نقاش فكري وسياسي مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

المدخل:

النقاش الفكري يلعب دوراً كبيراً في بلورة الكثير من الأمور التي تبدو غامضة أو وجود تباين حولها في وجهات النظر, شريطة أن يتسم بالهدوء والرصانة والموضوعية. والابتعاد عن الغمز واللمز أو التجريح. وتجربتي الشخصية مع الدكتور عبد الخالق حسين كانت إيجابية رغم بقاء كل منا على موقفه بشأن الموقف من القوات الأمريكية في العراق ومن أهداف الحرب على العراق في العام 2003 ومن النفط الخام. وحين أكتب أبذل كل الجهد لأكون موضوعياً وواثقاً إلى حدود بعيدة مما أشير إليه أو أذكره, إذ أن بعض الظن أثم من الناحيتين السياسية والأخلاقية.

ونقاشي هذا اليوم يدور حول بعض الأفكار وبعض المواقف السياسية للأخ الدكتور عبد الخالق حسين وأتمنى أن لا يفسد للود قضية, إذ يبقى احترامي له ولكتاباته رغم الاختلاف الكبير الذي ستتبين بعض جوانبه في هذه المقالة. وسأتطرق في نقاشي إلى خمسة محاور جوهرية هي:

1 . ما الموقف من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي؟

2 . ما الموقف من حكومة المحاصصة الطائفية وقضايا الفساد والمشكلات الاجتماعية والخدمات العامة ...الخ؟

3 . ما الموقف من الحريات العامة والتجاوزات الفظة عليها وأساسها الفكري والسياسي؟

4 . ما الموقف من المظاهرات الشعبية التي انطلقت يوم 25/2/2011.

5 . على ماذا برهنت مواقف المتظاهرين ومواقف الحكومة وأجهزة الأمن والقوات المسلحة العراقية؟

الحلقة الأولى

ما هو الموقف من رئيس الوزراء نوري المالكي

في جميع بلدان العالم يلهب رئيس الوزراء عموماً دوراً أساسياً وبارزاً في تسيير دفة مجلس الوزراء, فهو بمثابة قائد أوركسترا لفرقة موسيقية يتحكم بتوزيع وتوجيه وضبط وحدة العازفين على مختلف الآلات الموسيقية. وقوته وتفوقه تبرزان في قدرته على ضبط الألحان الموسيقية المنطلقة من تلك الآلات ومدى تناغمها ووحدتها في تنوعها وابتعادها عن النشاز.

إن فشل أو نجاح أي وزارة يخضع لمعايير عدة, ولكن من بينها وأكثرها أهمية هي قدرة رئيس الوزراء على إدارة شؤون مجلس الوزراء على ممارسة الجماعية في العمل والابتعاد عن الفردية والتصرف الكيفي والعلاقات الودية والديمقراطية مع الوزراء والعمل بتناغم مع كافة وزرائه دون تقييد لحريتهم في العمل. إضافة إلى ضرورة امتلاك مجلس الوزراء لنظام عمل لمتابعة تنفيذ القرارات والتوصيات وممارسة الرقابة العلمية على حسن الأداء وزتطوير الثقة المتبادلة بين أعضاء مجلس الوزراء. ويتطلب هذا الابتعاد عن زرع "المخبرين السريين" في الوزارات وعلى عمل الوزراء على نحو خاص.

حين تسلم نوري المالكي رئاسة مجلس الوزراء وتخلص الشعب العراقي من سلفه الدكتور إبراهيم الجعفري, تأمل الكثير من الناس خيراً. وحين ألقيت محاضرة في مقر جريدة المدى قبل عدة أعوام حول الوضع في العراق بعد استيزار المالكي, أشرت إلى إمكانية تطور مواقف المالكي صوب قاعدة المواطنة والديمقراطية وترك الهوية الطائفية السياسية خلفه ووضع برامج جيدة للتنفيذ. عندها استفسر مني أحد الأساتذة الكرام, في ما إذا كنت مقتنعاً بإمكانية تحقيق مثل هذا الانتقال إلى مواقع الديمقراطية والتخلي عن الطائفية السياسية, أجبته بإمكانية ذلك حين تتوفر لدى المالكي, أو أي شخص مماثل, الإرادة الذاتية وبروز عوامل مساعدة تحيط به. وبالتالي لن تجد في مقالاتي أي هجوم على المالكي حين تسلم السلطة, بل أشرت بتقييم إيجابي إلى موقفه السليم من محاولات التخلص من الميليشيات الطائفية المسلحة, غذ كان عليه إما أن يتخلى عن السلطة أو يثبت كونه مسؤولاً عن الوضع في العراق. وحين سؤلت من أحد مستشاريه في العراق عن رأيي بالمالكي, قلت لهم إنه قد تطور في مواقفه أبعد من حزبه. ولكن في ما بعد وجهت نقداً له بسبب عدم ربطه بصورة عقلانية وضرورية بين ما قام به من عمليات أمنية وما كان يستوجب إنجازه في المجال الاقتصادي والاجتماعي, إذ بدأ بعدها التخلخل من جديد في مجال الأمن وزاد في الطين بلِة في أعقاب انتخابات عام 2010. وبدأت مواقفه بالتراجع في مجال الحريات العامة أكثر فأكثر وسكوته عن قوى بدأت بكل حرية تمارس سلب الحريات الفردية والعامة في محافظات بغداد والبصرة وبابل وغيرها من محافظات العراق.

لست لدي أغراض شخصية مع المالكي ولم أتعرف عليه شخصياً ولا تهمني مسيرته الشخصية التي لا تتعلق بالشأن العام, فهو كأي فرد له حقوقه الشخصية في المجتمع وله حق في تبني أي رأي. ولكن نوري المالكي لم يعد شخصاً عادياً, بل هو رئيس وزراء العراق وهو مسؤول عن الشأن العام, وفي هذا الموقع لي عليه مآخذ كثيرة, سواء أكان في مجال إدارته للدولة العراقية كرئيس للوزراء, أم باعتباره المسؤول الأول عن القوات المسلحة العراقية, أم كونه مسؤولاً عن ممارسة الدستور والحريات العامة في البلاد أم حماية أرواح المواطنات والمواطنين ومن مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسة.

عبر مراقبتي الشخصية ومتابعتي اليومية لنشاط رئيس الوزراء العراقي تكونت لدي مجموعة من الملاحظات النقدية التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1 . لا يختلف نوري المالكي بأي حال عن أي حاكم عراقي أو عربي من الناحية الفردية وهو بعيد كل البعد عن العمل الجماعي. وحتى إذا ما تم الاتفاق بصورة مشتركة مع الآخرين, فهو ينفذ القرارات التي في رأسه. أي أنه يعمل على طريقة "تريد أرنب أخذ أرنب, تريد غزال أخذ أرنب". وهذه السمة ملازمة للدكتور أياد علاوي وقبله عند الدكتور إبراهيم الجعفري ولدى الكثير جداً من المسؤولين العراقيين الآخرين. وشدة ممارسته للمركزية المفرطة ضيع على نفسه متابعة المسائل الأكثر أهمية بسبب الخلط بين المسائل الأساسية والثانوية. ويزداد هذا الموقف شدة حين يكون رئيس الوزراء من حزب إسلامي يأخذ بتقاليد الخلفاء وأولياء الفقيه ويعتقدون أنهم صاحب الكلمة العادلة والصائبة والحق المطلق والحقيقة الكاملة وغيرهم لا يملكون ذلك. وهذه السمة ملازمة أيضاً لكل الأحزاب الشمولية أياً كانت الأيديولوجية التي يحملونها. ولنا في العقود المنصرمة وفي الوقت الحاضر على صعيد العالم كله نماذج كثيرة, بما في ذلك نماذج من دول اشتراكية أقامت نظماً سياسية ذات نهج شمولي صارخ قادها إلى نهايتها المريعة.

2 . لا يؤمن المالكي بالديمقراطية وغير مقتنع بجدواها للمجتمع, ويميل إلى الفكر الواحد والرأي الواحد والموقف الواحد لو تسنى له تطبيق ذلك. وهذه الذهنية التي يحملها هي جزء من ذهنية الأحزاب الإسلامية السياسية وموقفها الشمولي من أن الحل هو الإسلام, شئنا أم أبينا, قالوا به بصراحة أم تستروا عليه بأساليب أخرى.

لا أدعي ذلك على أحد, بل هذا الرأي ورد على لسان أحد أبرز قادة حزب الدعوة الإسلامية. وقد ذكرت هذا سابقاً. فحين جرى لقاء تلفزيوني بين قناة الحرة وعلى الأديب قبل عدة سنوات, وكان ولا يزال الشخصية الثانية في هذا الحزب, وأكد فيه بما لا يقبل الشك, بأن حزبه يعتمد الديمقراطية كأداة في الوصول إلى السلطة, ولكن الديمقراطية لا تشكل فلسفة الحزب ولا يعمل بها. وهذا يعني بصريح العبارة: يمارس حزب الدعوة الإسلامية الديمقراطية إلى حين وصوله إلى السلطة ويتخلى عنها حين يصبح في السلطة وهي غير واردة في قاموس الحزب السياسي. على الأديب لم يتحدث عن شخصه وعن فلسفته, بل تحدث عن فلسفة حزب الدعوة الإسلامية ومواقفه بما لا يترك مجالاً لأي رأي آخر. ورئيس الوزراء كان واضحاً في حادثتين مارس هذا المضمون بكل أبعاده: الحادثة الشهيرة التي ستبقى تلاحقه والتي قال فيها لأحد شيوخ العشائر حين قال له "أحذر راح يأخذون السلطة منك: قال له "لا تخاف ما ننطيها", وثم حين لم يحصل على الأكثرية لقائمته البرلمانية وأصر أن يكون رئيساً للوزراء ورفض أي شخص آخر من التحالف الوطني أن يأخذ منه هذا المنصب. لقد برهن على إنه لا يريد إعطائها لغيره وبرهن على إنه لا يتمتع بالديمقراطية ولا يعي جوهرها.

3 . خلال سنوات الدورة السابقة لمجلس النواب ومجلس الوزراء لم يعمل المالكي بما فيه الكفاية وبالجدية الضرورية لمعالجة أوضاع العراق المرية, سواء أكانت موروثة من العهد السابق أم متراكمة بعد سقوط النظام الفاشي, في مجال البطالة والفساد والخدمات والتنمية. مر الوقت دون أن ينفذ ولو تلك المهمات الأكثر إلحاحاً مما كان في مقدوره إنجازه في العراق. وهو الذي أثار غضب الناس. ولم يتخذ موقفاً حازماً وصارماً ضد الفاسدين والمفسدين, بل تجاوز الكثير مما كان يفترض ممارسته, إضافة إلى موقفه السيئ جداً من مزوري الشهادات, وهم يشكلون عدداً كبيراً من أتباع قوى الإسلام السياسية ومن أعضاء حزبه بالذات. الكل يعرف أن وزير الدفاع الألماني لم يزور شهادته, بل سمح لغيره بكتابة الدكتوراه وأخذ مقتطفات ضافية من كتب أخرى دون أن يذكر المصادر. فشنت المعارضة والجهات العلمية والجامعات حملة عادلة ضده أدت إلى: استقالته من منصب وزير الدفاع, وتخلى عن عضوية مجلس النواب, تخلى عن عضوية قيادة الحزب الاجتماعي المسيحي, وجلس الرجل في بيته بعيداً عن أنظار الناس ليفكر جدياً بما فعله. ثم تخلى هو نفسه عن شهادته, ولكن هذا العمل مرفوض, إذ أن الجامعة هي التي يفترض أن تسحبها منه وسحبتها فعلاً, والمدعي العام الألماني يدرس إحالة القضية إلى القضاء باعتبار ما جرى سرقة علمية. هذا الموقف, ورغم تعاطف الكثير من الناس معه, يعطي المجتمع مناعة ضد التزوير وضد الفساد بمختلف أنواعه. أما قرار رئيس الوزراء فيحرم الشعب من هذه المناعة الأخلاقية والعلمية الضرورية.

4 . مر حتى الآن خمس سنوات وهو في الحكم, وقبلها كان حزبه في الحكم أيضاً, ولكن لم تطرح إستراتيجية اقتصادية واجتماعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وحين طرح الدكتور علي بابان هذه الخطة الخماسية, فإنها لم تعتمد على إستراتيجية واضحة اعترف بها الدكتور بابان وجاءت في نهاية دورة مجلس الوزراء لأغراض الحملة الانتخابية, ثم أهملت ولم يعتمدها رئيس الوزراء بل طرح توجهات أخرى في برنامجه الوزاري ثم تبخر أيضاً مع الوقت. وها نحن وبعد مرور سنة كاملة على الوزارة الجديدة لا توجد خطة خمسية وسنوية للوزارة, ثم طلب مئة يوم لتحريك الوضع. فماذا سيحرك وعلى أي أساس وكيف سيحاسبه مجلس النواب وهو لا يمتلك خطة اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية؟ وكيف سيراقب الشعب ذلك؟ كلها أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها لأنه لا يملك المنهج العلمي في العمل ولا المنهاج السليم, كما لم يطرح آليات وأدوات تنفيذ ما يريد فعله وقد مر الآن ربع الفترة التي حددها أمام مجلس النواب ولم يبدأ العمل حتى الآن.

5 . مجلس الوزراء لا يمتلك نظاماً للمتابعة ونظاماً للرقابة المالية. بل كل الأمور تسير بصورة ارتجالية وفردية. وهذه الصيغة من العمل هي التي تقود إلى ضياع المسؤولية وفقدان البوصلة في العمل وبروز فساد ومفسدين وتعثر في العمل وتعطل في المعاملات.

كيف يحق لرئيس وزراء أن ينتقد وزير ماليته السابق ويتهمه بقضايا كثيرة أثناء توليه وزارة المالية ولم يلتفت لها رئيس الوزراء إلا بعد أن أصبح وزير المالية في موقع حزبي ينتقد فيه سياسة رئيس الوزراء؟ ماذا يعني ذلك؟ لا نحتاج إلى شطارة كبيرة لنقول ما يلي: غياب المتابعة ووجود أشخاص غير مناسبين, وربما غير أمناء, في مواقع غير مناسبة لهم أصلاً, في حين تستوجب تلك المواقع أشخاص متخصصون وأمناء ومخلصون للقسم الذي أدوه أمام مجلس النواب. ثم هذا يعني غياب الرقابة والمتابعة في حينها ضمن الكثير مما يعنيه هذا الموقف. لقد سكت عن كل ما يتهمه به الآن لأنه كان يعمل وفق مبدأ داريني وأداريك, اسكت عني واسكت عنك!!

6 . من المؤسف أن أقول, وهو قول مؤكد بأن رئيس الوزراء يعمل على الطريقة السابقة التي كان يعمل فيها حزب وحكم البعث وأعني به ما يلي:

وجود مخبرين سريين في كل وزارة يقدمون التقارير عن تصرف الوزراء وينبشون بالأوراق ليسجلوا التقارير ويرفعوها إلى رئيس الوزراء أو لمكتبه الخاص ليجري محاسبة كل وزير على حدا لما قام به مما سجل في تلك التقارير المرفوعة من المخبرين السريين ضد هذا الوزير أو ذاك. هذا العمل بعيد كل البعد عن الحياة الديمقراطية والشفافية وتعبر عن فقدان الثقة. وهي التي تعمق المشكلات بين الوزراء ورئيس مجلس الوزراء. وهذا الأمر يعرفه كل وزير وعلى من يرغب التيقن من الأمر أن يسال كل وزير على حدا ولا أحتاج إلى ذكر المصدر, وليس من حق أحد أن يطالبني بالمصدر.

7. وبدلاً من التوجه صوب بناء المجتمع المدني العراقي, صوب المتثقفين والطلبة والمتعلمين والطبقة المتوسطة وفئات البرجوازية الصغيرة المدينية, راح يوسع قاعدته الاجتماعية بين شيوخ العشائر وينمي التقاليد والعادات العشائرية لا في الريف فحسب, بل وفي المدينة, وبشكل خاص بين العشائر ذات الخلفية المذهبية الشيعية. وفي هذا تكريس لمؤسستين يفترض أن يضعف دورهما في الحياة العامة, وخاصة السياسية, وهما المؤسسة العشائرية والمؤسسة الدينية. وبالنسبة للمؤسسة الأخيرة فمن حقها النشاط الاجتماعي والديني فليس في هذا ما يضير أحد, ولكن لا يجوز زجها في القضايا السياسية التي هي من واجب الحكومة والشعب.

8. إن أغلى ما يمتلك الإنسان هو حريته الفردية وكرامته, إنها الحريات العامة وحقوق الإنسان. والسؤال هل صان رئيس الوزراء العراقي الحريات العامة أم أساء إليها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست صعبة, إذ يمكن أن يجيب عنها الإنسان من خلال الكثير من الوقائع الجارية في البلاد ومن خلال إجراءات السلطة أو الوزراء خلال السنوات المنصرمة.

سأورد نماذج قليلة لكي يتسع المجال للآخرين لذكر الكثير أيضاً. فحين يكون الإنسان رئيساً للوزراء, فهو مسؤول عن الحكومة الاتحادية وعما يجري في الإقليم والمحافظات أيضاً. وعليه متابعة العمل هناك. إلى القارئات والقراء بعض الأمثلة:

أ . أصدر محافظ البصرة قرارات ألغى بموجبها الكثير من الفعاليات في الموسم الثقافي بحجة الدين وبدأ بحملة سميت في زمن الجائر صدام حسين بـ"الحملة الإيمانية" تعكزاً على الدين البريء منهم ومن أفعالهم. وكانت نتيجة سلوك المحافظ السيئ هي الانتفاضة الشعبية على محافظ البصرة. ولكن رئيس الوزراء لم يحرك ساكناً في حينها, وحين حصلت إضرابات عمالية ومظاهرات تطالب بالخدمات والعمل, فتجرأ بإصدار أمر بضربها واستشهد متظاهر وسقط جرحى, وحصل ما يماثلها في مناطق أخرى من العراق.

ب . حين أصدر محافظ بابل قرارات بمنع الأغاني وما إلى ذلك في احتفالات ثقافية لم يحرك رئيس الوزراء ساكناً, مما أدى إلى تفاقم الأوضاع هناك واشتد الصراع في محافظة بابل.

ج . وعلى إثر ذلك تجاسر رئيس مجلس محافظة بغداد بوقاحة بالغة فأصدر أمراً بتفتيش المقر المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وغلق النادي الاجتماعي فيه, ثم جرى تفتيشه ثانية إمعاناً في التحدي والاستفزاز. وحين تجاسر بفظاظة ثانية ليعتدي أتباع رئيس مجلس المحافظة والشرطة المحلية على جمعية اشوربانيبال الثقافية ببغداد وضرب وإهانة بعض العاملين فيها ونهب ما فيها وجرجرة بعضهم إلى مركز الشرطة, لم يحرك رئيس الوزراء ساكناً, بل أشار بمعرض الدفاع عن هذا الإجراء, بأننا في مجتمع إسلامي ونريد أن نبني مجتمعاً إسلامياً!!!

د . وحين رفضت قيادة الحزب الشيوعي العراقي الاستماع وتنفيذ "طلب" رئيس الوزراء بعدم المشاركة في مظاهرات يوم 25/2/2011 عاقبهم بإرسال شرطة لإخلاء مقر اللجنة المركزية ومكتب جريدة طريق الشعب, وكأنه شيخ عشيرة يأمر بما يريد دون أي احترام للقانون والقواعد التي تعتمد في مثل هذه الحالات. وهو يدرك بأن كل الأحزاب السياسية وليس الحزب الشيوعي و حزب الأمة العراقية وحدهما, يقيمون في دور غير دورهم وهي تابعة للدولة. أما الحزب الشيوعي وحزب الأمة فهما يدفعان إيجاراً لوزارة المالية وكان على وزارة المالية معالجة الموضوع, خاصة وأن الحزب الشيوعي العراقي يطالب منذ فترة طويلة باستعادة ممتلكات الحزب المنقولة وغير المنقولة له والتي صادرها النظام الشمولي السابق. في حين أن مسؤولين غيرهم استعادوا كل ما صادره البعث منهم منذ سنوات.

هـ . يقوم المخبرون السريون التابعون لوزير التعليم العالي علي الأديب, وهو نائب رئيس حزب الدعوة الإسلامية, بتوجه تهمة كيدية لأساتذة جامعيين توقع من قبل "مخبر سري", فيقوم هذا الوزير "الهمام" بحملة رهيبة لاستبدال العمداء ورؤساء الأقسام الذين ينتمون للمذهب السني. والحملة تتلخص في اعتقال الأستاذ لأسبوع أو شهر من قبل قوة مكافحة الإرهاب، وفيها يهان ويضرب، ثم يطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة. وحفظاً لكرمته وخشية من مواصلة الإساءات له, يقدم الأستاذ الجامعي استقالته أو يطلب التقاعد, فتأتي الموافقة فوراً من وزير التعليم العالي. هناك عشرات الحالات التي تعرض لها الأساتذة لأسوأ معاملة من قبل الأجهزة الأمنية بصورة غير الدستورية ومخالفة لحقوق الإنسان وبإيعاز من الوزير "الهمام" علي الأديب.

و . لقد وقعت العديد من الأحداث في إقليم كردستان العراق, وسقط شهداء. وكان من واجب رئيس الوزراء بحث هذه الأمور مع رئيس حكومة إقليم كردستان لكي لا يعاد تكرار العنف والعنف المضاد أو الاعتداء على المتظاهرين. ولكن هل يمكن لرئيس حكومة اتحادية أن يحاسب حكومة إقليم كردستان بممارسات خاطئة هو نفسه قام بمثلها وأكثر منها !! قام رئيس حكومة إقليم كردستان بالاعتذار للمتظاهرين والتزم بعدم تكرار ذلك, فهل اعتذر رئيس وزراء العراق للمتظاهرين عن إساءاته لهم والتزم بعدم تكرارها, لم يعتذر وكررها!

يمكنني أن أورد الكثير من هذه الممارسات ولكن سيكون من الصعب قراءة كل ذلك. أما بشأن المظاهرات وسبل التعامل معها فسأتحدث عنها في حلقة لاحقة.

هذه الأمور وغيرها هي التي تدفعني لنقد رئيس الوزراء لا لغرض شخصي أو هدف إزاحته عن الحكم, بل من أجل تغيير الأوضاع لصالح الشعب العراقي, وهو ما يطالب به المتظاهرون في العراق قبل أن تصبح الحالة ميئوسا منها وتتخذ أبعاداً أخرى.

انتهت الحلقة الأولى وتتبعها الحلقة الثانية تحت عنوان: ما الموقف من حكومة المحاصصة الطائفية وقضايا الفساد والمشكلات الاجتماعية والخدمات العامة ...الخ؟

26/3/2011 كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة