لا للعقل الديني وجناته , نعم للعقل العلمي وانجازاته ...جلال جميل

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

اذا كان الدين يحاول غلق عقل الانسان والتحكم فيه , فالعلم يحاول فتحه والتحررمنه . من هذا المنطلق العقلاني , ليس من الضرورة ان يؤمن الانسان بدين ويختار نفس طريق اسلافه في العبادة , وممارسة الطقوس , وتطبيق العادات والتقاليد , وتأدية الفرائض المطلوبة . لضمان دخول روحه الى جنة الله المعهودة , كتعويض بعد الموت حسب المفهوم الديني للانسان , والتي لايضمنها النظريات العلمية . على شرط ان لاتتعارض طريقته المختارة الخط الانساني العام , ولايتجاوز الحدود المرسومة بين العباد , ولايخالف القوانين المعمولة بها , ويترك للاخر الذي يريد العيش في فضاء الدين كامل الحرية . في حال لم يفرض هذا الانسان الديني , ارادته بالقوة أوالترهيب على الانسان الذي تحررأو يريد التحرر من أسرالدروس الدينية ومحرماته التي لم تبرهن . المعروف ان المنطلق العقلاني لاينكر وجود الخالق , ولايفرق بين الانسان وما يحيط به من باقي الكائنات في هذا العالم الواسع . في نفس الوقت يرفض اي اعتقاد مستند على الايمان , لان ذلك الايمان كان لزمن لا وجود للعلم أولاتقدم للوسائل والنظريات العلمية أي تأثيرعلى حياة الناس . وكذلك لم يكن لعقل الانسان درجة نضوج اليوم , وهو يرى بين حين واخرمعلومة علمية جديدة تفيده , أو انجازعلمي ملموس وضعت بين يديه لخدمته عن طريق التجارب , لتستيقظه من نومه العميق المظلم لكل هذه السنين . وتحاول تخليصه من سجنه الديني في مسيرة حياته , ومن مفهوم الجنة الدينية بعد مماته . لتصبح حقيقة تضاف الى جدول التطورات المعرفية التي يحققها العقل البشري , لان غاية العلم ليست تحكيمية بل تنويرية وتفهيمية تستند على التجارب والبراهين . مثل اعلان اثبات كروية الأرض ودورانه حول الشمس من قبل العالم الفلكي الايطالي غاليليو ( 1564 - 1643 ) . المخالف لقصص الكتب المقدسة , ومهاجمة الكنيسة الكاثولكية في روما له عندما امرت بأحراقه حيا في العام 1633م لكنه لم يتنفذ . ثم الاعتذار له في ( 1983 ) بعد مرور 340 سنة من وفاته . ومقاومة الكنيسة لقانون الجاذبية للعالم الانكليزي اسحاق نيوتن ( 1643 - 1727 ) . واعلان الجهاد من جميع المراجع الدينية الاسلامية ضد العالم التاريخي الانكليزي تشارلز داروين ( 1809 - 1882) بسبب نظرية التطور وأصل الانسان وغيرهم . هكذا يمضي الفكر العلمي في دربه . وهكذا يحاربه الفكرالديني المنغلق بعلمائه وفقهائه , ثم يعتذر لأهل العلم بسبب تجاربهم وانجازاتهم المحققة , ويضطر الى أن يتنازل لمتحديه , ويعطي تصريح برفع الحظرعن العازل المطاطي الواقي (condom ) , ويسمح للمرء باستعماله اثناء الممارسة الجنسية , بأعتباره جهد علمي يفرض نفسه , دون الحاجة الى القصة الخرافية الدينية وتأويلاتها من خلال الخزعبلات التي يؤمن بها الناس , محاولا هضم الانتاج العلمي ليستطيع ربط حياتهه بتلك الحقائق قدر المستطاع , دون ان يظل اسيرالغباء العاطفي لسلطة العقل الديني . كل انسان لايقبل البحث العلمي المبني على العقل , ويتمسك بماضيه الديني يقرأ ويفسر النظرية الدينية حسب مزاجه التي ليس لها اساس من البرهنة , ولاينظرالى المستقبل , يخطأ أكثر مما يصيب في الاشياء .عندها يصبح انسان أمي وجاهل في نظرالانسان العصري , لان أمية اليوم تختلف عن أمية الامس , حيث كان الامي هو الذي لايعرف القراءة والكتابة , ثم أضافة اليها الذي لايجيد لغات آخرى متقدمة الى جانب لغة الام , واليوم هو الذي ليس لديه المام بالمواضيع والمفاهيم المتعاملة معه, والذي لايعرف استخدام الانترنت وتكنولوجيا المعلومات بصورة صحيحة ومفيدة , هذا وقد تضاف أشياء أخرى في المستقبل , وهكذا الحال مع عقدة العقل الديني وجناته . يا ترى ماهو دافع العقل الديني من خلال تضخيمه وتقديسه للاشياء التي لا لزوم لها ليحاسب الناس كأنه سلطان الحقيقة ؟ ولماذا يفرض سلطته على عقل الانسان و يرافقه من مهده الى لحده ؟ هل هو لخير الانسان ؟ أم لبقاء اسم وهيبة ومكانة الدين عالية في العقل الباطن للانسان ؟ والى متى يريد المضي قدما هكذا ؟ والى ماذا يريد ان يوصل الانسان بهذه الوظيفة ؟ وما هو مصدره ؟ الم يتعب هذا العقل ؟ الم يتشييخ ويستحق التقاعد ؟ ولماذا لايقدم استقالته ؟ ومتى يستسلم ويتنازل كليا عن عرشه ويترك الساحة للفكر المنفتح الذي يبدع في انجازاته ؟ فبألامس كان الاعتذار واليوم يجبرعلى أن يسامح وننتظر جديد الغد منه , حتى لايقف حجرعثرة في طريق انفتاح العقل وتقدم الانسان الذي يطمح الى معرفة وقائع الماضي والتنبؤات بأحداث المستقبل بطرق علمية مدعومة بالبينات والتجارب لابالخرافات والغيبيات. على هذا الاساس لو نقسم المجتمع الازيدي بمقياس قول الاديب والمفكر ابو علاء المعري . حيث يقسم اهل الارض الى مجموعتين , ذوعقل بلا دين وذو دين بلا عقل , يكون انتمائه الى الثانية , على الرغم من ان العقل والدين متواجدان في كل نفس مع اختلاف درجة النسبية . اما اذا نغربله حسب منظومة الافكار الدينية ومبادئها , جماعة يمارسون الدين حسب المزاج , يختارون ما تشتهيه أنفسهم , وجماعة يدعون ان الدين بمقوماته كامل لايجوزالاختيار. يكون نظريا مع الكاملين وعمليا مع المزاجيين .اما اذا نحاسبه على مستوى التخلف أوالتقدم يكون من المتخلفين وذلك لانه لم يستطيع التخلص من حالة التخلف وما يزال ياخذ ويتمسك بها حتى اصبح شعب الله المحتار في عالم اليوم دون ان يحاول عبور هذه المرحلة والالتحاق بعقل الله المختار. لهذا يحتاج المجتمع الازيدي الى الاتصال بالحقل العلمي والاخذ به , لانه الوحيد القادرعلى خلقه من جديد ,أي برمجة عقله ليعرف من يكون وماهو وظيفته , حتى يتمكن من ان يتحول الى مجموعة ذوات عقل , ويختارالشيء الذي يفيده , ويخرج من حالة تخلفه . عندها يتجاوز مرحلة التأثيرالديني , ويدخل مرحلة تقبل العقل العلمي ويمارسه . مطبقا قول الاديب والمفكر المصري طه حسين في كتابه ( مستقبل الثقافة في مصر) لسنة 1938م , التي اثارة جدالا في المجتمع الشرقي حيث يقول فيها (علينا اقتباس الحضارة الاوربية الحديثة خيرها وشرها حلوها ومرها وانه من اجل حلوها علينا تحمل مرها) .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة