سلطة الحاكم العربي تنزع سراويلها في ميادين التحـرير ... حمـيد الخاقاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

مقاربة ثقافيـة لثورات الشباب :


ترتدي سلطةُ الحاكم الشـرقي، العربي خاصة، أقنعة وسـراويل مختلفة، ظلت تخفي، على الدوام، وجهها خلف طبقاتها السميكة، فنراها تظهر، كل مرة، في واحد منها، وبما يلائم الحال والمقام. ولا فرق، في هـذا، بين سلطة تقليدية، وأخرى تستعير من الحداثة ونُظُمها العصرية بعضَ قشورها وآلياتها (انتخابات، برلمان . . . الخ).


حملت هذه السلطة أغلبَ أقنعتها وسروايلها تلك من خزائن موروث ثقافي ـ اجتماعي وسياسي تقليدي طويل. فأخذت من الثقافة البطرياركية سراويل (الآباء ـ القادة ـ الأوصياء)، ممن يجهد الإعلام الرسمي، والأقلام المُشتراة على تقديمهم للناس بوصفهم حكماء الأزمنة، العارفين بكل شيئ!. وأتتنا من هذه الثقافة بحضور الذَكَر وسطوته الطاغية، في المجتمع وفي السياسة على السواء، مقابلَ تهميش الأنثى وتغييبها، والنظر إليها باعتبارها من أشد جند الشيطان شروراً!.

كما ورثت من ثقافة الصيد علاقةَ الصياد بالفريسة. فهي تُسخّر وسائل، وإمكانات شتى، لترويض السواد الأعظم من الناس على طاعتها، ومطاردة من يصعُب ترويضه حتى تفتكَ به. كما اقتبست من الثقافة الرعوية صورة الراعي والقطيع. فالحاكم هو الراعي الأمين والناس قطعان تتبع صفير راعيها!.

وجلبت معها من النظام القبلي روح المشيخة وطبائعها وعلائق الأحساب والأنساب، والتوريث وحكم السلالات والأُسَر. ونسبت لنفسها من الثقافة الدينية نيابةَ الله ورسوله على العباد، ووحدانية الحاكم وواحدية تمثيله للشعب، وطاعةَ أولي الأمر، وتحريمَ الخروج على الحاكم، وإضفاء هالات التقديس عليه، حتى غدا الحكام، في غالب الأحوال، أوثانا يُطاف حولها!.

وعلى هَدْي هذه الثقافة واصلت هذه السلطة، على غير ما تزعم، تقسيم الخلق نسبة لأديانهم وطوائفهم وفرقهم.

وبدلا من تجاوز هذه التقسيمات في السياسة، على الأقل، وفي علاقة الدولة بمواطنيها، نراها تُبْقي، في الكثير من بلدان الشرق، على خانات القسمة هذه، باحثة، في الطائفة والقبيلة خاصة، عن أعمدة تُقيم عليها سطوتها، معيدة بواسطتها انتاج الظلم والتمييز والاستبداد. وهكذا أصبحت هاتان المؤسستان التقليديتان، سوية مع الحزب الحاكم، وهو، عموما، صدى لهما، مرايا للسلطان تعكس صورته وصورة أنظمة حكم مشوهة، توجد في الحاضر ولكنها لا تنتمي إليه.

والكثير من معارضي هذه الأنظمة توائم لحكامها، يماثلونهم في نظرتهم للسلطة والمحكومين وأساليب الحكم، وإن تغيرت خطابات الاثنين وشعاراتهما وسروايلهما عن بعضها البعض. الحكام ومعارضوهم هؤلاء (بعضهم أصبحوا حكاما) رضعوا، في الأساس، من الضرع الثقافي ـ الاجتماعي ذاته، فهم نتاجه والموكلون بإعادة انتاجه. معظمهم لا يمارسون السياسة والحكم بوحي من حاجات المواطن والوطن لا غير، كما يزعمون جميعا، وإنما بما تمليه عليهم مطامحهم، ومصالح أحزابهم وعقائدهم، دينية كانت هذه العقائد أم دنيوية. وفي هذا يكمن، في رأيي، فشل بلداننا في الإفلات، طوال هذه العقود، من دورات الانحطاط والتخلف والاستبداد، ثقافيا وسياسيا واجتماعيا.

الذاكرة السياسية العربية، ببعديها الإثني والديني، لا تعرف (السياسة) بوصفها فن الحكم وإدارة أعمال الدولة، أي تصريف الشؤون العامة، في زمن بعينه، كما رآها أهل اليونان القدماء، وتمثّلَها العقل الأوربي المعاصر، بعد تجارب مأساوية مرّ بها، وأحسن ، في تقديري، استيعابها.

العرب، وحكامهم خاصة، وكذلك الكثير من معارضيهم، ظلوا يرون في (السياسة) معنى الرياسة والإمارة والقيادة والإمامة والولاية. تماما كما كان يراها أسلافهم في عهود غابرة. وعلى الرغم من أن (الولاية) السياسية لا تتحقق إلا باختيار الجماعة لمن يولونه أمرهم، بمعنى أن يكونوا هم مرجعيته الأصلُ، وأنه لا يحلّ له، مثلما تلتقي عليه كتب (الفقه) وموسوعاته، أن يتصرف فيها إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة، وأنها، كما روى أبو ذر (ر) عن الرسول (ص)، "أمانة، وأنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها"، أقول بالرغم من هذا، فإن (ولاة الأمر) في تاريخنا الطويل، قديمه وحديثه، إلا ما ندر، لم يروا فيها غيرَ تملُّك أمور الناس، واستعبادهم وتقرير شؤونهم عنهم، وليس إدارتها بتكليف منهم.

مثل هذا الفهم يشير إلى بنية تراتبية تقوم على ثنائيات حادة، هي سمة مميزة لنظام الفكر السائد عندنا، وأحد مصادر الاستبداد فيه، وفي النظام السياسي الذي أنتجته منظومة الأفكار هذه.

العلاقة، حسب هذه المفاهيم، وكما أظهره تاريخ الحكم في منطقتنا، هي، دائما، علاقة بين فوق وتحت، أسفل وأعلى، رئيس ومرؤوسين، أمير ومأمورين، قائد ومقودين، إمام وأتباع، ولي أمر وموالين، حاكم ومحكومين، مرشد وجهلة غير راشدين.

ويعتمد غير القليل من فرق الاسلام السياسي، المتشدد والتكفيري خاصة، وكذلك بعض تلك الأقل تشددا منها، في الظاهر، هذه الصيغ التراتبية في مبانيه السياسية والتنظيمية. فمفاهيم "أمير الجماعة" أو "مرشدها" تتردد عند هذه الفرقة أو تلك. وهي مفاهيم لا تدل على تراتبية سياسية ـ تنظمية فحسب، وإنما تنطوي على تراتبية ثقافية ـ فكرية كذلك، تؤسس لفكرة الوصاية ومنطقها.

أحد المفاهيم التي تختزنها الذاكرة العربية ـ الاسلامية، ولها، أيضا، محمول تراتبي، وبالتالي غير ديمقراطي، هو مفهوم (البيعة). ولا يُغير من طابعه هذا أن ظاهر (الاختيار) قائم فيه .

والبيعة، لغويا وفقهيا، هي الصفقة أو العهد على إيجاب الطاعة والمبايعة. فالمبايعة، مثلما يرد في (لسان العرب)، تتضمن التعهد بطاعة من تبايعه والانقياد له، أي أن تعطيَه، حسب (ابن منظور) خالصةَ نفسك وطاعتَك ودخيلةَ أمرك!.

ولتحقيق مثل هذا الانقياد الكلي لمن "يختاره" الناس لولاية أمرهم، تحرص مجاميع الاسلام السياسي، حتى تلك التي اضطُرت، لدواع مختلفة، إلى اعتماد آليات الديمقراطية في بلدانها، على الايحاء للناس، من بسطاء المؤمنين خاصة، بأن انتخابهم لها مواصلة لتقاليد (البيعة) و(المبايعة) الاسلامية، لا يجوز، شرعا، الرجوع عنها!.

لقد طبعت هذه الموروثات، وما تزال، سلطةَ الحاكم العربي، وعقليةَ معارضيه التقليديين خاصة، بطابعها، بصرف النظر عن الاختلافات بين نظام وآخر. هذه الاختلافات التي يشدد عليها بعض الساسة، في هذا البلد أو ذاك، ومنها بلدنا، ليست جوهرية، في تقديري، ولن تؤدي إلى نشوء نظام مؤسسات مدني، ديمقراطي حديث، طالما ظلت سطوة العقل التقليدي وثقافته ومؤسساته شديدة الوطأة على المجتمع والدولة، خاصة نظم التربية والتعليم فيها، وظلت السياسة تُمارَس، من قِبَل ممثلي هذا العقل السياسيين، بوصفها لعبة سلطة، في الأساس، وليس فن إدارة الحكم وتسخيره لخدمة الحياة والناس. ولهذا فشل الحاكم العربي في أن يكون الحاكم الصالح الذي تجتمع فيه، وعليه، مصالح أهل البلاد وهمومهم، مهما اختلفت أديانهم وطوائفهم، وأعراقهم وعقائدهم الفكرية والسياسية. كما أن الحاكم العربي وسلطته لم يعجزا عن أن يكونا مرجعية أخلاقية فقط، بل أصبحا موطنا للفساد، وماكنة تفريخ له.

وإزاء هذه الحقائق، وسواد العقل التقليدي وسلطته لم يكن لبلداننا، على تباين أوضاعها، أن تصل لغير ما انتهت إليه من أحوال تطغى المفاسد فيها، ويندُر الصلاح، ويزداد الجهل، ويتسعُ البؤس، حتى صارت"عبودية الفقر والتهميش" تشترط على من يدخل ملكوتها أن يصحب معه (شهادته الجامعية)!، في وقت يرى فيه (الفقراء المتعلمون) والمهمَّشون وظائفَ الدولة، ومواقع النفوذ فيها، نهباً للحكام وأحزابهم، وعوائلهم وذوي قرباهم، ومن والاهم، مع أن أغلب هؤلاء جاهل في شؤون ما تولاه وفي كثير غيره. وبلغ الأمر أن نشهد حكاماً ومسؤولين كُثراً، في هذا البلد أو ذاك، (بعضهم أساتذة جامعات ومعاهد علم)، لا يُجيدون حتى لغتهم الأم، لا قراءةً ولا حديثاً أو كتابة، فلا المرفوع يظل مرفوعاً عندهم، ولا المنصوب منصوباً، ولا المجرور مجروراً. ومعرفة اللغة، كما هو معلوم، إشارة لفطنة من يستخدمها، وقدرته على استيعاب الأشياء، وانتظام منطقه.

فكيف لمن لا يدركون المنطق في تراكيب لغتهم، وقد درسوها، أن يحكموا بلدانا، ويسوسوا شعوبا في زمان شديد التركيب والتداخل كزماننا هذا؟

ألا يصحُّ في مثل هؤلاء ما نُقلَ في (النهج) عن الإمام علي (ع) في صفة من تصدّى للحكم وللمسؤولية، وهو جاهلٌ بهما؟

يقول الإمام عن جهل الواحد من هؤلاء :"فإن نزلت به إحدى المبهمات هيَّأَ لها حشواً رثّاً من رأيه، ثم قطع به. فهو من لَبْس الشبهات في مثل نسج العنكبوت. لا يدري أصاب أم أخطأ، فإنْ أصابَ خافَ أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصابَ. جاهل خبّاط جهالاتٍ، عاشٍ رَكّابُ عشَواتٍ، لم يَعَضَّ على العلم بضرسٍ قاطع . . . . . ولا هو أهل لما فُوّضَ إليه".

ولا دهشةَ، والحال هذه، أن يصبح أهل الحكم هؤلاء جزءاً من معضلات بلدانهم وكوارثها، وسببا آخر فيها، ويسهموا في تعميم الجهل وسلطته، ومنع المتعلمين من حيازة فرصهم في حياة كريمة، و إشاعة الفقر في مجتمعاتهم، متجاهلين قولة نبيهم التي تضع الفاقة في مصاف الكفر، مع أنهم يقولون بالإيمان، جميعا، تلبّسهمُ الإيمان حقاً، أو لبسوا الإيمانَ سروالا.


وجوار عبودية الفقر والتهميش أصبح الناس، في عهود الحكام هؤلاء، أسرى عبوديات أخرى : عبودية الحاكم ومن يأتمر بأمره، عبودية الجهل، عبودية الخوف، عبودية اليأس، وعبودية استسلام الناس لما تظنه أقدارَها.


تجاوز هذه العبوديات، وكثير مثلها، لم يبدأ إلا بخروج تلك النواة الواعية من شباب هذه الأمة (هل كانت أمة يوماً؟) على سلطة الحاكم العربي، آخذة معها قطاعات واسعة من مجتمعاتها في عملية خروج نادرة على النظام السائد والموروثات الفكرية التي يقوم عليها، سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا وثقافيا كذلك.


لقد ألحق الحاكم العربي الوطنَ والشعبَ والدولةَ به وبحزبه. وتوَّج بعض الحكام أنفسَهم أوصياء على الدين وشرائعه كذلك!.

ولم يفقد الناس، في ظل سلطة هذا الحاكم وثقافتها، وطنَهم ودولتَهم وحرياتهم الحقيقية فقط، وإنما أضاعوا حتى أصواتهم. الحاكم يتحدث وهم يصغون له، طوال الوقت، صامتين، مُحدّقين في فراغ أشبهَ بهاوية لا قاع لها. المنصةُ والمشهدُ يحتلهما الحاكمُ، ومعه جوقات المُصفّقين له، وهي تُنشد مديحَ الحمقى للحمقى!.


ثورات الشباب، في جوهرها، محاولة لأن يستعيد الناس وطنهم وأنفسهم ودولتهم، دولةَ الناس الأحرار المدنية، الحديثة، لا دولة الحاكم وعائلته وحزبه وطائفته. خرج الشباب لكي يعود الوطن لهم، لأهله حقاً، يُلبسونه الملابس التي تليق بمن يعشقون، ويلونونه بألوان البهجات التي يحبون. وطن ينقذونه من "ورطة" أن يكون بيئة يزدهر فيها الفساد، وتغيب الأخلاق، ويكثرُ الوحوش، وتوأد الحريات بـ"القانون!". يريدون أن يكون لمدنهم وقراهم وجهُ المدن والقرى المتحضرة التي تليق بمواطني القرن الحادي والعشرين. يريدون أن يذهبوا، ويذهب أطفالهم، إلى مدارس ومعاهد وجامعات تُشبه مدارس الدنيا الأخرى وجامعاتها. مدارس وجامعات تنتمي لهذا الزمان: عقلا وبنى تحتيةً ومناهج. يريدون لهم، ولوطنهم، مدارس وجامعات تفتح عقول الدارسين وقلوبهم للعلم، دون حواجز، وتبني علماء وباحثين ذوي عقول نقدية، تواكب حركة العلوم وتطوراتها المتسارعة في العالم، ولا تكون أماكن لإنتاج العقل التقليدي نفسه، ترفد السلطات وأحزابها بعُصَب أخرى، تواصل السيرَ في سُبُل الفساد والتجهيل والجمود ذاتها!. الشباب هؤلاء يريدون وطنا يحلمون فيه أحلامَهم. يحلمونها له ولهم، ويسعون لتحقيقها بأنفسهم، لا أن يحلمَ عنهم، ويقرر لهم، ساسةٌ مقطّبو الجباه، ذوو وجوه كئيبة، لا يعرفون الحلمَ، ولا العلمَ، ولا يمتلكون من مخيلة سوى مخيلة اللصوص. ساسة يبدون وكأنهم قدموا إليهم من زمان آخر، عتيق.

يريد هؤلاء الشباب أن يعيدوا للوطن أخلاقه التي أودعتها سلطةُ الحاكم العربي مزابلَها الكثيرة، حتى أصبح وطنا بلا أخلاق.


أحد الشباب المصريين المنتفضين كتب عن يقظته هذه، وانتباهة أقرانه، إلى احتكار الساسة الحكام لمعاني "الوطن" و"المواطنة"، حيث أبقوا على اللفظ، وشوّهوا المعنى. يقول هذا الفتى : (. . . ولكن كان ثلاثاء. وجدنا أنفسَنا نمشي في الشارع. في كل المدن كنا نمشي. في كل الشوارع نرفع أصواتنا التي لم نعرف أنها لنا. أصوات تنادي بلدا اكتشفنا أنه وطننا. وبدأنا نعرف معنى هذه الأحرف الثلاثة: "وطن").

قبل أن يعيد الشباب اكتشاف أصواتهم، كانوا قد عرفوا أن أصوات الحكام، والكثير من معارضيهم، تصدر عن الماضي، ولا تعود إلا إليه. ولما كانت أصوات الشباب المُستعادةُ هي أصوات هذا الزمان، زمن الشباب وعصرهم، تنبع منه ومن تجاربه ومعارفه، وتذهب به نحو المستقبل، فإنه لم يعد ممكنا أن يجنمع الصوتان : صوت السلطة وصوت الرافضين لها، على خطاب مشترك ورؤية متقاربة. ما بين الصوتين وأصحابهما برزخ لا يبغيان!. هذاالتناقض العميق بين عقلية وروح تنتميان لهذا الزمان، وأخرى ما تزال مشدودة لثقافة القرون الوسطى بحبال متينة، لم يدعْ للأجيال الجديدة الواعية

غير أن تُعلن طلاقها البائنَ من منظومة الحكم هذه، وقطيعتها مع عقليتها وثقافتها.

هذا التناقض قائم حتى في البلدان التي ما تزال حركة الاحتجاج فيها محدودة ومحاصَرة، حتى الآن ولأسباب شتى، وما يزال حكامها يتوهمون أن ما عندهم مناقض، تماما، لما عند جيرانهم.

مثل هذا الاعتقاد ـ الوهم يشير إلى أن أهل السلطة هؤلاء غيرُ راغبين، أو غير قادرين، وهو الأرجح، على تقديم قراءة صحيحة، ثاقبة النظرة، لما يجري.

العجز عن تأمل ظواهر العصر، وتطوراته وأسئلته المركبة، بصورة دقيقة وشاملة، هو إحدى السمات الأبرز في بنية العقل التقليدي، مما يجعل انتظار التغيير والاصلاح الجذري، على يديه، لغواً باطلا، ومضيعة أخرى للوقت الذي ضاع منه على الناس الكثير الكثير. قد ينتهي العقل التقليدي، وهو ينحني لعواصف الشارع، إلى ترقيع بعض الفتوق في سراويل سلطته، لكن الأزمة ستبقى، والانفجار سيأتي، حتى بعد حين.


محنة السلطة التي تتغذى على هذا العقل أنها لا تعرف الإجابة، حتى على ما هو معقد ومركّب، بغير "نعم" أو "لا"جاهزتين، تقولهما هكذا، دون روية، أو مسافة لاحتمالات الخطأ والصواب. مصالح السلطة، في أبعادها الشخصية والحزبية والعقائدية، هي ما يحدد اتجاه الإجابة، وليس حاجات الناس ومصالحهم. ثم أن الحاكم العربي مسكون، عموما، باعتقاد ذي جذر ميتافيزيقي، يستحوذ حتى على بعض مدعي اللبرالية والعلمانية من أهل السلطة العرب، يجعلهم يرون أنهم وسلطتهم قدر السماء على الناس، وأنهم، خاصة من يرتدي أقنعة الدين منهم، مُكلفون من السماء "شرعاً" بتسيير شؤون الأرض والتحكم بأهلها. هذا الاعتقاد القدَري (قال بمثله الأموي معاوية بن أبي سفيان) يقوم، في الأصل، على تصور توراتي يرى أن تاريخ الأشياء مكتوب من قبل.

والحاكم العربي مأخوذ، كما يظهر، باعتقاد أن تاريخ السلطة مكتوب له، وموقوف عليه. ولهذا نرى أنه عمل على تفصيل ديمقراطيته وقوانينها بمقاييس هذا التاريخ، وبما يجعل منه حاكما أبدياً، يمتد حكمه عبر أبنائه الوارثين، أو عقلية الحزب والفرقة التي ينتمي إليها. وحده القذافي، الأخرق والأكثر دموية بين أقرانه الأحياء، لم يكن بحاجة إلى لعبة ديمقراطية شكلية. اخترع له منصبَ قائد ثورة أبدي، وفيلسوف ومنظر سياسي، في "جماهيرية عظمى!"، جعل كل شيئ فيها يدور حوله، طوال اثنين وأربعين عاما.

من يركبه "جنّيُّ" هذا الاعتقاد، لا يعنيه أن يأخذ شعبه ووطنه معه إلى الهاوية، قبل أن يفارق "حبيبتَه" السلطة.

هذا ما فعله صدام حسين، ويفعله القذافي، هذه الأيام، وما قد يفعله غيرهم أيضا.

خروج مواطني القرن الحادي والعشرين من شباب هذه الأرض الواعين قلب قواعد اللعبة على هؤلاء الحكام. خرج هؤلاء الشباب ليقولوا لمن أذلّهم وأذلّ آباءهم : نحن أقدار أنفسنا، كما الناس، جميعا، أقدار أنفسهم، ونحن الآن أقداركم أيضا. تاريخنا نكتبه نحن، وقرننا هذا لن يظل مصبَّ مياه راكدة لقرون غابرة، ولا مكبَّ نفايات لأنماط حكم، وتفكير وسلوك، تنتمي لتلك القرون، وتسعى إلى أن تصنع الدولة والمجتمع والناس على صورتها هي، ومثلما تهوى.


هذا الخروج حدا بالبيرواني ماريو بارغاس يوسا، صاحب نوبل الأدبية للعام الماضي، إلى التساؤل في مقال له، نشر (الملحق الثقافي) لجريدة (السفير) اللبنانية ترجمته العربية، يقول فيه: "أليس سقوط مبارك هو أفضل دليل على أن التاريخ ليس مكتوبا سلفا، وبأنه يأخذ اتجاهات عصيّة على كل النظريات".


هذا الخروج فاجأ سلطة الحاكم العربي. جعلها تُسْقِط أقنعتها، وتنزع سروايلَها، واحدا بعد الآخر، في ميادين التحرير وساحاته. جعلها تفقد لغتها. لم تعد تعرف غير "التأتأة"، كما أشار اللبناني (عباس بيضون) بصواب، فقد ركبها الخوف من فتية ظنت أنهم ألِفوا، شأن الكثير من آبائهم، أحوال الهزيمة والإحباط، الفردية والجماعية معا، وأذعنوا لوصاية الحاكم، ومنطق القمع والتحريم، ورسم الحدود، الذي تقوم عليه سلطته. وإذا هم يقولون لها : "انتهت اللعبة"، وحان دورنا في الكلام والقيام، بعد طول صمت وقعود. ديمقراطيتك، ديمقراطية الأحزاب الحاكمة والاستقطابات الطائفية والقبلية وشراء الأصوات والذمم، تناسب عقليتك التآمرية، وثقافة الغش والخداع التي تعودت عليها. ديمقراطية ما وراء الكواليس هذه باطلة. وهي تشير إلى لا أخلاقيتك وعدم نُبْلك، على غير ما تزعمين دائما. ولأننا أخلاقيون، نبلاء، نقول لك (ساعة الصفر)

و(كلمة السر)، وأماكن التجمع، للخروج عليك. ندعوك لتأتي معنا إلى الشارع، إلى ديمقراطيته الحقيقية، لنلعبَ على المكشوف، هذه المرة!.


رعب سلطة الحاكم العربي، من هذه الثورات، أنها لم تألف (معارضوها كذلك!) أن يخرج عليها فتية لا مرجعية لهم غير تجاربهم المريرة معها، ومعرفتهم لعصرهم، ورغبتهم العارمة في الحرية والعدالة، وفي حياة لا يكون الفقر والاستبداد، والخيبات والأحزان فيها، صناعة يعاد انتاجها وتطويرها، على الدوام.

من غير المألوف لسلطة العقل التقليدي، وهي التي تعودت احتلال المجتمع في فضاءاته الشخصية والعامة، أن يخرج عليها فتية يمتلكون أنفسهم وإرادتهم، ولا يرون لأحد من ولاية عليهم غير أوطانهم، ومصالح أهلها.


لقد أسقطت ثورات الشباب، حتى الآن، حاكمين اثنين (بن علي) و(مبارك). وهي في سبيلها لأن ترسل اثنين آخرين، (عقيد الجماهيرية) و(حاكم اليمن)، إلى الجحيم. دور الآخرين سيأتي لا محالة. هذه الثورات لم تغير الأنظمة بعد. وقد تقفز قوى تقليدية، معارضة للنظم القائمة، لتقطف ثمارها، إلى حين، ولكن من اليقين أن أحوال الحكم في بلداننا، وعلاقات الحاكم بالمحكوم فيها، لن تظل على حالها بعد هذه الثورات.


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة