جوهر نامق سالم, الإنسان الغائب الحاضر في وعي وأفئدة الشعب الكردي ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


بكيت صديقاً حميماً, أخاً كريماً, إنساناً رائعاً, مثقفاً كبيراً, ورجلاً شهماً ومناضلاً شجاعاً وشخصاً نظيف اليد والضمير, ناقداً جريئاً وموضوعياً وهادفاً لا يعرف في الحق لومة لائم. فقدت صديقاً ورفيق درب نضال طويل, فَقَدتْ عائلته وشعبه ومحبيه وفَقدتُ معهم جوهر نامق سالم, السياسي الكردستاني والعراقي الأمين لشعبه وأمته الكردية ولكردستان والعراق في آن.

مات في وقت بدا وكأنه يتمتع بصحة ممتازة وحيوية فائقة, وقامة فارعة, وقدرة فائقة على القراءة والكتابة والتحليل والنشر والمساهمة في بناء الحياة الجديدة في إقليم كردستان. التقيت به في شهر كانون الثاني من هذا العام 2011 وتحدثنا في السياسة والاقتصاد والثقافة واتجاهات تطور الأحداث في إقليم كردستان العراق والعراق, وكان مليئا بالثقة بقدرة الإنسان والشعب على تجاوز الصعوبات والمخاطر, رغم المصاعب والعثرات والمشكلات الراهنة. لقد كان يخطط لمشاريع كتابية جريئة حول الوضع في كردستان واتجاهات تطور الأحداث والموقف منها.

تحدثت معه وهو طريح الفراش في مستشفى في ستوكهولم وكان مليء الثقة بخروجه القريب من المستشفى رغم الضعف الشديد الذي بدا في صوته ورغم الكيلوغرامات الكثيرة التي فقدها, ورجاني عدم السفر لزيارته إلا بعد خروجه من المستشفى, ولكن الحزن والألم والخسارة الفادحة هي التي تركها خلفه لعائلته والأصدقاء ورفاقه القدامى والجدد في النضال من أجل مستقبل أفضل لكردستان والعراق. لقد انتصر المرض العضال على المناضل من أجل الحياة والمحب لها.

عرفته حين كان طالباً في قسم التعاونيات الزراعية في الجامعة المستنصرية حين كنت أدرس فيها. كان ذلك في الأعوام 1969-1972, كان شاباً مليئاً بالحيوية والنشاط وعضواً قيادياً في اتحاد طلبة كردستان وشبيبة الحزب الديمقراطي الكردستاني وعضواً في الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ثم التقيت به في مرحلة النضال الأنصاري حيث كان أحد مؤسسي القيادة المؤقتة بعد إعادة ترتيب الحزب وقوات الپيشمرگة والعودة للنضال المسلح ضد الدكتاتورية الفاشية في العراق, وكان جوهر مناضلاً بارزاً في قوات الپيشمرگة الشجاعة.

ثم التقيت به من جديد في العام 2002 حين حضوري للمؤتمر العلمي الأول لعمليات ومجازر الأنفال حيث احتل في حينها مركز عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني وسكرتير المكتب السياسي إلى حين تركه الموقع قبل عدة سنوات. كما كان أول رئيس للبرلمان الكردستاني الذي تشكل في العام 1992.

تعززت علاقتي به بعد هذا التاريخ وكنت ألتقي به في كل سفرة أقوم بها إلى إقليم كردستان العراق أو نلتقي أحياناً في السويد حين يكون في زيارة لها أو حين أشارك في مؤتمر ما.

احتفلنا عائلياً في عيد نوروز في العام 2010 عند سفح جبل سفين وعلى مقربة من مصيف صلاح الدين وشاركنا الشعب الكردي أفراحه وتمتعنا برحلة رائعة, ولم يدر في خلدنا إن هذا العيد هو آخر احتفال له بأعياد نوروز الرائع, لقد فقدناه وإلى البد في ليلة 21/22 آذار من عام 2011 ولكن ستبقى صورته وأفعاله الطيبة وكتاباته وعلاقاته شاخصة في ذاكرة الشعب الكردي ومحبيه ورفاق دربه وأصدقائه.

کان الرجل الشجاع مهموماٌ للمشکلات التی تعانی منها البلاد وإقليم كردستان وكان يرى احتمال وقوع

أحداث كبيرة ما لم يعمد مسؤولو الإقليم إلى إعادة النظر بما يجري في الإقليم أو على صعيد العراق. لقد كان يتوقع الأحداث الأخيرة وكان يتمنى أن تجد لها الحلول المناسبة قبل تفاقمها والتي يمكن أن يستفيد منها الأعداء وتكون خسارة كبيرة لكل الأمة الكردية.

إن كتاباته الأخيرة باللغة الكردية حول القضايا الحساسة, سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية وعامة, والمراسلات الكثيفة المتبادلة في ما بيننا, والتي أحتفظ بها في أرشيفي الخاص, تؤكد قدرته العالية على التحليل المادي واستخدامه المنهج العلمي في التحليل وإخلاصه الرفيع لشعبه الكردي وأمته الكردية وكردستان وثقته العميقة بتحقيق النصر وأن بدا بعيد المدى, وكان حريصاً على تعزيز العلاقة النضالية مع بقية مكونات الشعب العراقي من عرب وتركمان وكلدان وآشوريين من أجل بناء عراق مدني وديمقراطي حديث ومن أجل بناء إقليم كردستاني يصبح النموذج المدني والديمقراطي لبقية أقاليم كردستان وشعوبها الكردية. لقد أصبح معارضاً موضوعياً ومن مواقع الحرص على إقليم كردستان العراق والتجربة الجديدة الفتية وعلى مصالح الشعب الكردي والحزب الذي كان فيه عقوداً عديدة وناضل في صفوفه وتحمل الكثير من المشاق على هذا الطريق.

لقد فقد الشعب الكردي وكردستان مناضلاً بارزاً وشخصية سياسية واجتماعية فذة يمتلك خبرة عالية في النضال ويعتز بعلاقته الحميمة بفئات المجتمع ودفاعه عن مصالحها اليومية ورفضه لكل السلبيات التي يعاني منها شعب كردستان العراق. إنها خسارة كبيرة.

لقد فقدت عائلته وأسرته الكبيرة أباً محباً وحنوناً وزوجاً فاضلاً وشخصية قيادية فذة.

لقد فقدت صديقاً ودوداً وإنساناً يُعتمد إلى صداقته ومشورته في الملمات ويمتلك قيماً ومعايير رفيعة وحضارية في التعامل اليومي.

أقدم أحر التعازي القلبية الحارة لكل الشعب الكردي ولعائلة ورفاق وأصدقاء الفقيد الغالي ولكل من أحس بخسارة فقدانه, وللفقيد العزيز الذكر الطيب دوماً.

23/3/2011 كاظم حبيب

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة