هل سيؤجج خطاب الأسد الاستفزازي الشعب السوري ضد النظام الشمولي؟ كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

طلب مني أحدهم أن أكف عن التدخل في الشأن السوري وأن أهتم بالشأن العراقي, وطلب آخر أن أكف لأني كنت أحمل يوماً جواز سفر سوري للسفر إلى كردستان عبر إيران للمشاركة في النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة في العراق وفي صفوف الأنصار الشيوعيين والپيشمرگة الشجعان. وقد وزع شخص ثالث دون حياء تلك المادة على العراقيين وكأنه يريد بذلك أن يسيء لي لأني كنت مجبراً على حمل جواز سفر سوري أو جواز سفر يمني مواصلة النضال ضد الدكتاتورية الجائرة في العراق دون أن يراعي حق الصداقة بيننا. والثلاثة تجاوزا حق الكاتب في اختيار الموضوعات التي يكتبها. وحين كتبت عن الشأن العراقي وأيدت المظاهرات التي نظمتها شبيبة العراق وفئات اجتماعية واسعة وقوى ديمقراطية, أحتج آخر لأني أساهم في حرق العراق والضلوع في كارثة, إذ أن البعض من البعثيين الاستفادة من سذاجتنا وطيبتنا وتأييدنا للمظاهرات لتخريب العراق. لا شك في أن وراء هذا وذاك وجهات نظر فكرية وسياسية مختلفة نحترمها وأن اختلفنا معها, وأحياناً تكمن وراء مثل هذه المواقف مصالح عديدة. ولكن ما أستطيع تأكيده هو أن نضال الشعوب العربية ونضال القوميات العديدة في الدول العربية وفي منطقة الشرق الأوسط من أجل الحريات العامة, من أجل مجتمع مدني وديمقراطي حديثة وسيادة مبادئ حقوق الإنسان هي التي يفترض أن تكون البوصلة التي نهتدي بها في هذا النضال وفي الأفكار التي نطرحها بهذا الصدد. وعلى من يختلف معنا أن يطرح وجهة نظره كما يشاء.

شهدت سوريا العديد من الانقلابات العسكرية وخاصة في الخمسينات من القرن الماضي وفرضت منذ 1948 حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية في البلاد تحت واجهة الصراع مع إسرائيل, ولكن الذي عانى منه ليس إسرائيل ولا جواسيس إسرائيل في سوريا, بل الشعب السوري والقوى والأحزاب السياسية السورية والمواطن السوري الاعتيادي. وحين وصل حافظ الأسد في العام 1969/1970 إلى السلطة وحتى الآن يسود في سوريا قانون الطوارئ أيضاً, والذي عانى منه ليس إسرائيل ولا جواسيس إسرائيل, بل قوى وأحزاب ومواطنون سوريون, وبعضهم من أعضاء حزب البعث نفسه ممن اختلف مع النظام السوري الشمولي في سياساته الاستبدادية والقمعية لا في فترة حافظ الأسد, بل وفي فترة بشار الأسد أيضاً.

المشكلة في سوريا تكمن في عدة مسائل جوهرية, وأعني بها ما يلي:

1. المعاناة مما ورد في الدستور السوري القائل بما يلي:

" المادة الثامنة: حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية." (راجع: الدستور السوري وفق آخر تعديل للقانون رقم 9 بتاريخ 11/6/2000)

ثم المادة التاسعة التي ترتبط عضوياً بالمادة الثامنة والخاصة بالمنظمات الشعبية, وهي كلها تابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا:

"المادة التاسعة: المنظمات الشعبية والجمعيات التعاونية تنظيمات تضم قوى الشعب العاملة من أجل تطوير المجتمع وتحقيق مصالح أفرادها. "

ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن الحكم في البلاد ينبغي له أن يبقى بيد حزب البعث شاء الشعب ذلك أم أبى باعتباره الحزب القائد والرائد وأن على بقية الأحزاب السياسية في سوريا إما أن تكون أعضاء في الجبهة التي يشكلها هذا الحزب القائد ويديرها ويوجه سياساتها أو أن لا يكون له أي موقع سياسي في البلاد ويحرم عليه العمل في سوريا ومن يعمل خارج إطار ذلك يجد نفسه في السجون السورية وتحت التعذيب الدائم. إن المادة الثامنة من الدستور مخالفة للديمقراطية وحقوق الإنسان والجماعات, وهي تعبر عن رؤية شمولية من حزب وجماعة معينة. ومما زاد في الطين بلة إن هذا الحزب قد كرس حالة أخرى هي أن يكون رئيس الجمهورية من عائلة الأسد. فما أن مات العقيد باسل الأسد وكان مرشح حزب البعث للرئاسة, حتى حل محله في الوراثة الطبيب بشار الأسد. وبالتالي كرسوا نظاماً ملكياً تحت واجهة "جمهورية ديمقراطية وشعبية واشتراكية .. " إذ جاء في المادة الأولى من الدستور السوري ما يلي: 1. الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية...". إنها مصطلحات مفرغة من مضمونها الأساسي وبائسة حقاً في ظل الواقع السوري السائد منذ عقود. ولا يمكن لسوريا أن تسير بالاتجاه الصحيح ما لم تلغ هذا الدستور وتضع دستوراً مدنياً وديمقراطيا يحترم إرادة الشعب السوري على وفق مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة في المواطنة والفصل التام بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة في الدستور أيضاً وليس في الواقع العملي وحده, إضافة إلى الخلاص كلية من المادة الثامنة وتوابعها التي تمنع حرية الأحزاب السياسية المعارضة أو تفرض قيادة حزب البعث على بقية الأحزاب في سوريا.

2. ولا يمكن لسوريا أن تسير في الاتجاه الصحيح ما لم تغير قانون الانتخابات والتعليمات الواردة فيه والتي تمارس عملياً بمنح حزب البعث وجبهته ثلثي المقاعد النيابية إضافة إلى منع أي مرشح معارض لسياسة الحكومة السورية وحزبها "القائد والرائد". وضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحت رقابة دولية كاملة. فكل الانتخابات التي عرفتها سوريا منذ الوحدة السورية المصرية حتى الآن لم تكن ديمقراطية ولا نزيهة بأي حال.

3 . حل أجهزة الأمن السياسي السورية والقوات الخاصة التي تراقب الشعب السوري وتلاحق المعارضة السورية, وإطلاق سراح كل سجناء الرأي والعقيدة والاختلاف القومي والسياسي, وإلغاء التثقيف الفكري القومي الشوفيني البعثي في القوات المسلحة واحتكارها لأعضاء ومؤيدي حزب البعث وتركيز مهمته الدفاع عن الوطن وليس ضرب المتظاهرين.

4. إن تشكيل حكومة تكنوقراطية حيادية ومستقلة لإجراء الانتخابات الرئاسية والعامة ومجالس المحافظات هي الكفيلة بتوفير الضمانات لواقع ديمقراطي جديد من جهة والخلاص من القوى الفاسدة والمفسدة والحرس القديم والجديد في حزب البعث وفي الدولة السورية والخلاص الفعلي من الفساد السائد في البلاد.

5. البدء بتنفيذ عملية اقتصادية واجتماعية تغير واقع الحال الاقتصادي والاجتماعي السوري ومكافحة البطالة والفقر الواسع النطاق والفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء.

وقبل أيام تحدثت مستشارة رئيس الجمهورية عن وجود إصلاحات سيطرحها رئيس الجمهورية. وجاء الخطاب هذا اليوم 30/3/2011 في مجلس النواب السوري. فهل جاء هذا الخطاب ملبياً لمطالب الشعب السوري أم مخيباً لآمال الشعب؟

جاء الخطاب ليوجه ضربة قوية مناهضة لمطالب الشعب السوري فهو قد أعلن ومنذ أول كلمة نطق بها:

أن هناك مؤامرة خارجية كبرى ضد سوريا وضد أمنها واستقرارها. كما تبين للشعب السوري من خلال الخطاب ما يلي:

  • عدم الإعلان عن إلغاء قانون الطوارئ. ولم يتحدث عن إعادة النظر بالمادة الثامنة من الدستور السوري الراهن.

  • كما لم يتحدث بصورة ملموسة بتغيير القوانين التي تحجب الحرية عن الشعب السوري وتفرض نظاماً شمولياً يقوده حزب شمولي ومناهض للديمقراطية وحقوق الإنسان.

  • وأنه ابتعد كلية عن الحديث عن إطلاق سراح السجناء السياسيين أو مكافحة الفساد أو مكافحة البطالة.

  • كما لم يتحدث عن تشكيل حكومة حيادية جديدة تجري انتخابات لرئاسة الجمهورية ومجلس النواب.

  • ولم يشجب ما تعرض له المتظاهرون خلال المظاهرات التي وقعت في درعا واللاذقية وغيرها خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة. بل شددت أجهزة الأمن والشرطة من هجومها على المتظاهرين أثناء إلقاء بشار الأسد لخطابه في اللاذقية وسقوط عشرة شهداء فيها والكثير من الجرحى.

  • وإن قبول استقالة الوزارة الحالية ليس سوى سيناريو بائس في محاولة لتهدئة الأوضاع, ولكن الخطاب وما جاء فيه من اتهام وقح للمتظاهرين وكأنهم مدفوعون من الخارج وينفذون مؤامرة خارجية سيؤجج الوضع في سوريا وسوف تتواصل المظاهرات.

لقد برهن مجلس النواب السوري على خضوعه وخنوعه الكامل لسيده بشار الأسد وللمجموعة البعثية الحاكمة في سوريا, فكان في تصفيقه لبشار الأسد يؤكد ابتعاده الكامل عن نبض الشارع ومطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

ولا شك في أن الشعب السوري سيكنس كل الذين يصادرون حريته وحقوقه وحياته الكريمة طال الوقت أم قصر, فالشعب يمهل ولكن لن يهمل مهمة الخلاص من النظام الشمولي الجاثم على صدور بنات وأبناء الشعب السوري.

30/3/2011 كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة