هل من سبيل لبناء الثقة بين الأحزاب السياسية الحاكمة وفئات المجتمع؟ ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

برهنت الحياة السياسية في العراق خلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص إلى تخلخل متفاقم للثقة المتبادلة بين فئات واسعة من الشعب, وخاصة الفئات الكادحة, وبين الأحزاب الحاكمة المشاركة في تكوين الحكومة الاتحادية. وقد تجلت بشكل ساطع في الأسابيع الثلاثة المنصرمة والتي بدأت قبل وأثناء وبعد مظاهرة جمعة الغضب في الخامس والعشرين من شباط 2011 ومن ثم في الجمعتين التاليتين وما اقترن بذلك من تشكيك في المظاهرات والقوى الفاعلة فيها والإساءة إليها وتعبئة كافة أصناف قوى الأمن والشرطة والجيش, وخاصة شرطة مكافحة "الشغب", ضدها ومن ثم تنفيذ حملة اعتقالات لم تنقطع حتى الآن وممارسة التعذيب الشرس في المعتقلات والقتل بالرصاص الحي واعتقال الصحفيين والإعلاميين وبعضهم لم يعثر عليه حتى الآن بعد اختطافه من قبل أجهزة الأمن العراقية.

ولكن ما هي الأسباب الكامنة وراء تسارع انعدام الثقة؟

أجمع المتظاهرون الذين يعبرون عن نبض الشارع العراقي وضمير الناس والأكثرية الساكتة حتى الآن إلى المطالب التي لم تتحقق منذ فترة غير قصيرة والتي تبرع كل رئيس وزراء بتقديم الوعود السخية على معالجة المشكلات ولكن دون حل فعلي. أكد المتظاهرون أنهم يعانون من استمرار فعل الطائفية السياسية في الحكم وعواقب المحاصصة الطائفية وتخلي عن المواطنة الحرة والمتساوية, وأن البطالة تعذبهم وتسحق كرامتهم الإنسانية, وإن الفقر والبؤس يدفع بهم إلى النوم على بطون خاوية بجوار بطون متخمة جداً مما يدفع بهم إلى الاحتجاج, وإن الفساد يستنزف موارد البلاد وأموال خزينة الشعب حيت تمتلئ جيوب وأرقام حسابات الكثير من الفاسدين والمفسدين في الداخل والخارج في حين تجلس نسبة عالية من سكان العراق على الرنگات, جيوب فارغة حقاً وسوء تغذية وأمراض متزايدة, إضافة إلى جماعات قليلة من ذوي النعم تنعم بالكهرباء والمبردات والمدفئات في الصيف والشتاء في حين تعاني الغالبية العظمى من انقطاع الكهرباء لفترة تتراوح بين 12 -18 ساعة في اليوم الواحد, وأن أموال البلاد تذهب للاستيراد السلعي الاستهلاكي, في حين لا توجه الأموال الضرورية للصناعة الوطنية أو لتطوير الزراعة العراقية أو تنمية معجلة للبنية التحتية.

وزارات لا تعمل إلا نادراً ونواب يتمتعون بإجازات طويلة وعطل رسمية متعاظمة تزيد هن نصف عام في العام, في حين يعاني الشعب من عدم إصدار القوانين الضرورية التي يفترض تشريعها. ورغم مرور فترة طويلة على عمليات مكافحة الإرهاب لم يستطع الحكم حتى الآن إيقاف نزيف الدم في العراق. مرة في بغداد, وأخرى في الموصل , وثالثة في كركوك, ورابعة في ديالى أو الأنبار أو غيرها من المدن العراقية .., ما عدا مدن كردستان التي ما زال الأمن مستقراً فيها ويتمنى الإنسان أن يبقى كذلك ويتعزز بسياسات وإجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية وثقافية ترضي شعب كردستان وتستعيد ثقة الناس بالوضع أيضاً.

لقد جسدت تلك المرأة العراقية المقدامة التي صرخت أمام شاشة تلفاز الفيحاء.. "ملينة.. والله ملينة, جوزوا من حالنه, قابل هي وليه, خو مو ولية!!!" نبض الشارع العراقي وحقيقة أوضاع غالبية الشعب البائسة وفقدان الناس لصبرهم. والقوى الوحيدة التي لم تدرك هذه الحقيقة هي الأحزاب السياسية الحاكمة أو غالبية قياداتها التي لم تتراجع عن سياساتها وأساليبها في الحكم وفي التعامل مع النواقص التي تسود البلاد ولم تتحرك خطوة مهمة على طريق معالجة مشكلات البشر. وبدلاً من تدارك الأمر والبدء الجاد مع بدء صرخات تلك المرأة لإدراك حقيقة وضع الشارع العراقي, راح رئيس الوزراء يمارس أساليب الإساءة والقهر والاستبداد واعتماد العنف طريقاً "لإقناع" الناس بالكف عن المطالبة! وحين رفض الحزب الشيوعي العراقي مطلب رئيس الوزراء بالتوقف عن تأييد مطالب الشعب وعدم المشاركة مع المتظاهرين, أصدر أمره الممعن بالغرور والاستبداد, باعتباره رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة, أن "يلقن" الحزب الشيوعي "درساً" لا ينساه رفاق الحزب !!! لقد نسى أو تناسى رئيس الوزراء أن كثرة من الحكام الأوباش حاولوا ذلك مع الحزب الشيوعي العراقي وفشلوا وانتهوا إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم! إن اعتقال وضرب الإعلاميين والصحفيين العراقيين لن تجدي نفعاً ولن تغير من واقع الحال, بل سيزداد الوضع توتراً وتتعمق الأزمة الشاملة في العراق وتشتد محنة رئيس الوزراء. لهذا عليه أن يعيد النظر بحساباته كلها وأن يبتعد عن أسلوب التهدئة خطاباً والطلب من أجهزة الأمن "تأديب !" الناس بالإهانة والضرب والاعتقال والتعذيب وتفريق المتظاهرين بالقوة, رغم الكف عن فرض منع التجول. على رئيس الوزراء, إن أراد كسب الناس والعودة إلى جادة الصواب, أن يغير كامل نهجه وسياساته ومواقفه. والسؤال العادل: هل هو قادر على ذلك, أو بتعبير آخر: هل يريد ذلك؟ يجب على رئيس الوزراء نفسه أن يجيب عن هذين السؤالين.

إن من يريد أن يغير سياسات ومواقف الحكومة الحالية, عليه أن يعود إلى الشعب, إلى الشارع العراقي, ويستعين بالناس لتقديم الحلول العملية للناس, أي الاستماع إلى صوت العقل , إلى المخلصين من أبناء الشعب الذين نزلوا إلى الشارع بالرغم من هراوات وخراطيم وسلاح ورصاص الشرطة أو عجاج الطائرات السمتية. كم أتمنى عليه أن لا يستمع إلى صوت المستبدين في أرض العراق, بل إلى صوت الشعب الذي عذبه المستبدون منذ القدم, إن يتعلم من دروس الماضي البعيد والقريب!

إن الحلول الواقعية ليست بعيدة عن أنظار الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم وعن أنظار رئيس الحكومة, ولكن عليه أن يجرأ ويتقدم لممارستها وسيجد التأييد من الشعب, رغم أن ما مارسه خلال الشهر المنصرم لا تبشر بالخير الذي يتوخاه الإنسان:

  1. إجراء تغيير جذري وفعلي في سياسات ومواقف الحكومة إزاء مطالب الشعب وتبنيها والبدء بتنفيذها فعلاً.

  2. إجراء تغيير في مجلس الوزراء بإدخال عناصر متخصصة وذات كفاءة وآهلية لإدارة شؤون وزاراتهم, والذي يتطلب بدوره الكف عن قاعدة المحاصصة الطائفية وإدخال 25% من النساء في مجلس الوزراء.

  3. تقليص عدد المستشارين الذين عينوا في أجهزة الدولة في مختلف المراكز دون أن يشاركوا في تقديم الاستشارة المطلوبة لرؤسائهم, وهم كثرة حقاً, إضافة إلى إنهم نسبوا في الغالب الأعم استناداً إلى الطائفة والعشيرة والعائلة والحزب دون أن تتوفر الكفاءة والضرورة.

  4. تكليف القضاء العراقي بتشكيل لجان تحقيق ومحاكم لمحاكمة المتورطين بالفساد في كافة أنحاء العراق وأياً كان مركزهم العشائري أو العائلي أو الحزبي أو الحكومي وإصدار الأحكام العادلة بحقهم واسترجاع أموال الشعب منهم. وكذلك الطلب من الأنتروبول الدولي اعتقال من هم خارج الوطن من المتهمين بالفساد وتسليمهم للحكومة العراقية لمحاكمتهم وفق القانون.

  5. إعادة العمل بنظام البطاقة التموينية للعائلات الكادحة والمعوزة والعاطلين عن العمل والأرامل والكف عن التعامل المتساوي مع الجميع في هذا الصدد والذي يكون في مصلحة الأغنياء وعلى حساب خزينة الدولة.

  6. إطلاق سراح كافة المعتقلين في الأحداث الأخيرة وتشكيل لجنة محايدة للتحقيق بـ "أعمال الشغب الحكومية" ضد المتظاهرين ومحاسبة المسؤولين عن القتل والاعتقال والتعذيب لعموم الناس وللإعلاميين. كما لا بد من التعجيل بدراسة قضايا الموقوفين على ذمة التحقيق لإنجاز معاملاتهم, إذ من غير المعقول أن يبقى الإنسان معتقلاً لفترة طويلة دون محاكمة, فذلك مخالفة صريحة لحقوق الإنسان. كما لا بد من التحقيق في الطعون المقدمة من عدد كبير من من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والأفراد باستخدام أبشع أساليب التعذيب في المواقف والمعتقلات والسجون العراقية, منها مثلاً منظمة العفو الدولية.

  7. وضع خطة استثنائية عاجلة لمواجهة نقص الكهرباء من جهة, وشحة المياه من جهة أخرى لضمان توفير ما هو أساسي للناس وللتنمية الصناعية والزراعية ومحاسبة صارمة للوزراء والمسؤولين الذين قصروا أو سرقوا أموال الشعب في مجال الطاقة الكهربائية.

  8. البدء بمكافحة البطالة الراهنة من خلال توفير فرص عمل على أساس تشجيع القطاع الخاص الصغير والقطاع التعاوني والمبادرة الخاصة وتقديم القروض الميسرة, وكذلك البدء بتنفيذ جملة من مشروعات البنية التحتية وإقامة شبكة المجاري والشوارع وتنظيم المدن التي سوف تستوعب الكثير من الأيدي العاملة العاطلة حالياً.

  9. طرح خطة خمسية تتضمن إقامة مشاريع التنمية الصناعية والزراعية وإقرار مشاريع صناعية مطلوبة للبدء بتنفيذها والتي يمكن أن تستوعب المزيد من الأيدي العاملة العاطلة حالياً, مع البدء بتنظيم دورات تدريبية للعمال إلى حين استكمال إقامة تلك المشاريع الصناعية.

  10. وضع نظام للرقابة والمتابعة على عمل مجلس الوزراء والوزراء والمحاسبة في ضوء ذلك.

إضافة إلى الكثير من المشكلات الأخرى التي تستوجب الحل.

  1. الطلب من مجلس النواب وضع فقرة خاصة في نظامه الداخلي تتضمن مراقبة ومتابعة نشاط وأداء أعضاء ملس النواب ومدى التزامهم بنظام العمل ومتابعة مطالب المواطنين الذين وضعوا الثقة بهم.

إن السلوكية الأخيرة لرئيس ومجلس الوزراء ومسؤولي الكتل البرلمانية وقادة الأحزاب لا تمنحنا الثقة بإمكانية تحقيق مثل هذا التغيير في الحكومة الراهنة. أتمنى أن أكون مخطئاً وتبدأ الحكومة ورئيسها بالعمل على بناء الثقة المفقودة بينها وبين الشعب من خلال البدء الفعلي بتنفيذ المطالب العاجلة والملحة.

16/3/2011 كاظم حبيب


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة