التحرك الجماهيري في العراق ... أصالة مُتوارَثة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 لم تكن بداياتها عفوية ، كما يريد ان يصف البعض حركة الشباب الإحتجاجية التي بدأت فعلاً في الخامس والعشرين من شباط الماضي . بل من الأفضل القول انها فاجئت السلطة بدقة تنظيمها وتوقيتها ، بحيث خرج بعض معممي هذه السلطة ، وعلى حين غرة ، داعياً إلى ألإصلاح والإستجابة لمطالب الجماهير التي وضعوها تحت مفرداتهم الشرعية والواجبة وغير ذلك من الهرطقات التي يرددونها على مسامع الناس منذ ثماني سنوات وهم ينظرون بصمت حتى غير خجول في اكثر الأحيان إلى سرقة المال العام من القائمين على أمور هذا البلد من أحزاب الإسلام السياسي التي يزودونها بفتاواهم المؤيدة لهم ولسرقاتهم بين الحين والحين . أين كان كل هؤلاء من رجال الدين الذين ملئوا الفضائيات والصحف والإذاعات بعد إنلاع المظاهرات الشعبية والإحتجاجات الجماهيرية المطالبة بقوتها المسروق في وضح النهار من قبل الوزارات والمؤسسات التي إقتسمتها فيما بينها أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة في وطننا . لقد برز هؤلاء المعممون اليوم وهم يتوهمون بأنهم يستطيعون إمتصاص الغضب الشعبي وتحويله عن مجراه الثوري المطالِب بالتصحيح لا بالتسقيط وبطرد اللصوص من أجهزة الدولة لا تكريمهم بالرواتب الضخمة وتوفير القوت للذين يجوعون منذ ثمان سنوات ، وأصحاب الكروش ممن إنخرطوا في تنظيمات الأحزاب الدينية يزيدون من ضخامة كروشهم وارتفاع مناسيب حساباتهم واتساع رقع عقاراتهم . أين كانوا طيلة هذه السنين ليخرجوا اليوم بوجوه كانت بالأمس تستقبل لصوص قوت الشعب بالبشاشة والترحاب داعية لها بالنجاح المتواصل في عملها الذي لم يكن إلا مواصلة سرقة أموال الدولة والتحايل على المواطنين في أبسط متطلباتهم في القوت والوقود والنقل والخدمات الكثيرة المفقودة .

لقد أُصيب الحاكمون ومن يقف وراءهم من رجال الدين بالرعب والهلع والتخبط في كيفية مواجهة هذه الهبَّة الجماهيرية التي أعلنت منذ بداياتها ولا زالت تعلن بأنها لا تريد إسقاطهم، بل إجبارهم على الكف عن اللصوصية والتوجه لتحقيق ما سبق وأن وعدوا به المرة تلو المرة ، ولم يوفوا بوعودهم ولا مرة واحدة . لقد قادهم رعبهم هذا إلى أن يفبركوا القصص الخيالية التي ارادوا بها تبرير إجراءاتهم العسكرية التي أناطوا اللثام عن إستعمالها ضد المتظاهرين المسالمين في الخامس والعشرين من شباط الماضي وما تلاه . فاقترنت ردود أفعالهم بين التخويف من الإشتراك بالمظاهرات وتهديد المتظاهرين مستخدمين أحط الوسائل بتخويف الناس من عصابات البعث وإمكانية إستغلالهم مع العصابات الإرهابية الأخرى تواجد هذه الجموع على ساحة التحرير للقيام بأعمالهم الإرهابية التي يمارسونها ضد الشعب العراقي منذ سقوط دكتاتورية البعث ولحد الآن ، وكأن القوى الأمنية لا شأن لها بذلك تاركة هذه العصابات تتجول بين المتظاهرين لتعمل ما تشاء ، وبالتالي فإن الحكومة قد حذرت من ذلك ولا شان لها بما يجري بعدئذ وقد أُعذر من أنذر . مع هذا المنطق لابد لنا من التساؤل عن كيفية حرص الحكومة على حماية ما سموه هم أنفسهم واجهزة إعلامهم بالمظاهرات المليونية التي لم تكن متمركزة على مساحة محدودة مثل ساحة التحرير . إن الجهات التي كانت قادرة على حماية هذه الجموع من جرائم البعث والقاعدة والتكفيرين وكل هذه العصابات ، كيف لا يمكنها السيطرة على مساحة محدودة

وقليلة كمساحة ساحة التحرير التي كانت الملتقى الرئيسي للمتظاهرين . أهناك منطق أكثر إعوجاجاً من هذا المنطق الذي يتباهى ، وخيراً فعل ، بحماية مئات الكيلومترات من عبث المجرمين ولا يستطيع حماية مساحة صغيرة كساحة التحرير ؟

لقد مارست السلطات الحكومية مختلف الأساليب اللاديمقراطية بغية إفشال أبسط عملية ديمقراطية تشكل إحدى الأسس التي لا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يتنكر لها . وطالما أكد الحكام " الأشاوس " على تمسكهم بالديمقراطية ، إلا أنه تبين فيما بعد بأن ديمقراطيتهم هذه مستمدة من ديمقراطية ولاية الفقيه التي تستند على مبدأ الأرنب والغزال .

في الواقع لا يوجد حزب ديني في مجموعة الإسلام السياسي سواءً في العراق أو خارجه يؤمن بالديمقراطية بمفهومها العلمي الحديث . وما التبجح بها من قبل بعض قوى الإسلام السياسي إلا لذر الرماد في العيون التي تتطلع إلى مسيرة العالم المتحضر ، عالم القرن الحادي والعشرين . وما جرى في العراق ضد المتظاهرين المسالمين دليل واضح على ذلك. ونقول المتظاهرين المسالمين الذين تعرضوا إلى القمع فعلاً بالرغم من توجههم السلمي ، نقول ذلك لتمييز هؤلاء عن شلة المخربين الذين أرادوا من إستخدام العنف ورفع الشعارات المعادية للعملية السياسية الجارية الآن في الوطن ، أن يحرفوا المظاهرات والإحتجاجات عن هدفها الرئيسي المطالب بالإصلاحات والخدمات وإبعاد المفسدين واللصوص عن جهاز الدولة الذي يعشعش فيه هؤلاء منذ ان إستولت أحزابهم ، أحزاب الإسلام السياسي ، على الحكم بعد سقوط البعثفاشية .

إن قوة زخم المظاهرات والإحتجاجات التي كانت ساحة التحرير في بغداد إحدى سوحها العامرة بذوي العزم على مواصلة النضال حتى ينصاع الحكام إلى إرادة الجماهير ، إن هذا الزخم والإصرار وهذه العزيمة تشير بوضوح إلى أصالة النضال الثوري لدى الشعب العراقي الذي أثبت فيه وعلى مر الدهور بأنه سيد الموقف إن دعى الوطن لذلك وإنه المُضحي في سبيل عزة ورفاه وسعادة العراق واهله ، وما زعيق الحكام إلا طنين بعوض أمام هذا اليم النضالي الهادر .

لقد وضع الإسلام السياسي نفسه واحزابه التي تمثله على الساحة السياسية العراقية في مآزق كثيرة لا يُحسدون عليها . ففي الوقت الذي برز فيع بعض فرسانه ليتخذ موقف المعارضة البائسة لحكومته والتي لم تُقنع الحشود المتظاهرة التي طالبت مثل هؤلاء " الممثلين " التخلي عن مناصبهم النيابية أو غيرها التي يشغلونها في المقامات العليا من الدولة والمساهمين الفعليين بسرقة أموالها ، أو ترك ساحة التحرير للمتظاهرين الذين يشعرون حقاً بالضيم الواقع عليهم والمآسي التي يعيشونها منذ سقوط دكتاتورية البعث وحتى هذا التاريخ. ولكن برز على الجانب الآخر من هذا الإسلام السياسي المراوغ ، أبطال الفتاوى الدينية التي حرمت الإشتراك في المظاهرات وجعلت هذا التحريم ضمن نطاق واجبها الديني . ولا ندري كيف أجاز هذا البعض لنفسه منع الناس من أن تطالب بلقمة العيش واجتثاث الفساد والمفسدين وينسى بكل سهولة المقولة الشهيرة لإمام المتقين علي بن أبي طالب ـ ع ـ : لو كان الفقر رجلاً لقتلته . أين فتاواهم هذه من تلك المواقف الإنسانية النبيلة التي وقفها الإمام من الفقراء والمساكين والمعوزين والمقهورين ، ليأتي مثل هؤلاء الذين طالما تبجحوا بسيرهم على خطوات هذه الإمام العادل بهذه الفتاوى . فمواقفهم من سلطة اللصوص ومبتزي خيرات الشعب لا يشير ولا حتى مجرد الإشارة البسيطة إلى قربهم من الأفكار الإنسانية التي كان ألإمام علي يتحلى بها .

إن مواقف احزاب الإسلام السياسي هذه وتصرفات معمميه وأشباه معمميه من ذوي الجباه المكوية والمحابس الفضية إن دلت على شيئ فإنما تدل على مدى التخبط الذي تعيشه هذه الزمر حتى وصل بها الأمر لأن تكشف عن خفاياها البشعة التي جعلت فرسانها يتراشقون التهم فيما بينهم ويشكك كل منهم بصاحبه ليس دينياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً فقط ، بل وحتى خُلقياً أيضاً . أنظر علي سبيل المثال لا الحصر :

http://www.youtube.com/watch_popup?v=59PMFQKLlN0&vq=small

View article...

لقد اعادت هذه المظاهرات والإحتجاجات صورة النضال العراقي الأصيل إلى ألأذهان . النضال الذي خاضت فيه الجماهير الشعبية سوح النضال على صعيد الوطن عموماً والتي أجبرت الحكومات ، حتى الشديدة الجبروت منها ، على إحترام إرادة الجماهير والإنصياع إليها . فهل تعي أحزاب الإسلام السياسي ذلك ، أم أنها لا تزال تراهن على توظيف الدين لتبرير سرقاتها للمال العام وسيطرة جلاوزتها من الجهلاء على زمام الحكم بالعراق حتى وإن إقتضى ذلك توظيف تلك الوسائل التي وظفتها الدكتاتوريات السابقة .

نصيحتنا لكم أن تكفوا عن مثل هذا الدجل الذي إنكشف للقاصي والداني ، وأن تتعاملوا مع الواقع الذي يعيشه الشعب العراقي اليوم بكل مآسيه والنزول من صومعة التبجح الفارغ والتدين الزائف ، فتلك امور أصبحت في عِداد المُضحك المُبكي على الشارع العراقي .

الدكتور صادق إطيمش

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة