نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟ ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

-الحلقة الخامسة والأخيرة-

لست مرعوباً ولكني مهموم على واقع البلاد ومستقبلها !!


طرح عليَّ السيد محمد ضياء عيسى العقابي مجموعة من الأسئلة وبعض الأمور الأخرى والأحكام المسبقة التي تستوجب الإجابة والمناقشة والتوضيح.

جاء في مقاله الموسوم "ماذا يراد للعراق يا كاظم حبيب؟!!" ما يلي: "لأول مرة أسمع معلومات خطيرة يذيعها شخص لا يحمل صفة رسمية". ولكن السؤال هل يعيش الأخ العقابي في هذا العالم المليء بالفضائح والقرارات السرية التي لا تذاع من المسؤولين, بل تنشرها الصحف ثم يتبع ذلك الاعتراف بها أو السكوت عنهاوعبورها؟ ألم يكن حرياً به أن يسأل نفسه: هل تنشر الجهات الرسمية معلومات خطيرة حقاً" أم أنها تسعى دوماً إلى لفلفتها بكل السبل المتاحة وغير المشروعة؟ لا يقتصر هذا النوع من التعامل على حكام العراق, بل حكام غالبية الدول حالياً وسابقاً بمن فيها تلك الدول الاشتراكية, وإلا لما اضطر الصحفيون النبش والتفتيش في محاولة منهم للوصول إلى معلومات سرية غير منشورة. كما لم يكن ضرورياً أن يلجأ الاسترالي "جوليان بول أسانج" إلى بذل الجهود الكبيرة للحصول على معلومات خطيرة تنشر لأول مرة في موقع ويكيليكس والتي أثارت ضجة عالمية, وفيها ما يمس العراق والحكومة العراقية والقوات الأمريكية التي اجتمعت كلها على إخفائها عن الشعب العراقي والشعب الأمريكي وعن الشعوب الأخرى أو الرأي العام العالمي كله والتي تنشر في موقع ويكيليكس عراق.

الفضائح التي تُنشر عالميا هي التي لم يصرح بها مسؤولون رسميون في البلدان التي تحصل فيها تلك الفضائح, مثل "ووتر گيت" أو "إيران گيت", أو "كوبونات النفط" التي كان يمنحها صدام حسين لمرتزقته في العالم, على سبيل المثال لا الحصر, بل كان يكتشفها صحفيون جادون يسعون إليها, أو أناس حريصون على شعبهم وعلى النزاهة يقومون بإرسالها إلى كتاب وصحفيين يثقون بهم لنشرها. وهذا ما حصل عشرات ألوف المرات خلال الأعوام المنصرمة ويحصل اليوم وسيحصل في المستقبل أيضاً. وبالتالي فأن من السذاجة التفكير بأن شخصية رسمية يمكن أن تذيع أخباراً من هذا النوع, علماً بأن هذا الخبر ليس من العيار الثقيل رغم أهميته, بل في كل الأحوال تصدر عن جهات غير رسمية ولكنها تنطلق من شخصيات رسمية لا يصرح باسمها.

من غير المعقول أن يوجه لي السؤال التالي: من هي الجهة التي أعطتني هذه المعلومة؟ إن من يعمل في المجال الصحفي يعرف جيداً إن مصدر هذه المعلومات وغيرها لا يمكن أن ينشر بأي حال. فأنا في الوقت الذي كنت أستاذاً جامعياً, وما أزال باحثاً علمياً, كنت وما زال في الوقت نفسه صحفياً منذ نهاية الستينيات وعضواً في هيئة تحرير الثقافة الجيدة ورئيس تحرير مجلة الاقتصادي وعضو هيئة ومجلس تحرير مجلة الوقت, كما أني عضو نقابة الصحفيين العراقية منذ أوائل السبعينيات وعضو نقابة الصحفيين العالمية وعضو شرف في نقابة صحفيي كردستان. وهذه العضوية تلزمني بالقطع أن لا أكشف عن مصادر الأخبار التي تصلني حين لا يرغب صاحب المعلومة, امرأة كانت أم رجلاً, الكشف عن اسمه. وللعلم أتسلم يومياً الكثير من المعلومات التي أستفيد منها في كتاباتي أو احتفظ بها في أرشيفي الخاص أو لا استخدمها أصلاً.

والمسألة الأخرى في هذا الصدد هي أن كل إنسان يستطيع أن يقدر وعبر تعامله اليومي مع الناس مدى صدقية الخبر الذي يصله وما مقدار الثقة التي يمكن أن يمنحها للشخص المرسل أو للخبر ذاته. وهذه الحالة تحصل عبر المعرفة الطويلة والتجارب الشخصية مع هذا الشخص أو ذاك, ومدى قربه أو بعده عن الوقائع التي يتحدث عنها وينقلها. وهناك معايير عقلية أخرى بطبيعة الحال التي يفترض في الباحث أو الصحفي أن يتيقن منها قبل نشر المعلومة. والمعلومة التي نشرتها دقيقة جداً وفعلية ويمكن العودة إلى الفرقة الثامنة لمعرفة من الذي عُين حديثاً قائداً لها وأين كان قبل أن يعين ومن رشحه لهذا المركز.

لم يرعبني الخبر, فقد تعودت على سماع الأخبار السيئة القادمة من العراق أولاً, ومررت بالكثير من التجارب القاسية التي لم ترعبني والسيد محمد ضياء العقابي أدرى بذلك ثانياً, ولكني كنت مهموماً بهذا الخبر ومن حق كل إنسان أن يحمل الهم حين يعرف تاريخ جيش المهدي وما فعله التيار الصدري في العراق بغض النظر عن الأصوات التي حاز عليها, فصدام حسين كان يحصل على ما يقرب من 100% من الأصوات, وكانت نسبة عالية جداً مزيفة ولكن لم تكن كلها مزيفة, فهي مرتبطة بوعي المجتمع وبمصالح الفئات المختلفة. كما إن علينا أن نعيش لنا المفاجآت التي يمكن أن يحملها لنا الصدريون.

عجيب أمر الأخ العقابي يريدني أن أختار بين أمرين كلاهما مر وقبيح, بين سيطرة البعثيين على الوضع كله, وبين انقلاب يقوم به الطغمويون ليعدوا العدة لحرب مع إيران .. أرفض وقوع الاحتمالين وكلاهما شر رغم أن الثاني غير محتمل في أوضاع البلاد الراهنة, وأتمنى أن لا يحصل الأول. وكلا الاحتمالين يجلبان الموت الدمار للعراق. لم يكن جيش المهدي في السلطة ومارس كل الموبقات في العراق وقتل الكثير من البشر, فإن وصل إلى الحكم فعلى القوى الديمقراطية والمستقلة أن تعرف ما يراد لها, فلن يكون وضع العراق بأفضل من الوضع في إيران المخنوقة.

يقول الكاتب أن في العراق الكثير من الشفافية وهي غير متوفرة في الدول العربية الأخرى. وهل مثل هذه المقارنة مقبولة من الناحية العلمية؟ كلا غير مقبولة. واليوم نحن شهود عيان ونتابع الثورة التي تدق أبواب الدول العربية واحدة تلو الأخرى لأنها غير شفافة وغير صادقة مع الشعب ولأنها ظالمة وفاسدة, والمظاهرات تدق أبواب العراق أيضاً لأسباب كثيرة بعضها الكثير مماثل وستهز العراق هزاً ما لم ينصاع رئيس الوزراء لمطالب الشعب العادلة ويستجيب لها ويتحرى عن السبل لتحقيقها. هيئة النزاهة التي تتحدث عن شفافيتها لا خلاف على ذلك بشأنها, وهي التي تشكو بمرارة من تدخل الحكومة وكبار المسؤولين في شؤونها, والحديث هنا عن الحكومة ورئيس الحكومة وليس عن هيئة النزاهة. من الضروري أن يقرأ الكاتب ما كتبه وصرح به رئيس هيئة النزاهة ورئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب ليتعرف الإنسان ما تعانيه هذه الهيئات من ضغوطات تمارسها وزراء حكومة المالكي وغيرهم من المسؤولين بما في ذلك التدخل الفظ في شؤونها. والكشف عن النفط المسروق ليس من عمل الحكومة بل من تلك الجهات المسؤولة عن النزاهة أيضا. ومن هنا جاءت محاولة رئيس الحكومة أن يخضع الهيئات المستقلة, ومنها هيئة النزاهة, لسيطرته ومسؤوليته والتي رفضت الآن من المحكمة الاتحادية, بعد أن وافقت قبل ذاك بضغط سياسي عليها. كما حاول رئيس الوزراء إخضاع البنك المركزي وهيئات مستقلة أخرى له ولرقابته عليها, في حين يقرر الدستور بقاؤها مستقلة عن الحكومة.

أورد للقارئات والقراء مثالاً آخر عن نزاهة المالكي وحكومته: بالرغم من رفض هيئة النزاهة إصدار العفو العام عن مزوري الشهادات في العراق باعتباره مخلاً بالدستور وبالمثل والقيم الأخلاقية والحياة العامة ويقدم نموذجاً سيئاً للشبيبة والباحثين والطلبة والمجتمع, أصدر رئيس الوزراء قراراً بالعفو العام عن أصحاب الشهادات المزورة, وبالتالي وبإصرار عجيب قدم نموذجاً سيئاً في مكافحة الفساد والتزوير في العراق. (راجع موقف هيئة النزاهة من ذلك في أغلب الصحف العراقية والمواقع الإلكترونية وموقف الكثير من القوى السياسية والشخصيات الواعية والنزيهة).

غريب أمر هذا المنطق فالسيد يقولني ما لم اقله. يقول: من الذي خولك أن تتكلم باسم العراقيين؟ أنا لم أتحدث باسم العراقيين ولن أسمح لنفسي بذلك. بل كتبت الكثير من المقالات بهذا الصدد, فما قالته يختلف عن صياغة السيد العقابي لما كتبته. قلت, .. استفسرت هل يعرف ثم قلت من أجل أن يعرف العراقيين ما يجري في العراق في حالة عدم معرفته, ويستنتج هذا من النص الوارد, وهذا لا يحتاج إلى تخويل, هذا اقتراح في أن يعرف العراقيون ما يجري, وحين لا يشاؤون فهذا أمرهم, وحين يشاؤون ذلك فهذا أمرهم أيضاً, ولكن السؤال هو من خوله أن يرفض عنهم هذا المقترح ويدعي الشفافية في حين أن الحكم كله لا شفافية فيه, بل كلها تجري وراء الستار في ما عدا الصراعات المكشوفة التي لا يمكن سترها. راجع ما نشرته الصحف يوم أمس عن اتفاق بين المالكي والتيار الصدري حول الموقف من حملة السلاح, حيث يدعي الصدريون أنه قد خان الاتفاق معه. راجع في هذا الصدد جريدة المدى بتاريخ 24/3/2011). كم كنت أتمنى على الرجل أن لا ينفعل بهذا الشكل فيفقد المنطق الذي عرفته فيه منذ ثلاثين عاماً وبالتحديد في الجزائر. أنا لم أدع تمثيل الشعب ولا أنزع عن أحد صفة انتخابه من قبل الشعب, ولكن من حقي أن أدعي أشياء أخرى بما في ذلك تزوير الانتخابات, كما فعل ذلك وادعى رئيس الوزراء وعطل إعلان النتائج أكثر من شهرين. ومن حقي كمواطن أن أدعي وجود وعي مزيف في المجتمع نتيجة الفترة الطويلة التي ساد فيها البعث وهيمنة الفكر الغيبي المسطح على أذهان الكثير من أبناء وبنات الشعب. ومن حقي أن أدعي أن قانون الانتخابات سيء ومشوه ويشوه نتائج الانتخابات بهذا القدر أو ذاك. ومن حق السيد العقابي أن يدعي غير ذلك!

والآن نعود إلى حزب الله الذي تأسس في العام 1982 في إيران وباسم آخر هو حركة أمل الشيعية, باعتبارها خرجت من ضلع حركة أمل الشيعية, ثم سمي الحزب ابسم أمل الإسلامية وأخيراً باسم حزب الله, والمؤسس هو موسى الصدر الذي غيبه معمر القذافي في ليبيا وكان في زيارة رسميه لها, وفي ما بعد أصبح حسن نصر الله, باعتباره شاباً وديماگوگياً كبيراً. تركت الحزب مجموعة من علماء الشيعة البارزين بسبب طائفية وتطرف هذا الحزب وتبعيته الفكرية والسياسية لإيران. لقد سار حزب الله في خط لا يرتبط بمصالح لبنان ولا بقرارات لبنانية مستقلة, بل كان وما يزال خاضعاً في مواقفه وقراراته لولاية الفقيه في إيران, أي خضوعه وخنوعه لعلي خامنئي, مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية, لأن حزب الله وقادته يؤمنون بولاية الفقيه, وولي "ولي العهد" وصاحب الزمان المهدي المنتظر هو علي خامنئي, وبالتالي فهذا الحزب يقلد في الجانب الديني والحياتي, بما فيه السياسي, توجيهات وقرارات وفتاوى علي خامنئي ويلتزم بما يقرره هذا الرجل غير اللبناني لحزب لبناني. إنه يعبر عن مصالح قوى إيرانية حاكمة وليس الشعب الإيراني, وهي لا تتوافق في كل الأحوال مع مصالح شعب لبنان.

حزب الله بنى دولة داخل دولة وجيش داخل جيش ولم يعد يلتزم بسياسة لبنانية إزاء الوضع في لبنان ويعطل دوماً الحياة السياسية ويرفض استمرار محاكمة قتلة الحريري والعديد من سياسيي لبنان المعارضين لحزب الله وسوريا وإيران, كما يمارس سياسة إيرانية في الموقف من الضفة الغربية وغزة وحماس والسلطة الفلسطينية. إنها سياسة إيرانية توسعية ومتطرفة لا يمكن أن تساهم في معالجة المشكلات التي تعاني منها المنطقة. وحزب الله يساهم بوكالة إيرانية بالتدخل في الشأن الفلسطيني والشأن العراقي بفظاظة كبيرة والأدلة موجودة لدى رئيس الوزراء نوري المالكي وأجهزة الأمن, ولكنها لا تعلنها لأنها شفافة جداً جداً إزاء إيران وحزب الله!

حزب الله اللبناني حزب طائفي سياسي يسيء إلى وحدة شعب لبنان بسياساته الطائفية ويسيء إلى استقلال لبنان وإلى تقدم لبنان على طريق المجتمع المدني الديمقراطي. ومن هنا جاءت مبادرة القوى العلمانية والديمقراطية والمستقلة في لبنان للتظاهر من أجل الخلاص من النظام الطائفي السياسي في لبنان ومن المحاصصة الطائفية اللعينة هناك والتي تمارس في العراق أيضاً. إن دعم المقاومة لا يأتي من خلال فرض سياسات الآخرين عليها في فلسطين, بل من خلال تأييد السياسات التي تمارسها السلطة الفلسطينية وعلى الجميع أن لا يتدخلوا في الشأن الفلسطيني. وينطبق هذا على حزب الله وعلى أي حزب آخر في العراق وفي المنطقة العربية والعالم. إن السياسات التي تمارسها إيران وسوريا, هذا المحور المتطرف الرافض لكل شيء بالنسبة للتفاوض مع إسرائيل, رغم كل العنت والوقاحة التي تتميز بها حكومة نتنياهو, تصب في صالح القوى اليمينية الإسرائيلية الأشد تطرفاً والتي لا تريد التفاوض وتسعى إلى ابتلاع فلسطين كلها, وهو ما تحققه لهم سياسات حماس وحزب الله والحكومة الإيرانية والحكومة السورية في الوقت الحاضر, شاءت ذلك أم أبت.

سوف لا أنجر إلى استفزازات العقابي بشان حرصي كحرص أنصار "الفصل السابع" وما إلى ذلك, فهو يدرك

الخطأ الفادح الذي يرتكبه بهذا اللغة الخشنة والاتهام السيئ ويعتقد بإن الآخرين لا يستطيعون استخدام هذه اللغة, إذ عندها ينتهي الحوار وتبدأ المهاترات التي اربأ بنفسي إن أسيء لمن كان ضمن رعيل المناضلين من أجل الديمقراطية وضد الدكتاتورية سنوات طويلة. يعرف جيداً موقفي من الحرب ومن الاحتلال ومن الرغبة في سرعة انسحاب القوات الأمريكية من العراق وفق الاتفاقية الأمنية بين البلدين والتي وقع عليها المالكي وبموافقة أغلب القوى السياسية مع تحفظات على بعض الجوانب فيها من قوى سياسية معتبرة. وكتبت مقالات مطالباً بإخراج العراق من الفصل السابع المعرقل والمطل لاستلال وسيادة العراق. ولكن سياسات المالكي ونهجه غير الديمقراطي هي التي تسمح باشتداد الصراعات داخل العراق وبين قواه السياسية وفي كل كتلة من الكتل السياسية والبرلمانية, وهي التي تسمح باحتمال تغيير الموقف الأمريكي من قضية الانسحاب في نهاية هذا العام والذي لا أرجوه, وأتمنى أن يلتزم الرئيس الأمريكي باراك أوباما على الانسحاب في الموعد المحدد والذي أكده هو ووزير دفاعه.

يردد العراقيون بشكل صحيح "أگعد أعوج, ولكن أحچي عدل", إذ كم هو مسيء للنقاش حين تقتطع بعض الأفكار من مواقعها وتورد في موقع أخر بحيث تصبح أشبه بمن يقول "ولا تقربوا الصلاة .." دون أن يستكملها ".. وأنتم سكارى ".

كنت أتحدث عن أهمية وضرورة عدم تحول الضحية إلى جلاد, إلى قاضٍ يحاكم المتهم أو الجلاد السابق, بحيث يتحول الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية, هذا التبادل في المواقع مخالف لحقوق الإنسان وكل المعايير والقيم الإنسانية. بل لا بد من وجود قضاة يحكمون على المتهمين وفق القوانين المرعية. وهو الذي لم يحصل من جانب جمهرة من العراقيين أو من الإيرانيين الذين وصلوا إلى العراق في فترتين أثناء انتفاضة 1991 حين استطاع المنتفضون أن يتحكموا لفترة قصيرة ببعض المدن في الوسط والجنوب ومارسوا القتل ضد البعثيين بصورة عشوائية, والمرة الثانية حين سقط نظام البعث واستولى المنتفضون في العام 2003 على المدن العراقية ومارسوا القتل ضد البعثيين دون اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. وهذه ليست من عنديات كاظم حبيب, بل وردت في التقارير التي تتحدث عن انتفاضة الشعب التي يطلق عليها الإسلاميون بـ"الثورة الشعبانية" في العام 1991 ومن ذات القوى التي مارست ذلك, وكذلك في التقارير التي سجلت الأحداث بعد سقوط النظام. البحث والتمحيص والتدقيق لأي باحث علمي مخلص للحقيقة, رغم نسبيتها, يمكن أن يصل إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها بالاستناد إلى عشرات التقارير واللقاءات بالناس الذين شاركوا في تلك الأحداث. إن هذا القول لا يخفي بطبيعة الحال الجرائم الأكثر بشاعة ودموية والتي ترقى إلى مجازر إبادة جماعية وضد الإنسانية التي ارتكبها النظام البعثي والحرس القومي ومجموعة من القوميين الناصريين الشوفينيين في العام 1963 من جهة, وتلك الجرائم البشعة التي ارتكبها نظام البعث ورأسة العفن صدام حسين وعائلته وطغمته الشريرة في تهجير الكرد الفيلية وقتل شبيبتهم وشبيبة عرب الجنوب من الشيعة وتهجير مئات الألوف إلى إيران وفي الشتات العراقي وتجفيف مياه الأهوار وتشريد سكانها ومجازر الأنفال وحلبچة أو تلك التي أعقبت فشل انتفاضة الشعب في العام 1991, إضافة إلى جرائمهم الأخرى في شن الحروب الداخلية والخارجية والمقابر الجماعية. ولكن, ولكي نضمن بناء الديمقراطية في العراق ونحقق وجود دولة القانون الديمقراطية, يفترض أن نقتنع جميعاً بأن ليس من حقنا أن نقتص بأيدينا أو نقتل من نعتقد بأنه من الجناة أو من المتهمين بجرائم دون محاكمة, بل لا بد من تسليمهم إلى أجهزة الأمن والشرطة وإحالتهم إلى القضاء الذي يفترض أن يأخذ مجراه العادل.


كم هي بائسة تلك المقارنة بين الشخصية الوطنية المستقلة عبد الكريم قاسم وغير الطائفي, الذي حصد شتائم من أعداء الشعب العراقي وكذلك من أعداء الديمقراطية, ومنهم قوى الإسلام السياسية التي بدأت بمن أطلق عليهم بالفاطميين, وهم جماعة حزب الدعوة الإسلامية لاحقاً, وحاربوه وتعانوا مع كل القوى المناهضة لحكمه, وبين نوري المالكي الذي يمثل حزباً سياسياً إسلامياً طائفياً يحصد شتائم من أحزاب طائفية سياسية مضادة له أو مماثلة له. وقناعتي أن من الخطأ الفادح المقارنة بين الشخصيتين بأي حال وعلى الأقل إن الأول لم يكن طائفياً والثاني يمثل الطائفية بأجلى أشكالها. توجهت لقاسم انتقادات شديدة من المعسكر الديمقراطي نفسه الذي كان قاسم قبل أن ينفرد بالسلطة جزءاً منه ولم يشتم منهم. والمالكي لم يُشتم من الديمقراطيين بل تتوجه له انتقادات شديدة بسبب سياساته ومواقفه الطائفية المنطلقة من مثله الحزبية والإيديولوجية الإسلامية وتوجيهه الرصاص الحي ضد المتظاهرين والاعتقالات والتعذيب ..الخ. أما الشتائم التي تصله من حزب البعث أو القاعدة, فلا نحتاج إلى تفسير أسبابها, رغم وجود أجزاء منهم في العملية السياسية الجارية.

إن العراق مفتوح على كل الأبواب والاحتمالات. ولكن ما يضمن سيره على طريق النجاة من كل أشكال الإرهاب والقوى المضادة لمسيرة الشعب العراقي ومستقبله المشرق يتجسد في إطلاق الحريات العامة واحترام إرادة وكرامة وحقوق الإنسان والاستجابة لمطالبه وحمايته من كل أشكال القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإقرار الفعلي بالتداول الديمقراطي للسلطة عبر وجود قانون انتخابات سليم وقانون أحزاب ديمقراطي ومجلس نيابي لا يعتمد الطائفية السياسية وحكومة وطنية لا تعتمد المحاصصة الطائفية بل الهوية الوطنية العراقية, حكومة تمتلك إستراتيجية وطنية وسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وخدمية واضحة المعالم تكافح الفساد والبطالة, ودولة تلتزم بمبدأ " الدين لله والوطن للجميع وتتخذ موقف الحياد إزاء الأديان والمذاهب وتحمي أتباع كل القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية غير الشوفينية وغير العنصرية وغير الطائفية السياسية وترفض التمييز بكل أشكاله بما فيه التمييز ضد المرأة وحقها في المساواة مع الرجل, إنه الطريق صوب بناء دولة حرة وديمقراطية ومجتمع مدني. إن هذا الطريق طويل, ولكنه لا بد أن يبدأ بخطوة أولى التي يفترض أن تخطوها الحكومة, أي ممارسة فعلية للحريات العامة, عند ذاك سوف لن يجد رئيس الوزراء مظاهرات احتجاج يستخدم كل أشكال العنف ضدها, عندها سيجد من يؤيده ويتظاهر من أجل دعمه.

لقد خرجت مظاهرات سلمية وبشعارات واضحة تطالب بالحقوق ولم تطرح شعار إسقاط النظام أو الحكومة فماذا كان جواب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة؟ كان الاستخدام الاستبدادي القمعي للسلطة, وكان تفاقم التوتر بين المتظاهرين والسلطة ومع ذلك حافز المتظاهرون على أسلوبهم السلمي والديمقراطي الهادئ في التظاهر. كتب الأخ فخري كريم في مقاله المنشور هذا اليوم (24/3/2011) عن موقف الحكومة من المظاهرات ما يلي: "فبعد مواجهة الحكومة للمتظاهرين، بالهراوات وخراطيم المياه والرصاص الحي ، وملاحقة رجال امن مخابرات العهد الديمقراطي الجديد لهم واعتقال الصحفيين والمتظاهرين المسالمين وتعذيبهم بنفس أساليب وأدوات البعث، في بغداد وسائر المحافظات لا لمعاداتهم للنظام، وإنما لمجرد مطالبتهم بإحقاق العدل، وتصويب الاعوجاج في العملية السياسية وإصلاحها لتتجذر وترتقي وتدوم، لم تعد لآمال المتظاهرين من مرتجى، بعد انجلاء الموقف  بالمراهنة على اصطفاف النواب الكرام إلى جانبهم لإنصافهم وانتزاع حقوقهم من الحكومة، لان هؤلاء النواب دون رغبة منهم وخارج إرادتهم لا يملكون مثل هذا الحق بعد أن تنازلوا عنها لقادة كتلهم وزعمائهم، وجردوا منها ،عند  قبول ضمهم إلى قوائم الانتخابات." ومما يزيد في الطين بلة ما ورد في المقال ذاته حين تخلى رئيس مجلس النواب عن مسؤوليات المجلس للحكومة, إذ كتب الأستاذ فخري كريم ما يلي: " وقد أجهز رئيس البرلمان على ما تبقى من وهم لدى البعض، حين صرح بيقين: إن ٦٪ فقط من مطالب المتظاهرين تتعلق بالبرلمان و٩٤٪ الأخرى هي في عهدة الحكومة ورعايتها.! فالتعويل على البرلمان بوضعه الحالي والى حين تصفية المحاصصة الطائفية،... باطل.!  والباطل لا يعيش إلا على الباطل."

23/3/2011 كاظم حبيب




  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة