جذور الاستبداد الشرقي والكفاح من أجل الحرية والانعتاق ... صباح كنجي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

إلى صديقي

الشاعر والروائي.. الثائر صبري هاشم

كنت ترفع راية في قمة جبل نائية ذات يوم..

هاهي الرايات تحتشدُ في ميادين التحرير..


لا يخفى على المتابع لطبيعة الأنظمة الشرقية، بشتى تصنيفاتها وتسمياتها، من ملكيات وإمارات متخلفة وجمهوريات "شعبية" "اشتراكية" "علمانية" عروبية وحدوية تصنف وتوصف بالتقدمية زوراً وبهتاناً، أنها، بالرغم من الاختلافات الطفيفة في تسمياتها الرسمية، تتقارب مجتمعة في المضمون والمحتوى والجوهر.

يمكننا إدراجها جميعاً ،دون تردد أو استثناء، في خانة الاستبداد والتفرد والتسلط والنزوع لدكتاتورية الحاكم المطلق، بالرغم من وجود برلمانات صورية ومجالس شعبية مزورة، وغيرها من المؤسسات الشكلية الملحقة بدوائر القمع المنفلتة، التي تتفنن في أداء أدوارها بحكم ما تمتلكه من خبرات ومؤهلات ودعم مادي بات معروفاً للقاصي والداني في عالم اليوم المتشابك والمتقارب، إلى حدٍ أنها، أي الأنظمة الاستبدادية الشرقية، باتت معلماً من معالم العولمة التي تقدم تناقضاتها في أروقة الانترنيت والصحافة والفضائيات بلا خجل أو تردد.

كأنها تمارسُ حقاً من حقوقها الدستورية وفقاً للقوانين التي تبيح وتشرعن القمع وتجمل صورة العنف وممارساته الدموية، بحجة الحفاظ على الأمن والاستقرار، أو سلامة الوطن من كيد الأعداء المنتسبين للطابور الخامس تارة، أو الدفاع عن الحقوق القومية المهددة من شتى الاتجاهات المعادية التي تتربص بمستقبله وتستهدف ماضيه وتاريخه تارة ثانية..

الاسوء والأقبح في هذا الإدعاء، الحفاظ على الدين و"القيم الإسلامية" المهددة، وربط مهمة الدفاع عن الدين ومقوماته وأسسه بممارسة العنف ونشر الإرهاب للقضاء على مَنْ يُمكن تصنيفهم بالكفار من غير المؤمنين واقتلاعهم من أماكنهم وقراهم ومدنهم ودولهم، كما حدث وما زال يحدثُ الآن في العراق بحجة التصدي للمحتلين وأعوانهم، باسم المقاومة التي تستمد شرفها من قتل الأبرياء وترويع الناس بشتى صنوفهم واتجاهاتهم الاجتماعية والفكرية والدينية...

إن جذور الاستبداد والاضطهاد في المجتمعات، أية مجتمعات بما فيها الشرقية تتشابه في الجوهر، لكنها تختلف في الزمان ومدى تأثيرها اللاحق، أي أنها تختلف في زمن ومدة المرحلة التي مُورسَ فيها القمع والاستبداد من حيث تواصل الفترة الزمنية لمديات وحقب متعاقبة وطويلة، وباتت في الشرق ذات طبيعة تاريخية مزمنة، كأنها توَرّثُ من جينات مخفية لها القدرة على ديمومة وسَلسَلة القمع والاستبداد، عبرَ قنوات تواصل وتتواصل في إنتاج الطاقة المطلوبة لتغذية بطاريات هذه المورثات الدموية وإعادة شحنها من جديد، في كل مرحلة كي تواصل أداءها بفعالية..

وهذا ما دفع ويدفعُ الحاكم والمحكوم، بمن فيهم المعارضون، لمعايشة الاستبداد والتطبع مع افرازاته ونتائجه من خلال إنتاج وخلق المزيد من المبررات الفكرية التي تتواطىء مع حالة القمع،عبر حلقات ومفاصل، تبدأ بالميثولوجيا وأساطيرها، تفرد للدين دوراً ومساحة، وتنتهي بالفكر الفلسفي المعاصر والثقافة والأدب والتاريخ، لتصبح جزءاً مكوناً من بنية المجتمع، تتغلغل في ثنايا العائلة والقبيلة والعشيرة ومؤسسة الدولة ومكونات المجتمع المدني والأحزاب والمدارس التربوية والمعاهد والجامعات التعليمية، لتشكل حالة ردع تمنع وتصد أية محاولة للخلاص والانعتاق من دائرة الاستبداد، وتعيق وتجهض خطوات التقدم، المعتمدة على الحلقات الفكرية التي تستند لصراع الطبقات، لأنها لا ترتقي إلى مستوى تشابك وتعقد الحالة المزمنة التي نحن بصدد معالجتها، بحكم تطورها وتخطيها مفهوم صراع الطبقات ودخولها إلى مرحلة اعقد وحالة اشمل في المرحلة الراهنة، الذي بات يشمل ويخفي في طياته مكونات ومفاهيم تتجاوز دائرة الصراعات الطبقية وتصنيفاتها، بعد أن أضافت إليها ما يمكن إضافته لتوسيع دائرة الاضطهاد والقمع التقليدية إلى سياقات أوسع تمتد لتشمل اضطهاد واعتقال الدولة والوطن والدين ...

إلى حد بتنا نشهدُ أشكالاً هلامية لتشوهات اجتماعية تتعدى حدود الفقر والحرمان والجوع والفساد السائد في المجتمع تطلق أنيناً مدوياً في حالة تتوازي في الأسى مع معاناة الدولة المتهرئة والعاجزة.. الدولة المُحجمة والمعتقلة.. الدولة الضعيفة والمتهالكة.. الدولة الراخية والمفككة.. الدولة المنقادة والمقيدة لنزوات أبناء الحاكم ورغبات زوجاته.. وفي حالات أخرى إلى ألعوبة بيد أحزاب تتحكم بالدولة وتضطهدها كما يتحكم الطفل باللعبة يقلبها كما يشاء ويرغب.. دولة أصبحت جزء من ممتلكات الحاكم، مع الأوطان يجري توريثها للأبناء كثروة عائلية مع وراثة المال المنهوب والحزب الحاكم والسلطة ورأس المال وتقاليد القبيلة وشعائر الدين وسطوة الأسطورة وتعاليم الإله..

لهذا بات وأصبح موضوع الحرية والانعتاق والتحرر والتقدم- في هذا العصر-متشابكاً ومعقداً لا يقبل التجزئة.. يتعدى حدود الصراعات الطبقية التقليدية... فهو من جهة مرتبط بتحرر البلدان والأوطان والدولة في سياق عمل جبار يتجاوز حدود الطبقة وايديوجيتها، مهما بلغت أهميتها، في سياق عملية تقدم اجتماعي تكفل انتزاع السلطة لتحرير الدولة والمجتمع، كضرورة لا بد منها في خطوة أولى تنحو باتجاه مقدمة عصر حر جديد، يؤمن بأن الحرية متكاملة ومترابطة لا يمكن تجزئتها وتقسيطها، بعد أن أصبحت حرية الوطن مكملة لحرية الفرد، وحرية الفرد في الخلاص والانعتاق لا تقتصر عند حدود مفاهيم الاستغلال الطبقية لتشمل حرية الخيار والخلاص من استغلال الدين ونعرة الطائفة وبقية التصنيفات الإثنية والانتماءات القبلية التي لا تقل خطورة وبشاعة في هذا العصر عن الاستغلال الطبقي، لا بل تفوقه في التأثير والإعاقة من الانطلاق والتمتع بانجازات ومعطيات العصر الجديد، الذي يتطلب أول ما يتطلب الإنسان الحر..

إن العلاقة بين الإنسان والحرية تتجسد في إدراك.. إن قيمة الإنسان في حريته من حيث هي إدراك للضرورة من جهة، وقيمة الحرية في حفظها لجوهر الحياة الإنسانية للبشر، وفق متطلبات العصر المتنامية، التي لا تنتج وتعمق مفاهيم الحرية وتوسعها في هذا العصر فقط ..

بل تنتج الإنسان الحر والمزيد من الحرية في كل لحظة تمر..

هذا ما لا يفهمه المستبدون وهم يواجهون موجات الغضب الجماهيرية التي تدعو للتغيير.. وهذا ما لم يدركه دعاة الإيديولوجية والمتزمتون المتكلسون ممن مازالوا يعتقدون بإمكانية خلق التغيير وتحقيق الثورة الاجتماعية عبر ممرات ودهاليز العمل السري والأحزاب الهرمية التي لا تنتج إلا المزيد من الوهم.. وإن كان وهماً ثورياً...

أن العالم كما كان بحاجة إلى نظرية.. لا تفسره، وإنما لنظرية.. لتغيرهُ..

ليس بحاجة إلى يوتوبيات، بل إلى عمل وجهد يدفع بالتغيير إلى منعطفات جديدة عبر تعميق الانجازات وخلق البديل الأفضل من خلال ما تفرزه ساحات التحرير من سلطة جماهيرية جبارة أنتجت شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية الشعبية المباشرة ينبغي عدم الإفراط بها ورعايتها وتطويرها..

هذه هي مهمة كل من يدرك قيمة وجوهر الحرية بشكلها ومحتواها الجديد ويسعى للانعتاق من كافة أشكال الاستغلال.. التي لا يمكن انجازها إلا من خلال الإنسان الحر..

الحرية و جيل الأحرار المنتفض في ساحات التحرير وحده من يصنع تاريخاً جديداً ينبئ ويكفل مستقبلاً خال من الاضطهاد والاستبداد والقمع..

المجد لكل من يخطو خطوة في فضاء الحرية.. والنصر بات ليس حلماً نتمناه بل واقعاً وحقيقة نعيشهُا في كل لحظة مع اشراقة كل يوم.. في هذا العصر الجديد..


صباح كنجي

منتصف آذار2011

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة