نقاش فكري وسياسي مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الحلقة الثالثة

المظاهرات الاحتجاجية وموقف الحكومة منها؟

دعا شباب العراق من النساء والرجال إلى تنظيم مظاهرات احتجاجية سلمية تطالب بتغيير الأوضاع العامة السائدة في العراق. وجدت هذه الدعوة استجابة من بعض الأحزاب السياسية غير المشاركة والمشاركة في السلطة ومن أوساط واسعة من الشعب. وحددت يوم الجمعة المصادف 25 شباط/فبراير 2011 موعداً لانطلاق هذه التظاهرات في ساحة التحرير ببغداد. وفي هذه المقالة محاولة للإجابة عن ثلاث أسئلة بكثافة شديدة هي:

أولاً: ما هي الأسباب الكامنة وراء احتجاجات الشبيبة وفئات من المجتمع؟ هل هي عادلة ومشروعة أم كانت من قوى القاعدة والبعثيين والإرهابيين؟

ثانياً: ما هو موقف المالكي وحكومته من الدعوة للتظاهر قبل انطلاقها؟

وثالثا: ما هو موقف مجموعة الكتاب المؤيدة للحكومة والمعارضة للدعوة, نموذجاً الدكتور عبد الخالق حسين؟

وسأعالج في الحلقة الرابعة مسألتين هما: كيف جوبهت هذه المظاهرات فعلياً من جانب السلطة, وما هي النتائج التي ترتبت عليها حتى الآن, رغم إنها لم تنته بعد وربما تتخذ أشكالاً أخرى ما لم يتغير الوضع العام نحو الأحسن.

أولاً: ما هي الأسباب الكامنة وراء احتجاجات الشبيبة وفئات من المجتمع؟ هل هي عادلة ومشروعة أم كانت من قوى القاعدة والبعثيين والإرهابيين؟

ابتداءً أشير إلى أن الدستور العراقي الصادر في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2005 يمنح فئات المجتمع وعموم الشعب وقواه السياسة حق التعبير عن الرأي بمختلف السبل السلمية بما فيها حق الإضراب والاعتصام والتظاهر. ورد ذلك في المادة 36 من الدستور وعلى النحو التالي:

"تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب:

أولاً :ـ حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.

ثانياً :ـ حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.

ثالثاً :ـ حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون."

وفي ضوء فقرات هذه المادة الصريحة والمتناغمة مع حقوق الإنسان وحرياته العامة دعت الشبيبة العراقية إلى التظاهر السلمي الهادئ تعبيراً عن احتجاجهم على الأوضاع العامة الآتية ورغبتهم في تغييرها لصالح المجتمع. وقد استخدمت وسائل الاتصال الحديثة للتنسيق في ما بينها حول موعد ومكان وشعارات المظاهرات السلمية والديمقراطية:

1. يرفض المتظاهرون تشكيل الحكومة العراقية على أساس المحاصصة الطائفية والصراعات الجارية بين القوى الطائفية وانعدام الثقة بين الأطراف المشاركة في السلطة السياسية والتي تساهم في تعطيل عمل السلطة التنفيذية لتشكيل مجلس الوزراء وإعاقة إنجاز المهمات وتراجع نسبي ملحوظ في ضمان أمن المواطنين وارتفاع جديد لعدد القتلى اليومي وزيادة عدد الاغتيالات التي تؤكدها سجلات المستشفيات ووزارات الصحة والداخلية والعدل.

2. نقص شديد جداً في الخدمات العامة التي تجعل من حياة غالبية الشعب جحيماً لا يطاق صيفاً وشتاءً بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص الماء وتراكم القمامة في الشوارع والمستنقعات المائية في مناطق الكادحين من السكان.

3 . استمرار البطالة الواسعة في المجتمع وتأثيرها السلبي على كرامة الإنسان وحقه في العمل وعلى العائلات في آن واحد.

4. استمرار حالة الفقر الواسعة جداً والتي تبلغ نسبة من يعيش تحت خط الفقر إلى أكثر من 30% من السكان ونسبة من هم على أو فوق خط الفقر بقليل بحدود النسبة ذاتها, إضافة إلى اتساع الفجوة الدخلية ومستوى المعيشة بين فئات الشعب الكادحة والأغنياء المترفين والمتخمين.

5. تحول الفساد المالي والإداري إلى نظام فعلي معمول به في العراق في جميع المستويات بشهادة هيئة النزاهة الدولية وهيئة النزاهة العراقية ولجنة النزاهة في مجلس النواب. وما ينجم عن هذه الحالة من تأثيرات سلبية حادة على عملية التنمية وحياة الناس وإنجاز معاملاتهم بسبب ارتفاع مستويات الرشوة والفساد المالي في البلاد. وما يتخذ بهذا الصدد محدود جداً, مما دفع الناس بالمطالبة بالكشف عن الفاسدين والمفسدين وتقديمهم على المحاكمة.

6. الغلاء الفاحش الذي يتفاقم يوماً بعد آخر, إضافة إلى ارتفاع أسعار إيجارات الدور والغرف وأسعار السلع والخدمات المختلفة.

7. تفاقم دور أجهزة الأمن في حياة السكان والاعتقالات الكيفية ومواصلة ممارسة أساليب التعذيب النفسية والجسدية في السجون التي يحرمها الدستور العراقي وفق المادة 35 والتي جاء فيها ما يلي:

"أولاً :ـ أ ـ حرية الإنسان وكرامته مصونةٌ.

ب ـ لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرارٍ قضائي.

ج ـ يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون." وهناك الكثير من التقارير الدولية والمحلية التي تؤكد حصول التعذيب في السجون العراقية وفي هيئات التحقيق في دوائر الأمن الجديدة.

يضاف إلى ذلك وجود آلاف الأشخاص في المعتقلات العراقية الذين زج بالكثير منهم لأسباب كيدية من قبل المخبرين السريين. وهذا ما كشفت عنه أخيراً قناة الحرة في زيارة من قبل لجنة خاصة في مجلس النواب للمعتقلات والسجون العراقية. وهناك الكثير ممن لم يقدم على المحاكمة ومعتقل دون وجه.

8. غياب إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وغياب خطة اقتصادية تلتزم بها الدولة وتنفذها فعلاً من أجل تصنيع البلاد وتحديث الزراعة وتقليص الاستيراد, مما يقود إلى عواقب وخيمة على البلاد والتي ترتبط بهدر مالي كبير تتعرض له أموال الخزينة العراقية والذي تؤكده الكثير من مناقشات مجلس النواب العراقي.

9. تراجع في مستوى الأمن الداخلي واستمرار العمليات الإرهابية وتنوع القوى المشاركة فيها والتي قادت وتقود إلى مزيد من الموت للأبرياء من الناس, إضافة إلى تفاقم الاغتيالات بكاتم الصوت والذي تمارسه, كما يقال, قوى بعينها لتتخلص من عناصر في القوات المسلحة ومن الصحفيين والإعلاميين وجمهرة من المثقفين الآخرين ومن العاملين في الشأن العام.

10. عدم صدور قانون للأحزاب ينظم الحياة الحزبية ويحميها من أي تجاوز عليها ويحرم الأحزاب الشوفينية والعنصرية والطائفية السياسية من العمل السياسي وفق الدستور الذي ينص في المادة 7 أولاً على ما يلي:

"أولاً :ـ يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون."

11. الحالة البائسة للمدارس العراقية, سواء أكانت المدارس الابتدائية أم المتوسطة والثانوية من حيث البنايات أو توفر المرافق الصحية والماء أم من حيث الغرف والرحلات والمعدات الأخى, إضافة إلى تخلف كبير في مستوى التعليم عموماً والتدخل الفظ للأحزاب الإسلامية السياسية في وضع المناهج وفي شؤون الجامعات والتعليم وتحويل بعضها الكثير إلى أشبه بالحسينيات, ومحاولات جادة لمنع الاختلاط بين الجنسين في التدريس الجامعي وما يتعرض له الأساتذة من نشاط وتقارير المخبرين السريين الكيدية.

إن السلسلة طويلة ونكتفي بهذا القدر, إضافة إلى ما يحصل وما أشرنا إليه في الحلقة السابقة حول الحريات العامة وتراجعها في وزارة المالكي الثانية.


ثانياً: ما هو موقف المالكي وحكومته من الدعوة للتظاهر قبل انطلاقها؟


في خبر نقلته وكالات الأنباء ومنها قناة الـ BBC البريطانية باللغة العربية تصريحاً لرئيس الوزراء العراقي جاء فيه ما يلي: "دعا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الشعب العراقي الى عدم المشاركة في التظاهرات المقررة الجمعة للمطالبة بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، معتبرا إنها "مريبة وفيها إحياء لصوت" الذين دمروا البلاد. ثم قال إن "هذا لا يعني حرمانكم مرة أخرى من حق المظاهرات المعبرة عن المطالب الحقة والمشروعة ويمكنكم إخراج هذه التظاهرات في أي مكان أو زمان تريدون، خارج مكان وزمان تظاهرة خلفها الصداميون والإرهابيون والقاعدة". وأردف قائلاً: "أحذركم من مخططاتهم التي تستهدف حرف المسيرات والتظاهرات لتتحول إلى تظاهرات قتل وشغب وتخريب وإشعال فتنة يصعب السيطرة عليها وتفجيرات وأحزمة ناسفة". (نشر في أغلب المواقع العراقية وشاشات التفزة في يوم 24/2/2011).

كما قررت قوات الأمن العراقية, بناء على طلب من القائد العام للقوات المسلحة, فرض حظر على سير كل المركبات والدراجات عشية مظاهرات "يوم الغضب" المقررة في العاصمة بغداد اليوم الجمعة، في حين دعا رئيس الوزراء نوري المالكي الشعب العراقي لعدم المشاركة في هذه المظاهرات. وحسب قوات الأمن فإن هذا الحظر يسري في شوارع العاصمة "حتى إشعار آخر".

وفي الوقت نفسه صرح قائد عمليات بغداد عطا بما يلي :

"لقد حذرنا المواطنين والمتظاهرين سلمياً للمطالبة بتحسين الخدمات من محاولات البعض تقويض العملية السياسية والمنجزات الأمنية الكبيرة، فضلا عن تقويض الاستقرار الذي يشهده العراق بشكل عام". وأكد عطا "وجود مخططات لاستهداف التظاهرات والقيام بعمليات تخريب وشغب وإحراق المؤسسات الحكومية". وكانت قيادة عمليات بغداد حذرت، أمس الأربعاء، المتظاهرين من استهداف المظاهرات السلمية من قبل خلايا حزب البعث المنحط وبعض العناصر المشبوهة، فيما أكدت أن محافظة بغداد ستصدر تعليمات خاصة بشأن تنظيم المظاهرات." (راجع: الموقع الإلكتروني لشبكة العراق الثقافية, أخذ المقطع بتاريخ 28/3/2011).

ليس خطأ أن يحذر رئيس الحكومة وقائد عمليات بغداد من احتمال ولوج عناصر سيئة وإرهابية للتشويش على المظاهرة أو حرف وجهتها, فهذا جزء من واجبهما فعلاً, ولكن من غير المعقول أن يحصل ما يلي:

  1. البت في ان يوم غد ستكون المظاهرات بعثية وعدوانية وتريد حرف العراق عن مسيرته, أي الإساءة لكل الشبيبة التي تطالب بالمشاركة في التظاهرة.

  2. أتخاذ أشد الإجراءات التعسفية من أجل منع وصول الراغبين في التظاهر إلى مكان المظاهرة. وهذا ما حصل فعلاً.

  3. الطلب من المرجعيات الدينية إلى إصدار فتاوى بتحريم المشاركة في التظاهرات.

  4. تعبئة قوى الأمن الداخلي والشرطة والجيش العراقي لزجها في موقف مناهض للتظاهرة من الناحية النفسية والفكرية. وكان من الخطأ الفادح زج الجيش بهذه العمليات, ثم استخدام الطيران السمتي للتشويش على المتظاهرين.

لقد كانت هذه الإجراءات خاطئة ومتعارضةً مع الدستور العراقي وحقوق الإنسان.


ثالثا: ما هو موقف مجموعة الكتاب المؤيدة للحكومة والمعارضة للدعوة, نموذجاً الأخ الدكتور عبد الخالق حسين؟

لدي القناعة التامة بأن من حق الإنسان أن يعبر عن وجهة نظره في الموقف من هذه الحكومة أو تلك, أو من هذه الفعالية أو تلك, سواء بالتأييد أو المعارضة, شريطة أن يبني موقفه على أسس رصينة تنسجم مع مستواه العلمي أو الثقافي. وحين أيدت الدعوة للتظاهر أشرت في ندوة مفتوحة على موقع "ينابيع" العراقي إلى أن المشاركة في هذه المظاهرة مناسب لأن المظاهرة ستكون سلمية, كما أن الداعين لها يطرحون مطالب عادلة ومشروعة, وأن الدستور العرقي يبيح ذلك, وكان رأيي الشخصي أيضاً يؤكد ضرورة الانسحاب منها في حالتين: في حالة بروز اتجاه بعثي أو قاعدي في المظاهرة أو حاولت جمهرة منهم تحويلها إلى مظاهرة غير سلمية, وعند عجز القوى الديمقراطية منعها من التحول إلى العنف والعدوانية. وقد برهنت الحياة صواب هذا التصور, إذ لم يحصل مما كان تخبرنا به الحكومة وأجهزتها الأمنية وكبار "ضباطها".

وإلى جانب من ايد المظاهرة برزت مجموعة من الأخوة رفضت التظاهر وهو حق مشروع لها طبعاً, والمشكلة ليست في رفضهم للتظاهر, بل في الصيغة التي استخدموها في هذا المجال. فمنذ البدء دعوا إلى مقاطعة المظاهرة باعتبار أن منظميها والمشرفين عليها أو الذين سيندسون فيها هم من قوى البعث الصدامية أو غيرها من قوى الإرهاب الدموي. وقد صور بعض الأخوة هذه التظاهرات إلى إنها تريد حرق العراق والعودة به إلى الدكتاتورية الفاشية.

أدرك تماماً أسباب الخشية من البعثيين الصداميين ومن قوى القاعدة ومن المليشيات الطائفية المسلحة الأخرى, ولا أنفي ضرورة الحذر منهم بأي حال. ولكن ليس كما جاء في مقالات بعض الأخوة ومنهم بشكل خاص السيد الدكتور عبد الخالق حسين, فكتاباته توجهت صوب بث الرعب في صفوف الناس لإبعادهم عن المشاركة في التظاهرة , وكان الموقف منسجماً تماماً ومتناغماً مع موقف رئيس الحكومة وأجهزة إعلامه ودعايته.

كتب الدكتور عبد الخالق حسين مقالاً تحت عنوان "يسيرون إلى الهاوية وهم نيام" وهو يقصد كل الذين أيدوا الدعوة لهذه التظاهرة بما في ذلك بعض الأحزاب السياسية الوطنية والقوى الديمقراطية والشخصيات العلمية والاجتماعية والثقافية العراقية.

وجاء في نص المقال ما يلي:

"إن ما يصلنا من مقالات وتحذيرات تمهيداً للطبخة لا يجيدها إلا البعثيون بما عرفوا به من خبث ودهاء وقدرة على التضليل، حيث راحوا يمهدون للكارثة بنشر البلبلة الفكرية وإيهام الجميع وإشراكهم في جريمة حرق العراق، وتحت ذريعة الدفاع عن الشعب العراقي المسحوق!!. فقبل أيام استلمنا ما يسمى بالبيان رقم 1، شتموا فيه جميع القوى السياسية في تاريخ العراق (باستثناء البعثيين)، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى الوقت الحاضر، وكما علق أحد القراء (ماذا أبقى هؤلاء؟ فكل الأحزاب والتكتلات والقوميات والمذاهب والتوجهات الفكرية مرفوضة، عجبي، من الذي كتب البيان؟؟)

واليوم استلمنا "تحذيراً" آخر بعنوان: "مخطط حكومي لرفع صور (عزة الدوري) في المظاهرات العراقية." وأن هذه المعلومة صرح بها "مصدر أمني رفيع تابع لجهاز أمني ويعمل في (؟؟؟؟؟) وهو ضابط برتبة كبيرة رفض أن نكشف عن أسمه، وخص الـ (القوة الثالثة) حصريا، قائلا وعلى لسانه مباشرة: وتحذيرنا لأن هناك خطة تم توزيعها من السلطات العليا إلى بعض الجهات الأمنية ـ حصريا ـ لتتعامل مع تفاصيل الخطة، وهي: (سوف تندس في المظاهرات مجموعات تم اختيارها بعناية، وترتدي ملابس مختلفة على أنها من أبناء الشعب المسحوق، وحينها ستقوم بالهتاف " لصالح حزب البعث والرئيس صدام"، وسوف تندس مجموعات صغيرة أخرى تابعة لها أيضا وحال اندساس هذه المجموعات الأكبر، ومهمة المجموعات الصغيرة رفع صور نائب الرئيس السابق "عزة الدوري".) انتهى." ثم ينهي مقاله بالمقطع التالي:

"والسؤال هنا، لقد حصلت مظاهرات متكررة ضد الحكومة منذ سقوط الفاشية عام 2003 ولحد الآن، ولم تندس جهات حكومية أو غير حكومية لترفع صور رموز البعثيين أو تهتف لهم، فلماذا تحاول الحكومة بالقيام بهذه اللعبة الآن؟؟ وإذا الذين سيرفعون صور عزة الدوري، هم مندسون من الحكومة، إذن، فواجب منظمي التظاهرات أن يواجهونهم بصرامة، ويلقوا القبض عليهم وفضحهم. ولكن على الأغلب أن الذين سيرفعون صور عزة الدوري هم بعثيون، وما هذا التحذير إلا محاولة استباقية للتضليل، ولذر الرماد في العيون، وهي خطة بعثية بامتياز، وهذا دليل على أن البعثيين قد خططوا فعلاً لاختطاف التظاهرة لصالحهم، والقيام بأعمال تخريبية وعنفية، ويمهدون من الآن لإلقاء اللوم على الحكومة.

خلاصة القول، هناك حملة تهيئ لتظاهرات احتجاجية أهدافها المعلنة محاربة الفساد، ولكن غاياتها الحقيقة حرق العراق والتمهيد لعودة الدكتاتورية الفاشية، يعني قول حق يراد به باطل. وإن غداً لناظره قريب؟". (راجع الملحق رقم 1, نص مقال الدكتور عبد الخالق حسين نشر في الحوار المتمدن).

ماذا نقرأ هنا: إن كارثة ستقع يوم التظاهر, إنها مؤامرة, إنها محاول لإشراك المتظاهرين بحرق العراق, إنهم بعيثيون, سيرفعون صورة عزة الدوري, إنهم يمهدون لعودة الدكتاتورية الفاشية, إنها خطة بعثية بامتياز, وإن لم تصدقوا, فإن غداً لناظره قريب."!!!!!

إن الدكتور عبد الخالق حسين يتحدث عن مصدر أمني رفيع المستوى, وهو ضابط برتبة كبيرة رفض أن نكشف عن أسمه، وخص الـ (القوة الثالثة) حصريا، قائلا وعلى لسانه مباشرة عن خطة ..الخ., كما جاء في المقال. وفي الوقت الذي لا يذكر اسم الضابط, يطالبني في مقال آخر له, باعتباري باحثاً علمياً, أن أذكر له المصدر, وبتعبير أدق, اسم الشخص الذي أخبرني بالمعلومة الخاصة باتفاق الصدر مع المالكي بشأن الضباط الأربعة وعن قيس المحمداوي.

لم استطع أن أصدق ما جاء في مقال الأخ الدكتور عبد الخالق حسين, رغم معرفتي به, فهو مقال هجومي فاق هجوم المالكي على المتظاهرين قبل المظاهرة, إذ التزمتُ بالحكمة التي طرحها هو نفسه علينا حين قال: "حدث العاقل بما لا يعقل, فإن صدق فلا عقل له"! وبرهنت الحياة على إن المتظاهرين كانوا ضد حزب البعث وضد المجرم عزة الدوري وضد قوى القاعدة المجرمة, إنهم شبيبة العراق المقدامة التي اكتوت بنار الدكتاتورية البعثية وسعت للتمتع بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بعد سقوط النظام, ولكنها باتت تعيش سنوات عجاف جديدة, ولهذا تظاهرت مطالبة بتغيير الأوضاع لصالح المجتمع. وكم كان جميلاً لو أن الدكتور نصح المالكي بالاعتذار للمتظاهرين على التهم التي وجهها لهم قبل المظاهرة, وكم كان جميلاً لو اعتذر لهم بسبب ضعف الثقة بالشبيبة وبالشعب.

التحذير غير خاطئ, ولكن ما جرى لم يكن تحذيراً , بل اتهامات وإساءات كبيرة للمتظاهرين وعدم ثقة بهم. وكم كان حرياً أن يعتذر للمتظاهرين الذين كانوا سلميين ومسالمين عن الاتهامات التي وجهت لهم, وكم كان جميلاً لو كان قد طالب المالكي بالاعتذار وطالب الضابط الكبير بأن لا يزوده بمعلومات خاطئة. لقد عبرت المظاهرات عن ر فض فعلي لحزب البعث وتنظيمات القاعدة الإجرامية والمليشيات الطائفية المسلحة, ورفضت اتهامات الحكومة أيضاً.

29/3/2011 كاظم حبيب

انتهت الحلقة الثالثة وستليها الحلقة الرابعة والأخيرة.






الملحق رقم 1

يسيرون نحو الهاوية وهم نيام

عبدالخالق حسين
الحوار المتمدن - العدد: 3287 - 2011 / 2 / 24

ذكرتُ مراراً أن التظاهرات السلمية في الأنظمة الديمقراطية حق مشروع يضمنه الدستور كوسيلة تستخدمها الجماهير الشعبية الواعية للتعبير عن سخطها واحتجاجها ضد السلطة المقصرة في واجباتها إزاء الشعب. ولكن ما يجري الآن من استعدادات لما يسمى بـ"جمعة الغضب" أو "الانتفاضة المليونية الاحتجاجية" هو طبخة خطيرة القصد منها ليس الأهداف المعلنة، بل الانقلاب على الديمقراطية الوليدة، والذي لا تقل خطورته عن انقلاب 8 شباط عام 1963 الدموي، ولكن في هذه المرة يتم هذا الانقلاب بمساعدة معظم القوى السياسية والفكرية، من اليسار المتطرف إلى اليمين الفاشي المتمثل في فلول البعث وجماعة القاعدة، بل وحتى القوى السياسية المشاركة في السلطة، وأناس عرفوا بحب الوطن وسعيهم إلى الخير، ولكن التبس عليهم الأمر، فطالبوا الحق بالباطل، وهم لا يعلمون أن هناك وراء الكواليس أشرار يقودونهم إلى الدمار الشامل، ويحثون الخطى إلى الهاوية وهم نيام.

نعم، الغاية المعلنة من تظاهرة الجمعة هي محاربة الفساد ونقص الخدمات وتفشي البطالة...الخ، وهذه الأمراض لا ينكر تفشيها في العراق الجديد أي عراقي شريف ذو وعي وضمير وإخلاص لوطنه وشعبه. ولكن ما يجري الآن هو ليس لمعالجة هذه الأمراض، بل اتخذوا منها قميص عثمان، للقيام بانقلاب على الديمقراطية الوليدة الناشئة ووأدها وهي في المهد، وإغراق العراق في حكم بعثي أسود لأربعين سنة أخرى، خاصة وأن أحد شعاراتهم المرفوعة (فلتسقط الديمقراطية
).

إن ما يصلنا من مقالات وتحذيرات تمهيداً للطبخة لا يجيدها إلا البعثيون بما عرفوا به من خبث ودهاء وقدرة على التضليل، حيث راحوا يمهدون للكارثة بنشر البلبلة الفكرية وإيهام الجميع وإشراكهم في جريمة حرق العراق، وتحت ذريعة الدفاع عن الشعب العراقي المسحوق
!!.
فقبل أيام استلمنا ما يسمى بالبيان رقم 1، شتموا فيه جميع القوى السياسية في تاريخ العراق (باستثناء البعثيين)، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى الوقت الحاضر، وكما علق أحد القراء (ماذا أبقى هؤلاء؟ فكل الأحزاب والتكتلات والقوميات والمذاهب والتوجهات الفكرية مرفوضة، عجبي، من الذي كتب البيان؟؟
)

واليوم استلمنا "تحذيراً" آخر بعنوان: "مخطط حكومي لرفع صور (عزة الدوري) في المظاهرات العراقية." وأن هذه المعلومة صرح بها "مصدر أمني رفيع تابع لجهاز أمني ويعمل في (؟؟؟؟؟) وهو ضابط برتبة كبيرة رفض أن نكشف عن أسمه، وخص الـ (القوة الثالثة) حصريا، قائلا وعلى لسانه مباشرة: وتحذيرنا لأن هناك خطة تم توزيعها من السلطات العليا إلى بعض الجهات الأمنية ـ حصريا ـ لتتعامل مع تفاصيل الخطة، وهي: (سوف تندس في المظاهرات مجموعات تم اختيارها بعناية، وترتدي ملابس مختلفة على أنها من أبناء الشعب المسحوق، وحينها ستقوم بالهتاف " لصالح حزب البعث والرئيس صدام"، وسوف تندس مجموعات صغيرة أخرى تابعة لها أيضا وحال اندساس هذه المجموعات الأكبر، ومهمة المجموعات الصغيرة رفع صور نائب الرئيس السابق "عزة الدوري".) انتهى
.

والسؤال هنا، لقد حصلت مظاهرات متكررة ضد الحكومة منذ سقوط الفاشية عام 2003 ولحد الآن، ولم تندس جهات حكومية أو غير حكومية لترفع صور رموز البعثيين أو تهتف لهم، فلماذا تحاول الحكومة بالقيام بهذه اللعبة الآن؟؟ وإذا الذين سيرفعون صور عزة الدوري، هم مندسون من الحكومة، إذن، فواجب منظمي التظاهرات أن يواجهونهم بصرامة، ويلقوا القبض عليهم وفضحهم. ولكن على الأغلب أن الذين سيرفعون صور عزة الدوري هم بعثيون، وما هذا التحذير إلا محاولة استباقية للتضليل، ولذر الرماد في العيون، وهي خطة بعثية بامتياز، وهذا دليل على أن البعثيين قد خططوا فعلاً لاختطاف التظاهرة لصالحهم، والقيام بأعمال تخريبية وعنفية، ويمهدون من الآن لإلقاء اللوم على الحكومة
.

لقد كتب لي صديق يعرب عن خوفه وقلقه على العراق الجديد لما يخططه البعثيون وحلفاؤهم، قائلاً: "هؤلاء المرتزقة وأيتام المقبور صدام وعناصر حزب البعث الهدام يهدفون وبكل الوسائل الدنيئة والخبيثة المتاحة لهم إلى إفشال التحولات السياسية، وزعزعة الاستقرار، والسلم الاجتماعي، وبالتالي التمهيد إلى عودة الدكتاتورية الفاشية التي يحلمون بها ... المطلوب من رجالات الحكم، والإعلام الحر، والبرلمانيين المخلصين، وكذلك المفكرين السياسيين، ومنظمات المجتمع المدني الوقوف بوجه هذه المخططات الشريرة وكشف عناصرها المحركة ...الخ
"
لا شك أن مخاوف الصديق مشروعة وفي محلها
.

ولكن المشكلة، أن العراقيين معرضون للخديعة في كل زمان، ودون أن يتعلموا من كوارثهم، فمنذ أن خدعهم عمر بن العاص في صفين، عندما أشار إلى أتباع معاوية برفع المصاحف على أسنة الحراب، والصراخ بـ(لا حكم إلا لله)، ورغم تحذيرات الإمام علي لأصحابه بأنها خديعة و(قول حق يراد به باطل)، ولكنهم أصروا على موقفهم وخرجوا عليه وكان ما كان. واستمر العراقيون ينخدعون طوال تاريخهم مروراً بمؤامرة 8 شباط 1963، و17-30 تموز 1968، بدون أن يتعلموا من خيباتهم وكوارثهم إلى يومنا هذا. ونفس اللعبة تتكرر اليوم من قبل البعثيين، والشعار المرفوع الآن هو الاحتجاج على الفساد، ومعاناة الشعب "المسحوق"، وتقليد ما جرى ويجري من انتفاضات في تونس ومصر والبحرين وليبيا وغيرها
.

لقد نسي هؤلاء السادة أن بن علي تمسك بالحكم 23 سنة، وحسني مبارك 30 سنة، ومعمر القذافي 42 سنة، بينما عمر حكومتنا لا يزيد على ثلاثة أشهر، وبانتخابات حرة ونزيهة باعتراف المراقبين الدوليين، ورئيس الوزراء لم يمر عليه أكثر من 4 سنوات في المنصب، وقد وعد في العام المضي وأكده قبل أسبوع بأنه لا يريد أن يجدد لدورة ثالثة، وحتى في هذه الدورة (الثانية) بإمكان البرلمان سحب الثقة منه في أي وقت يشاء. فالغاية التي انتفضت من أجلها الشعوب العربية قد تحققت في العراق منذ ثمانية أعوام، ولذلك فليس هناك سبب لتغيير النظام العراقي إلا إذا كانت الغاية إعادة الديكتاتورية البعثية الفاشية
.

إن ما يعد له من طبخة ومن شعارات، لا يدل على النية الصادقة في معالجة النواقص والفساد، بل لإجهاض العملية السياسية برمتها. وقد شاهدنا نماذج منها في الكوت والسليمانية. فهل التظاهرة السلمية تعمد إلى حرق ممتلكات الشعب؟ يجب أن يعرف هؤلاء أن من واجب السلطة حماية أرواح الناس وممتلكات الشعب من العابثين. والملاحظ أن البعثيين بدؤوا يهيؤون الأذهان للتخريب من الآن، ولذلك رتبوا مسبقاً إلقاء اللوم على "المندسين من جماعة المالكي"، يعني على طريقة البعثيين، يقتلون القتيل ويسيرون في جنازته، ويوجهون تهمة القتل إلى أعدائهم، وبذلك يصيدون عدة طيور بحجارة واحدة
.

إن أوضاع العراق الاستثنائية والمعقدة، وتحالفاته الهشة، وهو يواجه الإرهاب والجريمة المنظمة والهجمة الشرسة من فلول البعث وحلفائهم أتباع القاعدة، ومؤازريهم من الحكومات العربية وبعض دول الجوار لإفشال العملية السياسية وإلحاق أكبر أذى بالشعب العراقي، أقول ولكل هذه الاعتبارات مجتمعة، فمن الصعوبة أن تمر هذه التظاهرات بسلام، بل لا بد وأن تكون الحصيلة كارثة على الشعب ومستقبله. وعندئذ، لا بد وأن يسارع دعاة التظاهرة السلمية بأنهم غير ملزمين بما حصل من "حوادث مؤسفة" إثناء التظاهرة، وسيتنصلون من تبعاتها الكارثية، بل وسيلقون اللوم على الحكومة وحدها
.

ويبدو من التحضيرات الجارية، والمزايدات العلنية بين قيادات القوى السياسية، أنه حتى القوى المشاركة في السلطة ستشارك في هذه التظاهرات الاحتجاجية على السلطة!!، وهذا نفاق ما بعده نفاق. بل وطالب البعض الدكتور أياد علاوي زعيم قائمة "العراقية" بالانسحاب من الحكومة لتسهيل إسقاطها. وهناك تتضح خيوط المؤامرة، ومن وراءها، لذا ونحن إذ نسأل: إذا كانت جميع القوى المشاركة في الحكومة ستشارك في التظاهرة ضد الفساد، فيا ترى من المسؤول عن هذا الفساد إذنْ؟ وهذه التظاهرة ضد من؟ يبدو أن كل هذه الحملة ضد شخص واحد فقط، اسمه نوري المالكي. ونحن لا نريد أن ندافع عن السيد المالكي وإنما ندافع عن عقولنا الذي يحاول البعض الضحك على الذقون، إذ كما تفيد الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له". فهل يعقل أن يكون شخص واحد صوتت له غالبية أعضاء البرلمان برئاسة الحكومة، أن يكون بهذا السوء، ويتحمل وحده كل هذه الأوزار؟ فما هي واجبات الوزراء الذين اختارتهم أحزابهم لتمثيلهم في الحكومة، والمفترض أن يكونوا خير ما عندها من كوادر؟


خلاصة القول، هناك حملة تهيئ لتظاهرات احتجاجية أهدافها المعلنة محاربة الفساد، ولكن غاياتها الحقيقة حرق العراق والتمهيد لعودة الدكتاتورية الفاشية، يعني قول حق يراد به باطل.
وإن غداً لناظره قريب؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع
عبدالخالق حسين: نعم للتظاهرات ضد الفساد..لا لتسلل البعثيين
http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=445

ييلماز جاويد - الثورةُ لا تُستَورَد
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=969&aid=247175

عباس العزاوي: انقلاب على الديمقراطية
http://www.lalishduhok.com/2010-10-26-20-30-34/2011-01-05-14-35-37/1956-2011-02-20-14-01-27.html

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة