آذار ونوروز في تأريخ وذاكرة الشعب الكوردي ... محمد شمس الدين بريفكاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ربما لا يعلم الكثيرون أو لم ينتبهوا إلى حقيقة أعتبرها غريبة نوعا ما، رافقت هذه الحقيقة مسيرة شعبنا الكوردي النضالية والتحررية، من خلال تأريخه القديم والمعاصر. وهي كون الكثير من الأحداث المهمة، من ثورات ومآسي وإنتصارات، صادف وقوعها في شهر آذار. فأصبح لهذا الشهر وقعا خاصا على مسامعنا، وإرتباطا وثيقا بحياتنا، ومكانة متميزة من بين جميع أشهر السنة الأخرى.

فبالإضافة إلى عيد نوروز الذي حدث في شهر آذار قبل أكثر من الفين وخمسمائة سنة، هناك أحداث أخرى تقف من الأهمية بمكان في تأريخنا الكوردي، حدثت كلها في شهر آذار، أذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر.

ففي اليوم الرابع عشر من آذار سنة 1903 ولد وأبصر النور، قائد ثورتنا الكوردية ومسيرتنا النضالية التحررية، الأب الخالد مصطفى بارزاني، وإنتقل إلى رحمة الله في اليوم الأول أيضا من شهر آذار سنة 1979بعد نضال طويل، وتسخير كامل لحياته من أجل شعبه ووطنه وقضيته.

في الحادي عشر من آذار سنة 1970 إضطر النظام البعثي إلى إبرام إتفاقية مع قيادة الثورة الكوردية، حيث وقع عليها صدام حسين شخصيا، بعد تنامي قوة وإتساع الثورة الكوردية المسلحة، وكانت إعترافا رسميا بالحقوق القومية للشعب الكوردي، الذي حصل بموجب تلك الإتفاقية على الحكم الذاتي لكوردستان.

في اليوم السادس من آذار سنة 1975 تم في الجزائر إبرام إتفاقية مشؤومة بين صدام حسين وشاه إيران، بوساطة من الرئيس الجزائري هواري بومدين، عرفت بإتفاقية الجزائر، تنازل فيها العراق البعثي عن الكثير من مياهه وأراضيه بعد أن خسر الكثير من كرامته وسمعته ومكانته، كانت تلك الإتفاقية سببا في إلحاق أذى كبير بحركتنا الكوردية وإصابتها بالشلل لفترة قصيرة.

في الثالث من آذار سنة 1988 إرتكب النظام البعثي المجرم، أقذر وأبشع جريمة قتل جماعية جينوسايد بحق أبناء شعبنا الكوردي، عندما قصفت غربانه الطائرة مدينة حلبجة بالغازات الكيمياوية السامة، مما أدى إلى قتل أكثر من خمسة آلاف إنسان، من المواطنين الأبرياء جلهم من الشيوخ والنساء والأطفال.

في 29 آذار سنة 1987 وبموجب القرار رقم 160 إستلم علي حسن الغير مجيد { كيمياوي} مسؤولية امين سر مكتب تنظيم الشمال لحزب البعث، و منح بموجبه صلاحيات مطلقة في كوردستان، وبدأ التخطيط لعمليات الأنفال السيئة الصيت، التي إبتدأت في نهاية شهر شباط وإمتدت إلى شهر أيلول، وحدث جزء كبير منها في الفترة من 22 إلى 31 آذار 1988.

في الخامس من آذار سنة 1991 إبتدأت من رانية شرارة الإنتفاضة الكوردية المجيدة، ومنها إمتدت إلى باقي مدن وقرى كوردستان، لتنهي وإلى الأبد فترة التسلط البعثي الغاشم على مصير ومقدرات الشعب الكوردي.

بالتأكيد يحفل تأريخنا بالمئات من الثورات والإنتفاضات والأحداث المهمة الأخرى، التي وقعت في فترات زمنية مختلفة، خاصة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإلى العقد الأخير من القرن العشرين.

لكن ومع ذلك فلسنا نحن الكورد الوحيدون من بين شعوب العالم، الذين لنا مثل هذا التأريخ الحافل بالأحداث المفرحة والمؤلمة، فكل شعب يحتفظ في ذاكرته بالكثير من الأحداث التأريخية المهمة، التي لعبت دورا كبيرا في مسيرة ذلك الشعب الإيمانية والتحررية. لكن هناك دائما حدث واحد يفوق كل تلك الأحداث أهمية ويكبرها مكانة، بحيث تبنى عليه جميع الأحداث اللاحقة وتستند إليه. لأنه يعتبر الحدث الرئيس والمؤسس لتأريخ ذلك الشعب. فنرى مثلا بأن الفصح {الخروج} يعتبر بالنسبة للشعب اليهودي هو الحدث المؤسس لكيانهم القومي، التحرري والإيماني معا، لأن الله تفقدهم وأخرجهم من الذل والعبودية في مصر بقيادة القائد والنبي موسى، إلى نور الحرية والخلاص في سيناء، ومنها إلى فلسطين حيث أقاموا مملكتهم قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ولا زال الشعب اليهودي إلى يومنا هذا يحتفل كل عام بهذا العيد، ويضعه في مقدمة الأعياد القومية والدينية لديه.

أما بالنسة للشعوب المسيحية، فقيامة المسيح من بين الأموات، وصعوده إلى السماء، هو الحدث الأكبر والأهم في مسيرتهم التأريخية والإيمانية، والعقيدة الأساسية التي بنيت عليها المسيحية إيمانيا وتأريخيا، فلولا القيامة وإيمان المسيحيين الأولين بها، لكانت المسيحية قد إنتهت ودفنت مع المسيح، كما يقول القديس بولس { لولا القيامة لكان إيمانكم باطلا، وكل الذين رقدوا في المسيح قد هلكوا } وأيضا لازالت الشعوب المسيحية في كل مكان، وستبقى إلى الأبد تحتفل بهذا العيد الخلاصي، وتعتبره من أهم وأكبر الأعياد الدينية المقدسة في تأريخهم وحياتهم.

لنا الآن أن نتسائل ماذا عنا نحن الكورد؟ وما هو الحدث الأهم في تأريخنا وحركاتنا التحررية منذ القدم؟

نعلم جميعا بأن شعبنا الكوردي ومنذ آلاف السنين، كان ولا يزال يسكن هذ الأرض التي يعيش عليها الآن، والتي لم تكن مجزأة إلى أربعة أوصال كما حدث لها بعد الحرب العالمية الأولى.

ونعلم أيضا بأن هذا الشعب الأبي، كان دائما تواقا إلى الحرية والإنعتاق، رافضا ومقاوما للظلم والعبودية، مستبسلا في مقاتلة الطغاة والغزاة. تمكن في كل مراحله التأريخية، من تأسيس ممالك ودويلات وإمارت كثيرة، لكنها كانت مهددة دائما ومعرضة للغزو الخارجي، من قبل الممالك والإمبراطوريات الكبيرة والقوية التي كانت تجاورها، والتي كانت غالبا ما تقضي على تلك الإمارات، بسهولة أحيانا، أوبصعوبة بالغة وبعد معارك وحروب دامية طويلة أحيانا أخرى. ونتيجة لتلك العوامل والأسباب الخارجية، بالإضافة إلى عوامل أخرى داخلية، لم يتمكن الشعب الكوردي إلى يومنا هذا من الإحتفاظ بكيان مستقل له، كمملكة أو دولة.

لكن، وأيضا كنتيجة لتلك الإنتصارات، والإحباطات والكوارث التي لحقت بالشعب الكوردي، تولدت لديه ثقافة وطنية ووجدانية خاصة ومتميزة، أستطيع أن أسميها بثقافة التحرر، إقترنت بتراث وفلكلور زاخر وغني، بل مصاب بالتخمة كما قال أحد المستشرقين المهتمين بالتأريخ والشأن الكورديين. تتمحور هذه الثقافة حول حب الوطن، والتغني بمفاهيم وقيم الرجولة، والشجاعة في مواجهة الأعداء، والإستعداد الدائم للتضحية من أجل الوطن الذي يرتبط معه الإنسان الكوردي برباط روحي مقدس لاينفصم.

يزخر تراثنا الكوردي بالمئات بل الآلاف من الأغاني والقصص والقصائد، التي سجلت وعلى مدى التأريخ، الأحداث والحروب والمآسي التي مر بها شعبنا، وأيضا البطولات والملاحم والإنتصارات التي حققها، وقد إحتفظت بها الأجيال وتناقلتها إلى أن وصلت إلينا، ولا زلنا نغنيها بفرح، ونتحدث عنها بإعتزاز، ونحتفل بها ببهجة وسرور.

واحدة من أهم تلك الأحداث التي خلدها تأريخنا، وتناقلتها أجيالنا، هي ثورة الكورد بقياد كاوا الحداد، الذي تمكن من قتل الضحاك {الزهاك} طاغية ذلك الزمان، وكانت النار هي الإشارة المتفق عليها في حالة نجاح المهمة، وعندما رفع كاوا شعلة النار عاليا، تأكد رفاقه وشعبه من أن الطاغية قد قتل، وإن الإنتصار قد تحقق، فعم الفرح وإشتعلت النيران في كل مكان رمزا للفرح والإنتصار والتحرر. فكان يوما جديدا سجل في تأريخ الشعب الكوردي بأحرف من نور، أطلق عليه ني روز { نوروز } الذي صادف في الحادي والعشرين من شهر آذار، بداية فصل الربيع وتفتح الأزهار، فكان ربيعا للحرية والأفراح، وتفتحا للأماني، وعهد جديدا من الحياة الحرة الكريمة، عاشها الكورد بعيدا عن الظلم والطغيان.

لذلك أستطيع القول بأنه وبالرغم من كثرة الأحداث والوقائع، والنكبات والمآسي، والبطولات والإنتصارات، والأفراح والأعياد في حياة وتأريخ شعبنا الكوردي، إلا أن نوروز سواء كان حقيقة واقعة، أم أسطورة من نسج الخيال الكوردي، كما يحلو للبعض أن يقول، فهو في كلا الحالتين يبقى الحدث الأقدم والأهم في مسيرة أمتنا الكوردية وتأريخها الطويل، الذي يمتد إلى أكثر من ألفين وخمسمائة سنة. لأن الأساطير كما نعلم لم تأت من فراغ، ولم تستحدث من العدم، بل هي إنعكاس سايكولوجي وثقافي يمكن من خلالها دراسة تأريخ وحضارة الشعوب، كما هو حال الأساطير الأخرى للكثير من شعوب العالم في الأزمنة الغابرة، مثل البابلية والأغريقية والرومانية والهندية ...وإلى آخره. يأتي نوروز دائما في المقدمة، لأنه يعكس رغبة الشعب الكوردي الصادقة والدائمة في التحرر والخلاص، وبداية للسنة الكوردية الجديدة، وعيدا وطنيا وقوميا متجذرا في القدم، لا زلنا ككورد نحتفل به إلى يومنا هذا في كل أجزاء كوردستان، بل في كل مكان نتواجد فيه في العالم. ولازال أبناء شعبنا الكوردي يوقدون النيران في الساحات العامة، وعلى المرتفعات، ويلتفون حولها مرددين أغاني الأفراح والأناشيد الوطنية، متخذين من هذه النيران ومن ذكرى نوروز الخالدة، رمزا لكل ثورات وإنتصارات آبائهم وأجادهم وأسلافهم على مر التأريخ.

بعد إنتفاضة شعبنا الكوردي المجيدة في آذار 1991 وتحرره من سيطرة النظام البعثي البائد، ونجاحه في طرد قوات جيش وفلول البعث الصدامية من جميع قرى ومحافظات كوردستان، وتطهير أراضينا من نجسهم ورجسهم، مستلهمين الشجاعة من روح كاوا الثائرة، والقوة من مطرقته الصارمة، أصبح لنوروز معان أخرى، أكبر وأكثر عمقا وإلتصاقا، بل إتحادا وإمتزاجا مع نفسية الإنسان الكوردي المعاصر، الذي إستطاع بإنتفاضته العامة والعارمة، أن يستنهظ نوروز من أعماق التأريخ، ويحوله وأيضا في شهر آذار إلى واقع ملموس ومعاش، بعد أن أضفى عليه ألوانا جديدة خطها بالدماء والدموع، مزجها بأطياف الشمس وألوان قوس قزح، أشرقت على أرض كوردستان فإخضرت، ونبتت عليها أزاهير الفرح والمحبة والربيع في كل مكان. أصبح أطفالنا يرقصون آمنين مطمئنين، كالفراشات الجميلة، بلا خوف من الظلام وخفافيشه، يغنون كالبلابل والعصافير، يعزفون وينشدون للمستقبل أجمل الألحان والكلمات، ولن تغني لهم أمهاتهم بعد الآن { دلوري لوري كري من لوري بابي ته كشتن دايك بكوري }. فهل هناك من يريد أن يقضي على هذا الفرح، ويعكر صفو هذا الأمان؟ ويقضي على حالة الهدوء والإستقرار والتطور التي تسود كوردستان.!

الجواب هو نعم، فكوردستان محاطة بالكثير من الأعداء الذين أصبحت الأوضاع السياسية والأمنية والديمقراطية الجديدة التي يعيشها الشعب الكوردي تخيفهم وتقلق مضاجعهم، ولا تعجبهم التطورات السريعة والمتواصلة في كل المجالات، خاصة الإقتصادية والعمرانية والتعليمية التي حدثت، ولا زالت وتيرتها تتسارع يوما بعد يوم في الأقليم منذ سقوط النظام البعثي في 2003 وفي ظل العراق الديمقراطي الفدرالي الجديد، والإعتراف الرسمي والقانوني والبرلماني بالفدرالية لأقليم كوردستان، وتثبيت هذا الحق التأريخي كمواد ثابتة في دستور العراق الجديد.

ليس غريبا أو جديدا على هؤلاء الأعداء، الذين وإن حاولوا التعامل مع حكومة وشعب أقليم كوردستان بمنطق الصداقة أو المواطنة أوالجيرة، حفاظا على مصالحهم، إلا إنهم معروفون ونواياهم مكشوفة. وليس جديدا علينا محاولاتهم المستميتة والمستمرة بإلحاق الأذى بهذا الشعب، وبتجربته الديمقراطية التي تجسدت على أرض الواقع في أقليم كوردستان، بل ليس بعيدا أو خارجا عن حساباتهم ورغباتهم القضاء على هذه التجربة وإفشالها، بل حتى إسقاطها.

لكن الغريب هو ما يحدث في الداخل الكوردي، من قبل بعض الأشخاص والأطراف السياسية، الذين جعلوا من أنفسهم أدوات طيعة بيد أعداء الخارج، لينفذوا مخططاتهم العدوانية الشوفينية الخبيثة تجاه شعبنا الكوردي، فبدلا من أن يتحلوا بالحد الأدنى من الروح الوطنية، ويشاركوا بمسؤولية وأمانة وشرف في العملية السياسية، والعمل على تنقيتها وإصلاحها من خلال تشخيص مواطن الفساد والخلل، وطرحها وفقا للطرق القانونية المشروعة لدراستها ومعالجتها، إتخذوا من الفساد حجة للإجهاز على الحكومة والبرلمان المنتخبين بطريقة ديمقراطية، من قبل كل فئات وشرائح شعبنا الكوردي، ومن ثم الإجهاز على مجمل العملية السياسية في الأقليم، والتي تؤدي حتما إلى إضاعة كل المكتسبات والحقوق القومية، التي حصل عليها شعبنا ثمرة لنضاله الطويل، وتضحياته الكثيرة والكبيرة. بالإضافة إلى أيقاف عجلة النمو والتطور الجارية في الأقليم. وهم بذلك إنما يحملون بدلا من معاول البناء، مطارق للهدم واالتخريب، ليملأوا بالفرح قلوب الأعداء، وبالحزن والأسى قلوب الأهل والأصدقاء، وهذا العمل بالتأكيد يصل حسب قناعتي إلى درجة الخيانة العظمى، بحق كوردستان وشعبنا الكوردي.

أتمنى أن يكون عيد نوروز الذي نحتفل به جميعنا هذه الأيام، فرصة جيدة لجميع الأطراف لمراجعة حساباتها وبرامجها، وإعادة النظر في مواقفها وسياساتها وإرتباطاتها، والعمل على إصلاح الخاطئ منها، وتسخير كل الطاقات وتوجيهها بالشكل السليم الذي يخدم قضيتنا، ويرسم لنا خارطة طريق واضحة ومستقيمة نحو مستقبل مشرق، وغد أفضل، وصولا إلى تحقيق حلمنا الكبير في إقامة دولتنا الكوردية المستقلة، التي أتمنى أن تحدث أيضا في شهر آذار، من سنة لا أتمناها بعيدة.

 

المانيـــــــــــــــا

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة