ليس بالغضب تصدر الأوامـر!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

التيار الديمقراطي في ألمانيا :

تلقّتت (لجنة تنسيق التيار الديمقراطي في ألمانيا) قرار رئاسة مجلس الوزراء بإخلاء مقري الحزب الشيوعي وحزب الأمة العراقية، وكذلك مقر صحيفة (طريق الشعب) في بغداد، باستغراب وقلق كبيرين، لم يُثِرهما توقيت هذا الأمر، ومدة الأربع والعشرين ساعة المحددة لتنفيذه فحسبُ، وإنما ما ينطوي عليه من دلالات، أيضا، ويشير إليه من روح وعقلية تضيقان بالآخر المختلف والمخالف، وتتحينان الفرص للتضييق عليه، وإضعافه، وربما حتى القضاء عليه إذا ما بدت الأحوال مواتية لذلك!.

إن تاريخ العراق السياسي المعاصر، وثقافة الصراعات التي سادته، وطبيعة العقائد الأيديولوجية التي تنظر، من خلالها، أحزاب الحكم المتنفذة للسلطة، وللتيارات الفكرية والسياسية الناقدة لها، خاصة قوى اليسار والديمقراطية، هي ما يدعونا لوضع هذا الأمر، ودلالاته في هذا السياق. وكم نتمنى أن نكون مخطئين، حقا، في قراءتنا هذه.

لا نعتقد أن رئاسة مجلس الوزراء تنتظر منا أن نصدق تبريرها بانها لم تكن تهدف، من وراء هذا الإجراء، لغير إستعادة أملاك الدولة، فهذا التبرير لم يدخل حتى رؤوس أطراف متحالفة معها، فالجميع يعرف حجم العقارات والأراضي والقصور والمباني العائدة للدولة، والتي تستخدمها الأحزاب الحاكمة، ومنها حزب رئيس الوزراء، دون أن تطالها غَيرةُ الحكومة على أملاك الدولة التي تشغلها، فتُصْدِر لها أوامر كتلك التي تلقاها الحزبان . الشيوعي والأمة، مع أنهما مستأجران يدفعان ما عليهما من أموال.

إن تعليق رئيس الوزراء، فيما بعد، لأمر إخلاء هذه المقرات، وإعطاء الحزب الشيوعي زمنا للبحث عن أماكن بديلة، و"اكتشاف" أن مهلة الأربع والعشرين ساعة غير معقولة، وتشير إلى "حيف" يلحق بالحزب الشيوعي، مثلما صرح رئيس مجلس بغداد، كامل الزيدي، لإحدى المحطات الفضائية، إنما يؤكد طابع (الحنق والغضب!) من هذا الحزب، ومن حزب الأمة كذلك، لعدم تلبيتهما رغبة رئاسة الحكومة بعدم المشاركة في التظاهرات الشرعية ودعمها. وهما حنق وغضب وجدا تعبيرهما في إمر الإخلاء سيئ الصيت هذا.

ولا شك أن من حقنا أن نتساءل، إن كان يجوز لرئاسة الحكومة أن تدع الغضبَ يركبها في إصدار أوامر كهذه، وتعود بعد يومين لاكتشاف لا معقولية المهلة المعطاة لتنفيذها، وطابعَ "الحيف" فيها؟!. هل يمكن لبلد مثل العراق أن تُساسَ أمورُه هكذا؟ ألا يعرف السيد رئيس الوزاء أن مرويات التراث الفقهي الذي يُفترَض أنه درس عليه، تزخر بالكثير مما يذم الغضب ويلعنه، ويرى أنه(سوية مع المرأة، للأسف!) من أشد جنود الشيطان؟

إننا نعتقد، مثل كثيرين غيرنا، بأن ما تعرض له الحزب الشيوعي، وحزب الأمة، لم يأت بمعزل عن تظاهرات الاحتجاج التي يشهدها وطننا، وموقف الحزبين المذكورين منها، ودعمهما لها، خاصة وأن الحكومة قد بذلت ما في وسعها كي لا يكون لحركة الاحتجاجات فضاء حر واسع، قد يهدد، في النهاية، سلطتها.

ولم تكن إجراءات منع التجول، وإغلاق الطرق، وإيقاف الناس ساعات طويلة في التقاطعات حتى لا يلتحقوا بالمتظاهرين، وانتظار الفرصة للاعتداء على المتظاهرين، والحيلولة دون البث التلفزيزني المباشر، واقتحام محطات فضائية(الديار مثلا) وتحطيم معداتها، والاعتداء على صحفيين واعلاميين ومثقفين آخرين، واعتقال بعضهم، وبعض منظمي هذه التظاهرات والمشاركين فيها، وجمع المعلومات والصور عنهم، وحتى تهديدهم، مثلما حصل في بغداد ومحافظات أخرى عديدة، نقول أن هذه الإجراءات جميعها تُنبئ بضيق الحكومة بمساحات الاختلاف معها، وضُعف تحملها للحريات والديمقراطية، خاصة حين يبدأ المواطنون بممارسة هذه الحقوق الدستورية لنقدها، وباستفلالية عنها.

إننا في الوقت الذي نشجب فيه ما تعرض له الحزب الشيوعي وحزب الأمة من تمييز وحيف في التعامل معهما، نعلن، من جديد، تضامننا غير المحدود مع احتجاجات شعبنا، وانتماءنا لما يرفعه فيها من مطالب، ونؤكد مطالبتنا في إطلاق المعتقلين من الإعلاميين والشباب المتظاهرين، والكف عن ملاحقتهم وتهديدهم، وضمان حق الناس في التظاهر السلمي، وحق الإعلام في نقل صوتهم، بحرية، إلى العالم.

ونأمل للسلطة وأحزابها، بدل التشكيك بدوافع الاحتجاج وغاياته، والتضييق على من يدعمه، أن تكون قادرة، فعلا، على إدراك العلة الجوهرية في الأحوال الكارثية التي يعيشها وطننا وشعبنا، أي المحاصصة الطائفية ـ الإثنية، والعقل السياسي والأيديولوجي الذي جاء بها، وعمل، وما يزال، على تكريسها، هذه المرة، تحت مُسمّى "الشراكة!"، والانتفاض عليهما : أي على المحاصصة وأيديولوجيتها.

فهل هم قادرون على ذلك؟



(لجنة تنسيق التيار الديمقراطي في ألمانيا)

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة