في ايام صوم إيزيد.. خدر خلات بحزاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 تتوارد وتضغط الذكريات على ذاكرتنا بشدة في مثل هذه الأيام المباركة من أيام صوم إيزيد.. نستذكر الغيّاب والبعيدين.. نستذكر الأب المتعب من كد السنين، والأم التي ربما لم تهنأ براحة ما.. نستذكرهم في هذه الأيام، عندما نرى إن غيابهم بقي طقسا حزينا في ليالي الصوم الباردة. وتتردد في مسامعنا صدى أصواتهم وهم يوقظوننا بإلحاح للـ (باشيفي)*.. كنت أرى أو اشعر بأمي وهي تدخل وتخرج عدة مرات، رغم البرد اللاسع لتعد لنا الباشيفي، وكانت أحيانا تنسى غلق باب الغرفة الوحيدة، لتهب علينا موجة هواء باردة، قارصة، وكنا ننكمش بأجسادنا كي نحصل على المزيد من الدفء ونحن تحت الأغطية.. كنا نستيقظ صاغرين، ونتناول الباشيفي، ونخرج لأطراف المحلة لنلعب مع أقراننا بـ (المذاريع) حتى تشرق الشمس، لنتوجه بعدها للمدرسة.. لا أقول إن كل شيء كان بسيطا، بل كان الفقر والبؤس هو الطاغي، وربما وجود أغلى الأحباب على قلوبنا بين أكوام تلك الذكريات يجعلها الأحلى والأجمل ونحنّ إليها رغم مرارتها.. أصدقاء كثر غادرونا، هذا لألمانيا وذاك للسويد، وآخرون غادرونا إلى مكان بتذكرة الذهاب دون الإياب.. تغيّر كل شيء، ونحن تغيرنا.. وحتى الصوم تغيّر، تغيرت أنواع الأطعمة وموديلات الألبسة.. ما بقي من الصوم الذي نعرفه، سوى مواعيد الباشيفي والفطور، وهي التي لم تتغير فقط.. هو الصوم إذن.. القاسي جدا على المدخنين، والممتع اللذيذ للشابات الصغيرات، وهو العيد للأطفال جميعا.. ربما يمكن أن أنسى الكثير من التفاصيل، لكن لن أنسى العمّة (كرجية) وهي تدخل الغرفة وتطل برأسها من خلف الباب، بعد أن ننتهي مباشرة من تناول الفطور مساء الخميس، بعد انتهاء أيام الصوم الثلاثة، لتكون أول من يعيّدنا وتتمنى لنا الفرح والسلامة وتدعو لنا بطول العمر.. رحمك الله أيتها العمة كرجية.. انه الصوم، يمضي ويعود، وهذا يولد وذاك يغيب.. كل عام وانتم بخير.

 ــــــــــــــــــــ

* الباشيفي: السحور

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة