بحث البطون وبحث العقول ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

" تلاميذ المدارس البريطانيون حققوا إكتشافاً متميزاً حول قابلية الذاكرة عند الزنابير الكبيرة الحجم . وبهذا يشكل هؤلاء التلاميذ قصب السبق لمدرستهم كأول مدرسة يُنشر لها في أرقى المجلات العلمية. هؤلاء التلاميذ بأعمارهم بين الثمان والعشر سنوات شغلوا أنفسهم بالبحث حول إمكانية هذه الزنابير على التمييز بين الألوان والإحتفاظ بذاكرتها لهذه الألوان . والنتائج التي توصلوا إليها من خلال هذا البحث نُشرت في أرقى المجلات البايولوجية في إنكلترا التابعة لأكاديمية العلوم البريطانية ".

هذا ما جاءت به الصحيفة الألمانية ( بادشه تسايتونغ ) في عددها الصادر بتاريخ 22.12.2010 بعد أن شرحت بالتفصيل الطريقة التي إبتكرها هؤلاء التلاميذ أنفسهم لإجراء هذا البحث والمواد التي إستعملوها لذلك . فأين من ذلك أطفال العراق الذين لم يُحرموا من نعمة التعليم الحقيقي الهادف فحسب ، بل أنهم حُرموا أيضاً من الحياة الإنسانية التي أصبحت في المجتمعات الأخرى على هذه الأرض حقاً طبيعياً للإنسان ، وخاصة للأطفال التي تتبارى المجتمعات المتقدمة ، التي طالما يصفها بعض " علماءنا الفطاحل " بالمجتمعات الكافرة ، على فسح مختلف المجالات امامهم لكي يتفرغوا للدرس والعلم والبحث والتقصي عن الحقيقة من خلال برامج دراسية تُراجَع على الدوام من ذوي الإختصاص للتأكيد على ما أثبت صلاحه وتطويره ولإبعاد ما أثبت عدم قدرته على تحقيق الهدف المرجو منه .

بحث وبحث ، البحث العلمي الذي يتم في المختبرات العلمية مارسه هؤلاء الأطفال في مختبر مدرستهم البسيط بعد ان هيأوا بأنفسهم ما يحتاجون إليه في بحثهم هذا من مواد غير متوفرة في مختبر مدرستهم .

وأطفال العراق يبحثون أيضاً . ولكن ليس في مختبرات مدارسهم ، بل في المزابل التي يلجأون إليها للبحث عما يسدون به رمقهم ورمق عوائلهم من فضلات أولئك الذين يرمون أكداساً من الطعام يومياً إلى هذه المزابل التي ينتظرها الأطفال .

إن ألأطفال في العراق الغني بفقراءه لا يبحثون في مدارسهم حتى وإن توفرت لهم الرغبة في ذلك حيث أن مدارس العراق الجديد لم يلتفت إليها أحد من مسؤولي الدولة الجدد قدر إلتفاتتهم إلى قصورهم وشققهم الترفيهية داخل الوطن وخارجه .

فمدرسة كهذه تأنفها حتى الحيوانات ان تكون زريبة لها . فكيف بأطفال صغار يتأثرون بكل شيئ ، يستطيعون مجرد تلقي بعض الدروس التي يجب أن يستوعبوها كعلوم حديثة يمكن التأسيس عليها في المستقبل . هل أن هذه الصريفة الخربة تصلح لتلقي العلم والمعرفة ايها السيدات والسادة الحاكمون في العراق الجديد ...؟



إلا أن هذا الواقع الحقيقي المرير لمدارس العراق وإن إختلف بشدته من منطقة إلى أخرى، يعكس اللأبالية بوضع الأطفال الذين تعتبرهم المجتمعات الحديثة عماد المستقبل والركائز التي يقوم عليها أي بلد . لذلك ومن المنطقي جداً أن تكون هذه الركائز قوية متينة قادرة على حمل أعباء وطنها والسير به نحو التقدم المنشود . فكيف يمكن تحقيق ذلك والمدارس التي تستقبلهم لا توفر لهم أي جو إنساني يستطيعون به تلقي العلوم التي يمكنهم من خلالها التواصل مع علوم المجتمعات الأخرى التي بلغت هذه الأشواط التي بلغها مثل أطفال المدارس البريطانيين هؤلاء الذين سجلت لهم المعاهد العلمية الكبرى إكتشافاً خططوا له بانفسهم ونفذوه بقدراتهم العلمية المتوفرة لديهم حتى في هذا السن المبكر.

أطفال العراق ، إن ذهبوا إلى المدارس كهذه المدرسة ، يشغلون أنفسهم طيلة وجودهم في هذه الصرائف بإيجاد الوسائل التي تحميهم من برد الشتاء وحر الصيف وأين سيجلس كل منهم على هذه الأرض الرطبة الباردة القذرة وكيف سيكتبون ، إن تعلموا شيئاً من هذا القبيل . إضافة إلى ذلك فإنهم يتعاملون مع مناهج دراسية لا يمكنها أن تنتقل بعقولهم ، التي لا زالت في طور التفتح والإستقبال السريع ، إلى التواصل مع العلوم التي تجعل منهم تلك الركيزة الحقة التي يمكن بناء الوطن بها مستقبلاً .

إلا ان أسوأ ما يتعرض له هؤلاء الأطفال هو ليس الحرمان من التعليم الحقيقي في مدارس يمكن أن نسميها بهذا الإسم ، وليس البحث في المزابل عما يسد الرمق فقط ، بل إنهم يتعرضون لحملات غسل الأدمغة التي تضعهم بعيدين عن هذا العالم الذي ينبغي أن يتواصلوا معه غداً . وما عرضته الفضائيات في الأيام الأخيرة التي شوهدت فيها المواكب الحسينية ، هو إقحام الأطفال في مواكب التطبير والضرب بالزنجيل والزحف على البطون وغير ذلك مما يسمونه بالشعائر الحسينية التي قرأنا وسمعنا الكثير عن رفضها حتى من قبل أكثر المُقَلدَين عند الشيعة والذين لا يملكون الجرأة على الإجهار بهذا الرفض ، لغاية في نفس يعقوب .

طالما صرح السيد نوري المالكي رئيس الوزراء بان حكومته القادمة ستكون حكومة الإعمار وتوفير الخدمات للمواطنين . فهل سيحظى أطفال العراق بجزء من الخدمات التربوية الحقيقية التي تجعلم يكفون عن البحث في المزابل والإنجرار وراء العقول المتخلفة ويتجهون إلى البحث في المختبرات العلمية في مدارسهم ...؟ سؤال أعتقد انه أكثر من وجيه .


 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة