الحكومة الاتحادية الجديدة في العراق وأزمتها التي ستتفاقم! كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 عند دراسة الواقع العراقي بهدف تحليل الأوضاع والخروج باستنتاجات لما ستؤول إليه, لا يمكن المرور على سطح الأحداث والقبول بتصريحات وخطب المسؤولين أو أقطاب الأحزاب الذين تتشكل منهم الحكومة الاتحادية, بل لا بد من الغوص في عمق المشكلات القائمة ومتابعة حركة موازين القوى على صعيد العراق وعلى صعيد القوى التي تشكل الحكومة وفي كل طرف منها, إضافة إلى فعل القوى الإقليمية والدولية في مجمل الأوضاع الراهنة واتجاهات تطورها وقدراتها الفعلية على التأثير المباشر وغير المباشر من خلال القوى القائمة في البلد أو بطرق أخرى كثيرة.

لقد توقعت نشوء مصاعب جدية في تشكيل الحكومة من جهة, وعدم القدرة على تحقيق برنامج يساعد على نهوض العراق وحل بعض أبرز مشكلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية الراهنة من جهة ثانية, والتصدي الناجح لقوى الإرهاب الداخلية والإقليمية من جهة ثالثة, من جانب حكومة المالكي. ولم انطلق في تشخيص هذا الاستنتاج من موقف شخصي مناهض للسيد المالكي أو لحكومته الجديدة, بل من استنطاق الأحداث والقوى المتصارعة والمصالح المتعارضة والمواقف المتباينة التي تحرك القوى والأحزاب السياسية في الداخل والقوى الإقليمية والدولية المؤثرة في العملية السياسية وفي عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة, رغم تصريحات السيد وزير الخارجية الذي يؤكد بأن الحكومة العراقية تتشكل في العراق, وكأننا ندعي أنها تتشكل خارج العراق. إنها تتشكل في العراق, ولكن كيف تتشكل في العراق ومن يلعب الدور المحفز والمحرك لهذه التشكيلة وما هو دور القوى الإقليمية والدولية في كل ذلك؟

لقد واجهنا قبل شهر واحد ثلاثة تحالفات سياسية متصارعة في ما بينها حول تشكيل الحكومة هي: القائمة العراقية والتحالف الوطني, وبينهما كان التحالف الكردستاني بشروطه المعروفة ومبادرة السيد مسعود البارزاني لعقد الاجتماعات في أربيل وطرح مقترحات حل أزمة تشكيل الحكومة, حيث كانت هذه التحالفات الثلاثة تبذل المستحيل لتبدو وكأن كلاً منها يشكل كتلة واحدة متراصة وذات موقف واحد. ولكن ما أن بدأ العد التنازلي لتشكيل الحكومة وظهرت أسماء المرشحين لإشغال الحقائب الوزارية, حتى ظهر ما كان معروفاً قبل ذاك وما كان يراد تغطيته بستار مهلهل وبازدواجية كلامية مفضوحة. ويمكن تشخيص الظواهر التالية المعبرة عن اصل المشكلة:

- إنها محاصصة طائفية وقومية فعلاً وبعيدة كل البعد عن روح المواطنة الحرة والمتساوية؛

- وإنها اتخذت من المنسوبية والمحسوبية قاعدة لتوزيع الحقائب داخل كل طرف؛

- وقاد ذلك إلى انقسام في كل طرف من تلك التحالفات الثلاثة الهشة وبدأ الصراع على الحقائب والمواقع في كل تحالف, إذ أن لجان التفاوض لدى الأطراف المختلفة هي التي احتلت قصب السبق في الحصول على الحقائب الوزارية, في حين خرجت أطراف أخرى خالية الوفاض وغاضبة جداً, وحسن العلوي مثلاً يجسد ذلك بوضوح في تصريحاته الأخيرة؛

- أما المرأة, التي كان الحديث عنها يجري من قبل الأحزاب الفائزة في الانتخابات وعن أهميتها وأهمية مشاركتها في الحكومة الجديدة وعلى وفق ما حدده الدستور, فقد خرجت خاسرة كل الوزارات المهمة والمهنية وراحت تنتظر فتات الموائد, وهو تعبير صارخ عن مجتمع ذكوري بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ سلبية وبؤس اجتماعي وفكري إزاء المرأة. لقد ظهر موقف هذه القوى كلها دون استثناء من المرأة التي هي الأم والأخت والبنت والخالة والعمة والزوجة ايضاً, والتي تشكل أكثر من نصف المجتمع. وما احتجاجات المرأة ومنظماتها إلا التعبير السليم على هذا الموقف المتحيز والخائب؛

- كما خرج الوطنيون المستقلون والقوى التي لم تحقق نجاحاً في انتخابات مجلس النواب وخارج إطار تلك التحالفات الثلاثة بخفي حنين, رغم إن البعض كان يريد المشاركة ولو بوزير يتيم؛

- ولكن الأسوأ من كل ذلك هو بروز وزارة هشة لا ينتظر منها معالجة المشكلات العراقية وفق معايير مهنية وعلمية وعملية مناسبة, بل أغلبهم بعيد كل البعد عن المجال الذي سلم له ليمارس مهمته كوزير. وهي ذات البلوى التي عانت منها الحكومات الثلاث السابقة, واقرب مثال على ذلك وزارة الثقافة العراقية التي منحت على طريقة بتاع كله واي حاجة.

إن التشكيلة الوزارية الجديدة فرضها ميزان القوى القلق الراهن المناهض للاتجاهات المدنية والعلمانية في الحكم, والذي تحرك قليلاً جداً بعد تشكيل الوزارة ولكنه سيتغير أكثر فأكثر بعد مرور فترة من بدء عمل مجلس الوزراء, بسبب الطبيعة غير المتجانسة والبرامج المتعارضة والمشكلات المتفاقمة والتدخل الخارجي المؤثر بقوة على ما يجري في العراق. إن المشكلات العراقية شق كبير وكبير جداً, والرقعة التي تهيأتو الحكومة العراقية الجديدة, صغيرة وصغيرة جداً لا يمكن إلا أن تظهر العيوب كلها في هذه التشكيلة الجديدة وبسرعة.

إن الدراسة المدققة لبرنامج الحكومة الذي طرحه رئيس الوزراء سيخرج المتتبع بحقيقة واحدة, هي أن ليس للحكومة من برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي محدد, وأن رئيس الحكومة ينتظر برامج من الوزارات ليجمعها ويضعها في البرنامج الحكومي, كما عبر عن ذلك بوضوح في خطابه في مجلس النواب. وهذه العملية سوف تستغرق أكثر من سنة كاملة, وسيكون قد أنتهى على تشكيل الحكومة أكثر من سنتين, حيث يبدأ التفكير بالانتخابات الجديدة وبدء المنافسة ولكن دون أن ينفذ من البرامج التفصيلية ما يساعد على نهوض الاقتصاد الوطني أو مكافحة البطالة أو تقليص البطالة المقنعة أو تقليص عدد الفقراء في العراق الذي يتجاوز كل الحدود السابقة أو مكافحة الفساد الذي اصبح حديث العالم كله وليس العراق وحده,وأصبح العراق مضرب الأمثال في هذا الصدد.

إن حكومة المالكي الجديدة عليلة حقاً, بل هي مليئة بالعلل الاجتماعية والسياسية القاتلة ولا ينتظر لها الشفاء, إذ أنها بنيت على أسس غير سليمة وغير ديمقراطية وبعيدة عن روح المواطنة الحقة وعن التحري عن الكفاءة والنزاهة والمهنية العالية, إن الغالبية العظمى, بل كل الوزراء تقريباً هم من الكوادر الحزبية ومن قيادات الأحزاب مباشرة والتي لا تعرف في الغالب الأعم غير الدفاع عن مصالح أحزابها وغاياتهم في الحكومة الجديدة, وهي الطامة الكبرى التي ستواجه المجتمع كله!

وسوف لا يمكن تصور اتخاذ مواقف سليمة إزاء المشكلات القائمة, خاصة وأن رئيس الحكومة قد بدأ بالعفو عن مزوري شهادات الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس والدبلوم, وهم ليسوا قلة, بل كثرة مما دفع بالصديق الأكاديمي والمؤرخ المتميز الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل بالدعوة إلى حرق شهادات الخريجين في ساحة الفردوس, وربما أقترح أن يكون التخلي عن ذكر الألقاب العلمية في النشر هو الأكثر معقولية من حرق الشهادات احتجاجاً على العفو عن مزوري الشهادات.

إن ميزان القوى, الذي يميل إلى جانب القوى المشاركة في السلطة حتى الآن, سيتغير بطبيعة الحال لأنه يتغير مع التحرك الجاري في المجتمع. ولكن حركة التغيير فيه بطيئة بحكم ضعف الوعي الاجتماعي والسياسي الراهنين أو أنه في غيبوبة دينية معقدة من جهة, وبحكم ضعف القوى الديمقراطية واليسارية التي لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة أوضاعها من خلال عقد اللقاءات الجدية والدراسية لأوضاعها وأوضاع البلاد وضرورات اللقاء في ما بينها على قواسم مشتركة لكي تستفيد مجتمعة من التغير الذي سوف يحصل في ميزان القوى بسبب أخطاء القوى الحاكمة وعدم تلبيتها لمصالح وإرادة الناس من جهة, وبسبب نشاط القوى الديمقراطية التي يمكنها أن تحل تدريجاً محل تلك القوى الحاكمة من جهة ثانية.

إن هذا التغيير لا يحصل عفوياً بل بفعل نشاط القوى الديمقراطية ووحدتها, ومن هنا أطرح على كل القوى السياسية شعار مرحلي مهم جداً هو "قووا تنظيم الحركة الوطنية" إنها الحلقة المركزية المفقودة في المرحلة الراهنة ومن لا يدرك ذلك سيعاقبه التاريخ الذي لا يرحم. والمتضرر الأول والأخير من عدم فهم شعار المرحلة ستكون القوى الديمقراطية واليسارية كلها دون استثناء. والمستفيد من ذلك معروف لنا جميعاً.

إن عوامل ضعف الحركة الديمقراطية كثيرة ومتراكمة تاريخياً, ولكن هذا الضعف البنيوي ليس مانعاً من ضمان التغيير والتحول إلى قوة فاعلة من خلال إزالة عوامل الضعف الذاتية وعبرها تتغير العوامل الموضوعية أيضاً. إنها عملية جدلية متبادلة الفعل والتأثير. وفي العراق توجد بذور غير قليلة مزروعة في حب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية, إنها زرعت منذ عقود, وهي بحاجة إلى عناية ورعايية وسقي دائم لتنتعش وتثمر.

إن الحكومة الحالية هشة, ضعيفة ومتصارعة منذ الآن, وهي أضعف من سابقتها وربما سيضيع رئيس الوزراء في لجة الخلاقات وبهذا العدد الكبير من الوزراء (44) حقيبة, وسيلجأ إلى ممارسة العمل الفردي, إذ أنه أُجبر على التحالف مع من وقف ضدهم قبل ذاك ومنهم التيار الصدري, الذي لم يتخل عن سياساته السابقة, غضافة إلى قوى أخرى مماثلة. لقد اختار رئيس الوزراء هذه الحالة بنفسه حين اصر على ان يبقى رئيساً للوزراء ولو بوزارة من هذا النوع. وستكون العواقب غير طيبة ويتمنى الإنسان أن لا يكون استنتاجي صحيحاً. ولكن الوقائع تؤكد بالضبط هذا الاستنتاج.


ستبقى الحكومة قائمة ولن تسقط ما دام ميزان القوى الراهن مستمراً على حاله, ولكن سوف لن تنجز ما يحتاجه العراق خلال السنوات الثلاث القادمة من عمر الحكومة ومجلس النواب.

ولكن يبقى واجب القوى الديمقراطية واليسارية أن تعمل على رفع مطالب الناس اليومية والدفاع عن مصالحها وإرغام الوزارات المختلفة على تنفيذ المشاريع التي تساهم في تحقيق التنمية الصناعية والزراعية وترشيد التجارة الخارجية وزيادة فرص العمل ومكافحة الفقر والفساد المالي والإداري من خلال تحريك الفئات الاجتماعية المختلفة وتعبئتها لتحقيق المنشود. إنها الحركة التي تعلم الفئات الاجتماعية بأن المطالب العادلة لا تتحقق إلا بالنضال من أجلها, النضال السلمي والديمقراطي بمختلف صيغه واساليبه المعروفة على الصعيد العالمي. وهو الطريق ذاته الذي يعمق ويشد لحمة العلاقة بين القوى والأحزاب الديمقراطية وفئات الشعب المختلفة ولا بديل لذلك.

25/12/2010 كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة