رسالة مفتوحة إلى كل من يهمه الأمر في إقليم كوردستان ... زردشت

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وتم تقسيم العالم بين الدول المنتصرة فيها، كمناطق تابعة لنفوذها السياسية والاقتصادية. و لا يخفى على أحد، أن هذا التقسيم الجائر، شمل كامل الوطن الكوردستاني، حيث قطع إلى أشلاء، نهشته الدول التي استحدثتها المستعمرون خدمة لمصالحهم العليا. منذ ذلك التاريخ الجائر، تفردت القضية الكوردية بخصوصية معقدة،لا نجد لها مثيلاً بين قضايا شعوب في العالم. ولم تنل الأمة الكوردية من ترسيم تلك الخارطة الجديدة للعالم، شيء يذكر غير الوعود الكاذبة التي تمثلت بالبنود التي جاءت في معاهدة سيفر، التي وضعت فيما بعد على رف، وحلت محلها معاهدة لوزان السيئة، التي رسخت الاحتلال الظالم و قطعت أوصال كوردستان إلى أربعة أجزاء منحت للدول الأربع التي أنشأها المستعمرون، التي لا زالت جاثمة على صدر الأمة الكوردية. منذ اليوم الأول لتأسيس هذه الدول اللقيطة،\"رباعيي الاحتلال\" التي حاولت وتحاول بكل السبل و الطرق الدنيئة قضم الوطن الكوردي، ولم يكتف هؤلاء الأوباش باحتلال وطننا، ومحاولاتهم الدائمة بمسخ هويتنا وتصهيرنا في بوتقة الفرس والأتراك والعرب. بل نراهم اليوم بأم أعيننا وهم يحاولون قضم جزءاً من وطننا العزيز في جنوب كوردستان، الذي يعادل مساحته ضعف مساحة لبنان. الذي أود أن أقوله هنا، هو، أننا كأمة كوردية، يجب أن نعترف بالحقيقة، رغم مرورتها و قساوتها، بأننا، نتحمل جزءاً مما تجري علينا من ويلات ودمار، لأننا لا نتعظ ولا نتعلم من دروس التاريخ. ها نحن في قرن الواحد والعشرين، إلى الآن أننا كأمة كوردية غير موحدين، هناك الكرمانج و تفرعاتها القبلية، والسوران وانتماءاتها المناطقية، و الجانب الثالث الذي يسميه البعض خطأً، بالفيلية، هذا الجانب أيضاً له امتداده القبلي في شرق كوردستان و جنوبها، وانتمائه المذهبي أقوى بكثير من انتمائه القومي، على عكس القوميات المحتلة لكوردستان، الذين يسيرون الدين لخدمة قومياتهم . قد يقول البعض أننا كشعب واقعين تحت جور الاحتلال، حيث أن سيفه مسلط على رقابنا، من المستحيل أن نتوحد في مثل هذه الحالة، نقول لهؤلاء، إلى حد ما هذا كلام صحيح، لكن ماذا نقول عن إقليم جنوب كوردستان؟، حيث أن القرار فيه قراراً كوردياً، لماذا لا تتوحد منطقتي كرمانج (بهدينان) و سوران على مدى عقدين من الحكم الوطني الكوردي؟. كذلك على مستوى اللغة، أيضاً الأمة الكوردية غير موحدة، أمة واحدة لكنها بعدة لغات، على سبيل المثال، نشاهد في قنوات التلفزة الكوردية، بث نشرة الأخبار بلغتين الكرمانجية و السورانية، ومن يقول أن هذين، لهجتين كوردتين، يكون مخطئا، أنهما لغتين كورديتين، كما كانت العرب قبل الإسلام تتكلم بعدة لغات، حتى جاءت العقيدة الإسلامية و وحدت اللغات العربية فيما بعد في لغة واحدة، وهي لغة قريش، وكان متحدثي تلك اللغات، لا يفهم بعضهم بعضاً، بل حتى القرآن في بدايته كان بسبعة أحرف، أي سبع لغات، لكن فيما بعد جمعه الخليفة الثالث (عثمان ابن عفان) في قرآن واحد وأحرق البقية. لكن للأسف نحن بقينا مشتتين إلى الآن ولم نتوحد لا كوطن ولا كلغة، حيث يقول البعض أن وضعنا يختلف عن وضع العرب، منها جغرافية، ومنها سيكولوجية، لذا ترى أن الانتماء القبلي لدى الكورد أقوى من الانتماء القومي، أضف إلى فقدان سلطة مركزية كوردية قوية بحيث تكون باستطاعتها فرض سلطتها على كامل التراب الكوردستاني حتى توحدها الخ. لكن للأسف الشديد أن التشتت الكوردي الذي اشرنا إليه أعلاه، بقي يراوح محله دون حل إلى الآن، ونحن جاوزنا العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، لا بل القبلية ترسخت أكثر من ذي قبل، حيث نشاهد اليافطات المعلقة أمام دوائر الرسمية في منطقة بهدينان و جميعها مكتوبة بالكرمانجي (بهديناني) في حين لم تكن هذه المودة موجودة في زمن الاحتلال العربي، وحكومة إقليم كوردستان لم تخطوا خطوة واحدة باتجاه حل هذه المشكلة الخطيرة، إنها مطالبة بالبدء بخطوات عملية لاختيار لغة رسمية واحدة للإقليم، أنا ككوردي لا اعتراض عندي، أن يقع الاختيار على الكرمانجية (بهدينانية) أو سورانية، لأن الاثنتين ضمن عائلة اللغات الكوردية. من المرجح إن الحكومة تتذرع بالمصاعب التي سوف تواجهها، مما لا شك فيه، أن من يريد فرض لغة واحدة في كوردستان، سوف تواجهه مشاكل و عقبات كبيرة، لأن السوراني يرى من الصعب عليه أن يقبل بأن تكون الكرمانجية لغته الرسمية في الإقليم، لأسباب معروفة، وكذلك البهديناني، لنفس السبب لا يقبل أن السورانية تكون لغته الرسمية.

إن سبب عدم وجود لغة واحدة، تتحملها ثلاث جهات بالدرجة الأولى حكومة الإقليم، وتليها الأحزاب والمنظمات الكوردية، و من ثم مجمع العلمي الكوردستاني التي لم تخطو خطوة واحدة باتجاه التقارب بين مكونات الشعب الكوردي، وتوحيدها، بل على العكس، أن جل القيادات الكوردية غذت الانتماء القبلي والإقليمي في كوردستان، حيث يقال أن واحدا من القادة الكورد المعروفين، يقال عنه في الأوساط الكوردية، أنه يفضل مدينة السليمانية على بقية مدن كوردستان، (سليمانچیتی)، كذلك القيادات الأخرى، حيث نشاهدهم في وساءل الأعلام عندما يخطبون في الجماهير،كيف يتبجحون وهم يقولون بصوت عالي (سليماني حه ياته كه) لا أعرف كيف يسمح قائد شعب لنفس أن يفاضل بين المدن الكوردستانية؟!، لكن نرجع و نقول هذا التصرف... ليس بغريب من القيادات الكوردستانية.

 كان هذا سرداً لجانب يسير جداً من حال الأمة الكوردية، سطرناه على الورق لكي يعلم من لا يعرف خصوصية شعبه بعد. يا ترى، هل يقارن حالنا مع حال الأمم الأخرى؟، نتساءل من أصحاب الأمر، هل يشبه وضعنا وضع شعب من الشعوب التي تعيش على هذا الكوكب؟. هل هناك أمة نفوسها (40) مليون نسمة بدون دولة؟،هل توجد أمة تحتل وطنها أربع دول؟، هل توجد أمة على كوكبنا ليست لها لغة موحدة؟، هل توجد في العالم أمة احتلت أرضها من قبل عدة دول، ولكنها لا تعترف بأنها تحتل وطنا اسمه كوردستان؟، بل تعتبرها جزءاً من دولتها القومية؟، و تزعم أن لا وجود لوطن اسمه كوردستان، حيث يعدوننا في تلك الأوطان مواطنين من الدرجة الثانية،حيث في شمال كوردستان نحن \"أتراك الجبال\" و في جنوب كوردستان كنا لحد الأمس القريب نسمى \"كرود\" وإقليمنا كان يسمى \"شمال\" ولا يزال جزءاً كبيراً من عنصريي القومية المحتلة مصر على تسمية زمن الاحتلال (شمال)، و في شرق كوردستان كنا \"أخوة آريين\" إلى إن جاء النظام الجمهوري الإسلامي، وإذا بنا أصبحنا \"أخوة مسلمين؟\" ثم كفرونا وأفتوا بالجهاد ضدنا، و في غرب كوردستان نحن \"غرباء\" ليس لنا حق الوجود في تلك الدولة حتى الجنسية والهويات الشخصية سحبه القيم على ذلك البلد، كل هذا التزوير من أجل أن يقضموا وطننا و يصهروننا في بوتقة شعوبهم، بعد كل هذا، نتساءل من قادتنا، الذين في الحكم، والذين في المعارضة، هل وضعنا يشبه وضع أحد الشعوب التي تعيش في المعمورة؟. ألم تحتم علينا هذه الخصوصية المعقدة، أن نكون دقيقين جداً في تعاملنا السياسي فيما بيننا، ونكون أكثر دقة و حساسية مع محتلينا، بسبب وضعنا المعقد الذي تحدثنا عنه، حيث أنه فريد في نوعه، و لا يجوز، أن يقاس مع مصر أو تونس أو ليبيا أو العراق أو يمن الخ. أنا أخص في حديثي هذا وضعنا في \" إقليم جنوب كوردستان\"، حيث احتلت المعارضة \"ده ركه ى سه را\" وهي تتوعد حكومة الإقليم بالويل والثبور أن لم تنفذ مطالبها خلال شهر. أنا كمواطن كوردستاني، أتساءل، ماذا لو كانت المعارضة الكوردستانية نصبت خيامها في ساحة الفردوس أو ساحة التحرير في بغداد؟ و اعتصمت فيها، وطالبت بتطبيق المادة (140) من الدستور، التي إذا طبقت في المدى المنظور، ستعود إلى إقليم كوردستان أراضي توازي مساحة كوردستان التي تحت سلطة الحكومة الكوردستانية. أليس القيام بهذا العمل، أعني الاعتصام في ساحة التحرير، أفضل ألف مرة من الوقوف في \"ده رگاى سه راى\"؟، وإرباك المواطنين، أنا على يقين تام ومعي الشعب الكوردي، أن الذي يُرجع تلك المناطق المستقطعة إلى الوطن الأم كوردستان سيخلد في التاريخ الكوردي إلى أبد الدهر، بل ويحكم كوردستان لعقود من الزمن دون منازع، حينها يكون بإمكانه أن ينفذ برنامجه السياسي و الاقتصادي والزراعي الخ، كيفما يشاء. إما إذا تتذرع المعارضة الكوردستانية بأنها لا تستطع أن تعتصم في ساحات بغداد لغاية في نفسها، وتريد أن تخلع أندادها من الحكم في الإقليم، ومن ثم تنوي، أن تأخذ فيما بعد، مطالبنا صوب بغداد،لا بأس في هذا، تستطيع أن تتحرك بهذا الاتجاه، لكن كما أسلفنا، انتزاع حقوقنا من بغداد أفضل ألف مرة من مواجهة حكومة الإقليم، ومحاولة إسقاطها، مما لا شك فيه، أن دور معارضة في استلام الحكم سيأتي عاجلاً أم آجلاً، لكن النضال من أجل عودة مناطقنا المستقطعة وتخليص شعبنا في تلك المناطق من الإرهاب الذي يتعرضون له هو معيار لوطنية من يكون السباق بعودة تلك المناطق. لكن المعارضة إذا تريد أن لا يكون لها أي دور يذكر بعودة تلك المناطق إلى الوطن الأم فهي حرة؟، بإمكانها أن تعمل في مسار الذي تختارها،و أن تقف نداً لغريمها حكومة الإقليم، وتعارضها في المواقع الرسمية، شريطة أن تضع نصب عينيها مصلحة الشعب الكوردي، لا بالاعتصامات والهجوم على مقرات الأحزاب و المؤسسات الحكومية، يجب عليها أن تتخذ أسلوبا حضاريا في معارضتها لحكومة كوردستان، وتنطلق من البرلمان الكوردستاني المنتخب، و تجعل منه منبراً لمطالبها، أضف أن القانون الكوردستاني، يسمح لها، أن تتخذ من وساءل أعلامها المرئية والمسموعة و المقروءة منبراً حراً لكشف الأخطاء والنواقص التي تراها في أداء الحكومة. لقد شاهدنا من خلال قنوات التلفزة، أن المواطن الكوردستاني، يناشد المعارضة أنها تبتعد من الشارع، ولا تتخذه منبراً لطرح مطالبها بطريقة صبيانية. انظروا إلى نتائج أعمالكم في الأيام الماضية، لقد كان الخاسر الوحيد فيها هو الشعب الكوردي، حيث دمرت وأحرقت البنايات والمؤسسات التي تتبع للحكومة أو التي تتبع للمعارضة، بلا شك أنها كلفت المجتمع الكوردستاني مبالغ طائلة. بالإضافة إلى قتل عدداً من شباب الكورد الذين لا يعوضون، والذين كانوا في نهاية أيامهم الدراسية، ألم يكن الوطن بحاجة إلى سواعدهم للبناء والأعمار؟، لكن للأسف الشديد، نتيجة لسوء التقدير فارقونا إلى الأبد، وهم في عز شبابهم وعطائهم، كانت كوردستان أحوج إليهم في هذه المرحلة الحساسة و الدقيقة التي تمر بها.

نعود و نكرر، يخطأ من يقارن كوردستان في عداد الدول التي ذكرناها أعلاه، لأن كوردستان كما أسلفنا، تتميز بوضع فريد، لا يوجد شبيه له في العالم، فعليه، يجب أن تكون تحركاتنا جميعا تحركات كوردية خالصة، تنبع من واقعنا الكوردستاني الحساس والدقيق. قد يتهمني البعض بأني أعمل بالضد من قوى المعارضة في كوردستان، أقول لهم بكل شفافية، أنا أيضاً معارض للحكومة في الإقليم، لكن معارضتي لها تختلف عن معارضة الغير، أنا أحاول أن أوصل صوتي إلى الحكومة من خلال كتاباتي، أو لقاءاتي الشخصية مع بعض أطرافها، وأشخص لها مكامن الخطأ لكي تستقيم، لكن قبل إن أعترض عليها، أفحص بدقة، الكلام الذي أريد إيصاله لها،هل يمس الأمن القومي الكوردي؟، لأن الجانب العنصري العروبي المشارك في الحكومة الفيدرالية، يبحث على الهفوات و الزلات التي تصدر من داخل الإقليم، أضف أنه يراهن على عامل الوقت، و ينتظر بفارغ الصبر أن يحدث الخلاف بين الأحزاب الكوردستانية، لكي يستغله ويستخدمه كنقطة ضعف ضد حكومة الإقليم عند مطالبتها لحقوق الكورد المشروعة، و على رأسها تنفيذ المادة (140) من الدستور، لهذا نقول يجب أن نكون دقيقين في تعاملنا مع حكومتنا، ولا نربكها أمام بغداد، لأن، أي إرباك في أدائها و تعاملها مع الملفات العالقة مع الحكومة الفيدرالية، سينعكس سلبا على شعب كوردستان و مكتسباته التي حققها عبر نضال مرير، والتي كلفه أنهاراً من الدماء. هذا ليس دفاعاً عن حكومة الإقليم، وليست تزكية لها من الأخطاء، نحن نعرف أنها أخطأت في جانب من أدائها الوظيفي و أخطأت أيضاً في معالجتها لبعض القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن الكوردستاني، وأنها كانت شجاعة وكاشفت بها الشعب. لكن الجانب المتبقي والذي لم يكتشف ويوضع أمام الشعب هو الثراء الفاحش لبعض المسؤولين كحكوميين أو حزبيين، حيث يشار إليهم بعدم النزاهة، والتلاعب بأموال الشعب، هؤلاء يجب أن يحاكموا و يُسألوا، من أين لك هذا. هناك أيضاً بعض الأشخاص القياديين، جاءت أسمائهم في ملفات مخابرات نظام البعث المجرم كمتعاونين معها، لكن رغم ما قيل ويقال عنهم بخصوص هذا الموضوع، نرى أنهم إلى الآن يتبوأون مناصب قيادية في أحزابهم، أليس وجود هؤلاء الذين يشار إليهم، بأنهم من بقايا البعث المجرم، في هذه الأحزاب دون محاسبة، تضعها هذه الاحزاب موضع تشكك الجماهير بها؟.

أخيراً، أقول بكل صراحة، لمن يتصور إن إقليم كوردستان في مأمن من الأخطار، ولا داعي للخوف عليه من الأعداء المحيطين به، أقول لهم بكل صدق وصراحة، أنا كمواطن كوردستاني، لا زلت أخاف على هذا الإقليم الفتي، ولا يزول خوفي وهاجسي عليه، إلا برفع علمه كدولة مستقلة بين أعلام الدول الأعضاء في منظمة أمم المتحدة، وجلوس ممثلها في المقعد المخصص للدول الأعضاء في هذه المنظمة الدولية.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة