نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟ كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

- الحلقة الرابعة -

من كان على خطأ هل الحكومة ورئيسها أم الشعب؟

"ويل لعالِم لا ينفتح على غيره,

وويل لجاهِل منغلق على نفسه."

حكمة مندائية

قبل أن أنهي الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة حلقات المقال الموسوم "نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي ؟", سأجيب عن هذا السؤال : "من كان وما يزال على خطأ, هل الحكومة ورئيسها أم الشعب؟" في هذه الحلقة (الرابعة).

خلال الأسابيع القليلة المنصرمة برزت على سطح الأحداث حقيقتان:

الحقيقة الأولى: برهنت الحياة على إن رئيس الوزراء المالكي كان على خطأ كبير حين شكك بنوايا الشعب السلمية والديمقراطية وحين وجه للمتظاهرين التهم البائسة والمثيرة للشفقة على قناعاته وقناعات من أقنعه بما تحدث به قبل المظاهرة الموعودة. ففي الوقت الذي تبين له بعد مظاهرات الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011 إن المتظاهرين لم يكونوا من البعثيين ولا من أتباع القاعدة ولا من المندسين, وإنهم مسالمون لا يطالبون بأكثر من تحقيق ما ينبغي لأية حكومة تحترم نفسها وتوفي بالقسم الذي أدته في الحفاظ على مصالح الشعب واحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان والدستور العراقي, كان عليه أن يكف عن ملاحقة المظاهرات التالية بجواسيسه وأجهزة قمعه. ولكنه لم يفعل!

الحقيقة الثانية: لقد برهن الشعب العراقي عموماً وكافة المتظاهرين على وجه الخصوص ومن جديد على تمسكهم بالطابع السلمي والديمقراطي لحركتهم من أجل تغيير الأوضاع الفاسدة القائمة في العراق, وأنهم مصممون على مواصلة النضال من أجل تحقيق ما يستوجب تحقيقه من أجل توفير نوعية جديدة لحياتهم اليومية بدلاً من الأوضاع المزرية الراهنة, وأن على الحكومة أن تغير نفسها, إذ لا يمكن استبدال الشعب العراقي بشعب آخر يستجيب لإرادة الحاكم بأمره نوري المالكي.

وعلى أساس ذلك نسجل من جديد ما يلي:

إن رئيس الوزراء لم يتعلم من هاتين الحقيقتين الناصعتين بحيث يدفع الناس إلى تأييده والكف عن التظاهر. فقد واصلت أجهزة الأمن ملاحقة المشاركين في التظاهرات وتعذيبهم وإلحاق الأذى بهم, رغم التزامه أمام مجلس النواب بغير ذلك. إن المتظاهرين ومنذ جمعة الغضب قد عبروا عن جملة مطالب في مقدمتها الموقف الجائر من الحريات العامة والسعي لمصادرتها واستخدام بشع لأساليب التعذيب النفسي والجسدي في المعتقلات والسجون العراقية, والذي يلتقي بالضبط مع أساليب أجهزة القمع الصدامية, ولكنه يتنافى مع الدستور العراقي وحقوق الإنسان, ثم ممارسة الاغتصاب واستخدام الأجهزة الكهربائية في المواقع الحساسة من جسم الإنسان أو استخدام القوازيق, سواء أكانت سجوناً أكان ذلك في المعتقلات وأثناء التحقيق أم في السجون العلنية أو المعتقلات السرية التي يعرف بها رئيس الوزراء وأتباعه والتي أكتشف احدها قبل فترة وجيزة, وكذلك التخلص من قاعدة المحاصصة الطائفية واعتماد مبدأ المواطنة المتساوية والخلاص من الفساد المالي والإداري والعودة إلى تأمين أرزاق الناس الفقراء وحقهم في الحصة التموينية والبطالة التي يعانون منها, ومشكلة الكهرباء والماء ومشكلة السكن والغلاء.

ربما سيسألني السيد محمد ضياء عيسى العقابي: كيف عرفت باستخدام أجهزة الأمن العراقية أساليب التعذيب النفسي والجسدي, تلك الأجهزة التي يترأسها القائد العام للقوات المسلحة؟ والإجابة عن هذا السؤال تبرز في سؤال آخر كيف كنا نتعرف على أساليب التعذيب التي كان يمارسها صدام حسين في دوائر الأمن وسراديبها ومعتقلاتها الكثيرة حين كنا في صفوف المعارضة؟ هل كانت لدينا معلومات أم كنا نمارس الكذب؟ الكثير من الكتاب والصحفيين والناس السياسيين كانوا في معتقلات وسجون صدام سين, ولكن آخرين لم يكونوا فيها, ولكنهم كتبوا عنها, فكيف تسنى لهم ذلك؟ لقد كنا والكثير من الكتابة والصحفيين يكتبون وينشرون عما كان يجري في فترة الشمولية الصدامية لأنهم كانوا يعتمدون على ثلاثة مصادر:

1. المعتقلون الذين كانوا يتعرضون إلى مثل تلك الأساليب البربرية ويتحدثوا بها بعد أن يطلق سراحهم ويكونوا في مأمن من أجهزة النظام؛

2. من كان قد تعرض من الكتاب والصحفيين والسياسيين إلى الاعتقال والتعذيب مباشرة في تلك الفترة وكتب عنها أو تحدث بها؛

3. من خلال تقارير منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان الإقليمية والدولية التي كانت تصلها تقارير من الضحايا أو حتى من بعض شخصيات وقوى النظام التي كانت ضد النظام.

واليوم أخي الفاضل يجري الأمر بذات الكيفية. المتظاهرون والصحفيون والإعلاميون الذين اعتقلوا من قبل أجهزة القمع الحكومية, تحدثوا في مؤتمر صحفي عما جرى لهم في المعتقل وليت السيد العقابي يقرأ تلك التقارير ويمنح المتحدثين بعض ثقته بما يجري في العراق وفي معتقلات وسجون العراق. التقارير التي تصلني من منظمة العفو الدولية, وأنا عضو فيها منذ أكثر من ثلاثين عامأ, تؤكد صحة ما أشير إليه, وهي تقارير تمتلك المصداقية الكبيرة لأن المنظمة لا تنشر كل تقرير يصلها قبل التيقن الفعلي منها.


لقد ورد في تقرير وصلني عبر الإنترنيت, ضمن عدد آخر من التقارير, يشير فيه صاحب التقرير إلى ما مارسته قوات الشرطة والأمن مع الراغبين في المشاركة بالمظاهرة الأخيرة التي تمت في الثامن عشر من شهر آذار 2011 في محاولة لإفشالها, دعْ عنك ما جرى جمعة الغضب وما تلاها في محاولة لإفشال المظاهرات. وإليكم ما ورد في أخر تقرير كتب عن مظاهرة 18/3/2011 بهذا الصدد (نص مقتطف):

" في تمام الساعة العاشرة صباحا كانت ساحة التحرير تحتضن عدة مئات من المتظاهرين ترفع صورا للمعتقلين وشعارات تطالب بإطلاق سراحهم و تواجدت في الساحة عدد كبير من النساء يحملن صور أبنائهن أو أزواجهن  وأخوتهن المعتقلين لدى سجون الحكومة السرية منها والعلنية بينما اصطفت طوابير من قوات مكافحة الشغب على الجسر الجمهوري والذي منع  المرور عبره نهائيا وعلى طول شارع الجمهورية الذي يربط  ساحة التحرير بساحة ألسنك وقوات أمنية كبيرة من الشرطة و الجيش في شارع السعدون بالمنطقة الممتدة من ساحة التحرير حتى ساحة النصر وكانت جميع مداخل الأزقة مقطوعة وبالعجلات والأسلاك الشائكة .. وفي ساحة الطيران كانت الإجراءات الأمنية شديدة و تكدس إعداد كبيرة من قوات الأمن وتواجد أعداد من سيارات الإطفاء لغرض استخدامها لتفريق المتظاهرين." (راجع: موقع تجمع 20 شباط, جمعة المعتقل العراقي, احمد الدليمي). وهناك الكثير من التقارير الأخرى التي تؤكد هذا الاتجاه في التعامل الحكومي والأمني في العراق.

نقل تلفزيون العراقية الملتزم بخط نوري المالكي وبالنهج الطائفي السياسي إدعاء رئيس الوزراء بأن العراق هو البلد الأكثر استقراراً في المنطقة, في حين إن ما جرى في المظاهرات المنصرمة تؤكد خلاف ذلك بسب حملة الاعتقالات والتعذيب التي مارستها قوى الأمن ضد المتظاهرين والمعتقلين منهم, والتي إن تواصلت ستقود إلى تزايد المد الجماهيري المناهض للواقع القائم. هل يمكن ان يتمع البلد بالاستقرار ورئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة يأمر قواته العسكرية كلها بالتصدي للمتظاهرين وممارسة الضرب وخراطيم المياه والرصاص الحي والاعتقال والتعذيب وإغراق بغداد وغيرها بأجهزة الأمن والشرطة وغيرها؟ يقول المثل العربي: "صدق العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له !".

إن معالجات رئيس الحكومة العراقية التي طرحها في مجلس الوزراء لا تستجيب لطموحات الناس وليست جدية ولا تطرح ثلاث مسائل جوهرية:

  1. ما هي الخطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي تسجل كل المشاريع التي يفترض إنجازها أو البدء بها في فترة الأعوام المتبقية من الدورة الحكومية والنيابية الجارية, خاصة مع غياب إستراتيجية التنمية الوطنية, الاقتصادية منها والبشرية أو الاجتماعية.

  2. وما هو الموقف الفعلي من المشكلات الكبيرة التي طرحتها قوى الشعب المتظاهرة, وأعني بها المحاصصة الطائفية والفساد ومحاكمة المفسدين

  3. ما هي الآليات والأدوات التي يفترض استخدامها لتحقيق تلك الأهداف.

(قارن في هذا الصدد افتتاحية طريق الشعب تحت عنوان ليتواصل السعي إلى إصلاح شامل بتاريخ 22/3/2011).


إن الطريقة التي يعالج بها نوري المالكي مشكلات المجتمع العراقي بعيدة كل البعد عن الواقعية السياسية وعن التحول صوب الديمقراطية وإرساء أسس المجتمع المدني, إذ هو ما يزال يتخندق بالعشائرية التي يفترض أن تنتهي تقاليدها وإرثها البالي في العراق لا من خلال إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة ومن أسوأ السلع في الغالب الأعم المنتجة في كل من تركيا وإيران, بل من خلال البدء بتصنيع البلاد وتشغيل المشاريع الحكومية القائمة والمعروضة للبيع دون وجود من يقتنيها, وتنشيط الإنتاج الزراعي وتقديم الخدمات الضرورية من خلال تشغيل محطات المكائن والمعدات الزراعية أو توفير المكائن والمعدات الضرورية للقطاع الخاص, إضافة إلى معالجة مشكلات المياه وسبل استخدامها العقلاني ومشكلات البزل...الخ. إن التصنيع وتحديث الزراعة هما الطريق لبناء المجتمع المدني, وهما الطريق لمكافحة البطالة وتطوير الاستثمار العقلاني للنفط الخام محلياً وتحقيق التراكم الرأسمالي الضروري لتنمية الثروة الوطنية من خلال موارد النفط المالية, وهما الطريق لتغيير بنية ووعي المجتمع.

إن المشكلة الأساسية في طريقة تفكير وعمل وفعل نوري المالكي تكمن في الذهنية التي يحملها والتي تهيمن على كامل تصرفاته السياسية في الحكم, فهو يملك ذهنية دينية منغلقة وهو منغلق على غيره ومن هم حوله لا يختلفون عنه, وبالتالي لا يملك رؤية واضحة لمجتمع مدني وديمقراطي, مجتمع صناعي حديث وزراعي متقدم, بل يملك رؤية حزبية ضيقة لبناء دولة إسلامية تخالف اتجاهات تطور العصر والحضارة الحديثة, وهو الذي يتحكم بمسيرته الراهنة, مسيرة حزب الدعوة الإسلامية, وقد ألبس هذا الحزب رداء دولة القانون وكان فضفاضاً لا يلائمه, وهو بالتالي ليس بدولة قانون. وما يؤكد هذا الاستنتاج تلك الإجراءات التعسفية التي اتخذها ومارسها خلال الأسابيع الأربعة المنصرمة والتي سوف تلاحقه باعتباره قد تجاوز مع أجهزته على حقوق الفرد والجماعة المنصوص عليها في الدستور العراقي وفي لائحة حقوق الإنسان الدولية.

إن مشكلة المالكي لا تكمن في كونه من أتباع المذهب الشيعي, إذ له الحق الكامل كإنسان, أن يختار أي دين أو مذهب أو فكر, فهذا أمر مشاع ويحميه الدستور العراقي وشرعة حقوق الإنسان. ولكن المرفوض قطعاً هو أن يمارس صاحب هذا الدين أو المذهب سياسات التمييز إزاء الأديان والمذاهب الأخرى, هو أن يمارس أحد هذه الأديان أو المذاهب من خلال السلطة وفي بلد متعدد الأديان والمذاهب. إن المرفوض هو الطائفية السياسية وليس الإيمان الفردي بهذا الدين أو المذهب. والإنسان العاقل لا يتحدث بالدين أو المذهب بل بكونه إنسان, غذ إن الدين أو المذهب هي من الشؤون الخاصة بالفرد وليس للجماعة أو الدولة شأن بذلك. من هنا نشأ القول الصائب "الدين لله والوطن للجميع ", ومن هنا نشأت القاعدة العالمية المتحضرة التي تقول بـ "الفصل بين الدين والدولة ".

انتهت الحلقة الرابعة وستليها الحلقة الخامسة والأخيرة.

22/3/2011 كاظم حبيب





  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة