكن ما هي انعكاسات كل ذلك على واقع اليهود في العراق؟

لقد أدت حوادث الفرهود المخجلة التي لم تحصل لأول مرة ضد اليهود في تاريخ العراق، آثارها السلبية الحادة على يهود العراق على أصعدة يمكن تلخيص أكثرها أهمية في النقاط التالية:

  1.  
    1. عمقت الإحساس لدى اليهود بأنهم يعيشون في مجتمع فيه الكثير من الناس ممن يكرهون اليهود بسبب الدين الذي هم عليه، وكأنهم غرباء عن هذا الوطن رغم القرون الطويلة المنصرمة التي عاشوها في هذه البلاد.

    2. عمق الخوف في نفوس اليهود من احتمال تعرضهم في كل لحظة لاعتداءات مماثلة من جانب المتطرفين العرب والمسلمين؛ اعتداءات يمكن أن تستهدف ليس أموالهم وما يملكون فحسب، بل وأوراحهم أيضاً. مثلما حصل في بغداد.

    3. وعمق لدى نسبة غير قليلة من يهود العراق الكراهية لأولئك الناس الذين فقدوا الإحساس بالإنسانية.

    4. وشدد لدى البعض الآخر الشعور بأهمية أن يكون لهم وطن يحميهم من مثل هذه الاعتداءات. وقد ساعدت المنظمات الصهيونية على إثارة هذا الشعور وتطويره وتعزيزه في نفوس يهود العراق.

    5. وبعد عمليات الفرهود بدأ الكثير من العائلات اليهودية العراقية، تفكر بترك العراق والهجرة إلى دول أخرى تعيش فيها بأمان واستقرار بعيداً عن المخاوف اليومية. مما أدى إلى تمزيق المزيد من العائلات التي لم يكن جميع أفرادها مقتنعين بضرورة الهجرة، مع إحساسهم بالخطر المحتمل الذي يتهددهم من عيشهم وسط السكان العرب والمسلمين.31

نشر السيد محمد جلاء إدريس؛ باحث مصري متخصص في الدراسات اليهودية، مقالاً بعنوان (تاريخ الأقلية اليهودية العراقية) في موقع الجزيرة الإلكترون بتاريخ 13/11/2004 جاء فيه بشأن فاجعة اليهود في ما وقع لهم في يومي 1 و2 من شهر حزيران/يونيو من عام 1941 قال فيه: "من خلال عرض أحوال الطائفة اليهودية بالعراق يمكن القول إن العلاقة بين مسلمي العراق ويهودها على المستوى الرسمي والشعبي كانت جيدة للغاية، إذ لم يكن هناك ما يعكر صفوها، حيث كانت الطائفة تنعم بالحياة الآمنة المستقرة مع سائر سكان البلاد. ولم تكن الشدائد والصعاب التي مرت بالعراق في بعض فترات تاريخه لتميز بين مسلم ويهودي ومسيحي. وقد انعكست هذه العلاقات الطيبة في أدبيات يهود العراق على نحو ما نجد عند القصاص أنور شاؤول وسمير نقاش وإسحاق بار موشيه وغيرهم. ولم يفكر يهود العراق في ترك البلاد خلال العصور المختلفة، وجميع من هاجر خلال القرنين الماضيين -مثلا- كانت دوافعهم إما تجارية حيث اتجهت بعض العائلات نحو الهند والشرق الأقصى، أو دينية إذ هاجر بعض العائلات أيضاً إلى فلسطين منذ منتصف القرن 19. وبسبب تسرب الفكرة الصهيونية القومية إلى يهود العراق وإقامة إسرائيل شهد العراق هجرة جماعية لمواطنيه اليهود , ولم يبق منهم إلا القليل لا تتوفر أي معلومات عنهم خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي ألمت بالعراق"32. أخذ المقتطف بتاريخ 10/5/2009, ك. حبيب

يتضمن هذا المقطع بعض الحقائق المهمة، ولكن يغفل حقائق أخرى أو يتجاوزها بإصرار. إذ لا يمكن لباحث علمي متخصص بشؤون اليهود ألا يعرف ما حصل لهم في العراق حقيقة في عام 1941 ، فكيف إذن يتجاوز ذلك وكأنه لم يحصل لهم شيء أدى إلى اشتداد خوف العائلات اليهودية العراقية من تفاقم نشاط ودور القوى اليمينية لا في المجتمع فحسب، بل في الوسط الحكومي القومي أيضاً. لم تكن الفكرة الصهيونية هي الأساس في هجرة اليهود في العراق، وإنما التمييز الذي وقع على اليهود وتفاقم بسبب تزايد النشاط النازي في أوساط المجتمع، وبتأثير الروح العدوانية لدى القوى القومية والدينية المتطرفة. ولم تكن الفكرة الصهيونية إلا عاملاً مساعداً ثانوياً، أو أنها لم تلعب أي دور يذكر لدى نسبة عالية من يهود العراق. وهو أمر لا يجب نسيانه بأية حال من الأحوال. إن البحث العلمي ينبغي أن يتسم بالموضوعية والواقعية، وأن يعتمد على الوثائق المتوفرة. إنه لصحيح أن نقول بأن المجتمع المسلم، كان قد اعترف بوجود اليهود كجزء أصيل من المجتمع العراقي، وأن الدستور منحهم حقوقاً متساوية مع حقوق أتباع بقية الديانات والمذاهب الدينية في العراق، وأن الحكومة مارست سياسة دستورية إزاء اليهود في العراق لفترة محددة. ولكن يجب ألا نتناسى الضغط الذي أخذ يشتد وينمو منذ عام 1935 عندما بدأ الفصل من الوظائف، وحين بدأ الاضطهاد ضد اليهود في ألمانيا، ثم نقل النازيون الألمان فكرته إلى العراق، وحين توافد المتطرفون العرب القادمون من فلسطين وبعض الدول العربية إلى العراق. إن أحداث الفرهود كانت نتيجة لهذه الأجواء غير الودية التي نشأت لدى السلطات الحكومية تدريجياً، وتصاعدت مع تأسيس الدولة اليهودية في جزء من فلسطين وفق قرار مجلس الأمن الدولي بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.

29/5/2011 كاظم حبيب

1 الحسني, عبد الرزاق. الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية. مصدر سابق. ص 109.

2 - شوكت, ناجي. سيرة وذكريات…. الجزء الثاني. مكتبة اليقظة العربية. بغداد. 1990. ص433/434 و510-514.

- الصباغ, صلاح الدين. فرسان العروبة. مصدر سابق. ص 267-269.

3 الحسني, عبد الرزاق, تاريخ الوزارات العراقية. ج 5. مصدر سابق. ص 198.

4 الحسني, عبد الرزاق. تاريخ العراق السياسي الحديث. الجزء الثالث. مصدر سابق. ص 234/235.

5 الحسني, عبد الرزاق. تاريخ الوزارات العراقية. الجزء الخامس. مصدر سابق. ص 204/205.

6 نفس المصدر السابق. ص 321/322

7 نفس المصدر السابق. ص 236.

8 نفس المصدر السابق. ص 241/242.

9 نفس المصدر السابق. الجزء الخامس. ص254.

10 حميدي, جعفر عباس. التطورات السياسية في العراق. مصدر سابق. ص 63.

11 نفس المصدر السابق. ص 63.

12 الجيزاني, عبد الله. حزب الاستقلال العراقي. مصدر سابق. ص 48.

13 الحسني, عبد الرزاق. تاريخ العراق السياسي الحديث. الجزء الثالث. مصدر سابق. ص 236.

14 الحسني, عبد الرزاق. تاريخ الوزارات العراقية. الجزء السادس. مطبعة العرفان. صيدا-بيروت. 1966. ص 54-56.

15 تشير أغلب الدراسات التي تحت تصرفنا إلى أن عدداً كبيراً من اليهود، كان قد خرج لاستقبال عبد الإله عند عودته إلى بغداد. وقد صادف ذلك اليوم عيد النبي يشوع. وكان اليهود فرحين مستبشرين بعودة الوصي. وقد أثار هذا الموقف غضب الجماهير التي كانت ترى في اليهود حلفاء لبريطانيا. وبالتالي توجهت بعمليات العنف ضدهم. ولكن التحرك ضد اليهود كان قد بدأ قبل عودة عبد الإله إلى بغداد وخروج اليهود فرحين لاستقباله. فالمذكرة التي قدمها فهد إلى رئيس الوزراء حينذاك, رشيد عالي الگيلاني, تتضمن احتجاجاً ضد أعمال العنف والاعتداء التي توجهت ضد اليهود خلال تلك الفترة مؤكدا أهمية عدم التمييز في المعاملة ضد اليهود. إن فرحة جماعات من اليهود بعودة عبد الإله إلى بغداد ربما جاءت نتيجة خشيتهم من استمرار الاعتداءات عليهم من جانب القوى القومية الشوفينية, وهي ليست سببا في الاعتداء الذي وقع عليهم, بل بسبب العداء الذي روجت له الدعاية النازية في العراق وفي مناطق أخرى من العالم ضد اليهود, وبسبب النشاط الصهيوني الرجعي ضد العرب في فلسطين. لقد برهنت كثرة من القوى والجماعات القومية العربية أثناء وجودها على رأس السلطة أو في ممارساتها السياسية وكتاباتها أنها معادية لليهود, وليس للصهيونية فقط. وفي المقابل تتخذ القوى الصهيونية في إسرائيل مواقف مماثلة للقوميين الشوفينيين العرب, فهي لا تميز بين العرب وبين أولئك الذين يمارسون التمييز ضد اليهود, بل هناك وجهة عنصرية في الحركة الصهيونية مناهضة للعرب, الذين هم أيضاً من أصل سامي.

16 بصري, مير. رحلة العمر. مصدر سابق. ص 59.

17 شاؤل, أنور. قصة حياتي في وادي الرافدين. مصدر سابق. ص 247/248.

18 يشير الكاتب في مكان آخر إلى أن العائلة التي انتقلوا إليها عبر السطح كانت عائلة مسلمة, ولم يتعرض اليهود إلى أي أذى من الجيران, بل ساهموا في حمايتهم. ك. حبيب

19 بار-موشيه, إسحق. يومان في حزيران. رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. أورشليم-القدس. 2004. ص 144/145.

20 نفس المصدر السابق. الجزء الخامس. ص 276. الكيلون يعني قفل الباب.

21 معلم ساسون, عزت. على ضفاف الفرات, ذكريات أيام مضت وانقضت. دار المشرق للترجمة والطباعة والنشر. شفا عمرو. 1980. ص 158. يشير السيد أنور شاؤل, نقلاً عن الباحث الأستاذ إبراهيم توينا في الجزء السادس من كتابه "يهود بابل" إلى أن عدد المنكوبين بلغ 48,584 شخصاً. راجع: شاؤول, إبراهيم. قصة حياتي.. . مصدر سابق, ص 247.

22 بغدادي, عباس. بغداد في العشرينات. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. الطبعة الأولى. 1998. ص 349.

23 الحسني, عبد الرزاق. تاريخ الوزارات العراقية. الجزء الخامس. مطبعة العرفان. صيدا-بيروت. 1966. ص 266/267.

24 الناصري, طارق. عبد الإله الوصي على عرش العراق (1939-1958) "حياته ودوره السياسي". الجزء الثاني. المكتبة العلمي. بغداد. 1990. ص 281. نشر النص كما ورد في الكتاب, ك.حبيب.

25 درويش, سلمان د. كل شيء هادئ في العيادة. مصدر سابق. ص 59.

26 نفس المصدر السابق. ص 75.

27 نفس المصدر السابق. ص 60/61.

28 نفس المصدر السابق. ص 58/59.

29 بار-موشيه, إسحق. يومان في حزيران. رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. أورشليم-القدس. 2004. ص 153.

30 بنفس المصدر السابق. ص 153.

31 المطير, جاسم, عاشقان من بلاد الرافدين. رواية. بيروت. الدار العربية للعلوم. مطبعة المتوسط. 2003.

32 إدريس , محمد جلاء. تاريخ الأقلية اليهودية العراقية. موقع الجزيرة الإلكتروني. نشر المقال بتاريخ 13/11/2004.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة