"دم الصنوبر" عبدالوهاب طالباني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

قيل الكثير في الترجمة، وخصوصا في ترجمة النص الادبي، وبالاخص ترجمة الشعر ، النوع الاكثر صعوبة ، فالمعروف ان ترجمة الشعر تاخذ ابعادا غير ترجمة المفردة والمعاني ، فتكون تلك الابعاد غير اعتيادية في التفسير والبحث عن المعاني والصيغ البلاغية التي قد تكون غريبة عن اللغة المترجمة اليها ، والامر يكون ايضا غير سهلا ابدا عندما يحاول المترجم اعادة تشكيل الرؤى الاصلية بمفردات وجمل لغة اخرى و النفاذ الى روح النص الاصلي واجواء الثقافة الاتية منها ، وهو اشبه بحالة بحالة صراع يخوضها المترجم بين ثقافتين مختلفتين لهما تجلياتهما الخاصة في التعبير والبوح، وقد يفهم من المسألة كأنها اعادة لكتابة القصيدة بلغة اخرى ، ففي رأي الكثيرين من المختصين في هذا المجال انه يصعب دائما ان يكون مستوى الشعر المترجم موازيا لمستوى النص الاصلي في الحبكة والتماسك والبلاغة والصورة الشعرية غير المسبوقة، وهناك من يقول ان النص المترجم قد يكون اكثر بلاغة من النص الاصلي او قد يكون في مستوى ادنى منه ..وهنا يأتي التركيز على اهمية اهلية المترجم في تمكنه من اللغتين واستيعابه لاجواء اللغة التي نظمت القصيدة في رحابها، ومن هنا ايضا تأتي ميزة الشاعر والمترجم والصحفي بدل رفو المزوري في انشغاله بترجمة النصوص الشعرية الكوردية الى العربية لانه يتعامل مع لغته الام "الكوردية" التي ينتمي اليها روحا ووجدانا ، ومع "العربية" التي تعلمها واجادها منذ صغره وساح في عالمها الجميل وكتب بها اغلب نتاجاته الشعرية والثقافية العامة. وهذا ما يجعل المتلقي ، ايا يكون ، امام سؤال ملح وهوعلى اي من الثقافتين تحسب نتاجات المزوري " عدا اعماله الخاصة بالترجمة" ومن مثله من الكتاب الكورد الذين كتبوا الكثير بالعربية؟ والحالة نفسها موجودة عند العرب في شمال افريقيا الذين يكتبون بالفرنسية والكورد الذين يكتبون بالتركية وغيرهم ، في الحقيقة لسنا هنا لمعالجة هذه "الاشكالية" لانها تتحمل الكثير من التحقيق والدراسة ، وثمة اراء متنوعة حولها...

ولنعد الى موضوعنا الاساس...

ففي جهد ادبي خلاق ، اصدر الشاعر والمترجم بدل رفو المزوري مؤخرا كتابا بعنوان "دم الصنوبر "* يحمل بين دفتيه قصائد للشاعر الكوردي الدكتور بدرخان السندي، وهو بهذا العمل اختارالدخول في مكان يعقد فيه الشعر الكوردي واحدا من مهرجاناته الجميلة المملوءة بالكثير من التجليات العابقة بضوع العشق والجمال ، وبشهقات الحزن والالم ، وبحب لاحدود له للوطن .

كتب الناقد ابراهيم قهوايجي (المغرب) مقدمة رشيقة للكتاب جاء فيها:

"..ان الشاعر والمترجم بدل رفو المزوري دخل منذ زمن غمار الترجمة الشعرية على قاعدة "امكان غير الممكن"، وهو يملك من الذائقة والحساسية والذاكرة القوية والحضور الذهني المتفتح والقدرة على الابداع ما يؤهله لان يكون ناجحا في ترجمة الشعر من خلال ابلاغ رسالة النص والحفاظ على قدرة الامتاع..". ان مقدمة ابراهيم قهوايجي شهادة مهمة لصالح ما "فعله" المزوري.

ومن جهة اخرى وفيما يخص النصوص الاصلية التي ترجمها المزوري ، فانها"النصوص المترجمة" تتميز بغنائية تكاد تشمل معطم نتاج الشاعر بدرخان السندي الشعري ، لذلك اختار عدد من كبار الفنانين الكورد بعض قصائده ليؤدوها في اغان جميلة ما زالت تسمع من الاذاعات الكوردية وقنوات التلفزيونات الكوردية ، ومن هؤلاء الفنانين تحسين طه وكولبهار وفؤاد احمد وغيرهم ، وقد استطاع بدل رفو المزوري ان يوصل الذائقة الكوردية التي كتب بها السندي قصائده الى العربية باسلوب اخاذ ولو انه كان وفي كثير من الاحيان ضحية التشبث بترجمة الكلمات في سبيل ان لا "يخون " النص الاصلي ، وهذا في اعتقادي امر لابد منه في كثير من الاحيان ومهما بلغ المترجم من كفاءة ومقدرة على ترجمة النص الشعري ، اذ يبقى "كما قيل" وجه السجادة الظاهر دائما مختلفا عن وجهه الثاني.

يعرف السندي "القصيدة " قائلا:

القصيدة

لحطة عارية

لحظة تنكشف عنها كل الحجب

والمسببات...

فلاشيء يغتال القصيدة

كما هي المبررات والمسببات...

وللشاعر بدرخان السندي قصيدة مشهورة ، من حسن الحظ كانت من جملة القصائد التي ترجمها المزوري في "دم الصنوبر" ، وهي بعنوان"ما بوسعي ان افعل؟" وفيها يثير الشاعر تساؤلات انسانية وقومية عديدة تلخص في الحقيقية كوامن الشاعر وموقفه ازاء قضية شعبه ، ويلعن القدر الذي جعله لا يستطيع ان يفعل شيئا تجاه كل تلك الوقائع المرة، ولكنها في المقلب الاخر يوحي بمعني ضمني اخر يحث فيه ابناء جلدته على استيعاب معاني تلك التساؤلات ورفض الانصياع لها او جعلها كاقدار حتمية .

يترجم المزوري بعض ابيات القصيدة فيقول:

أن ابت غيوم شباط ان تطلق وابل مطرها

ما بوسعي ان افعل؟

وان جهل ربابنة البحار العوم

مابوسعي ان افعل؟

وان لم يحمر الجمر في موقده

ما بوسعي ان افعل؟

وان لم يكتشف احد داء قلبي

ما بوسعي ان افعل؟

ويستمر الشاعر في تساؤلاته عن الاقدار التي احاطت بقومه وهو لاحول له ولاقوة مرددا دائما:

وان لم يكتشف احد داء قلبي

ما بوسعي ان افعل؟

ترجم المزوري في "دم الصنوبر" 30 قصيدة للسندي ، وقدم شروحات مهمة للرموز الكوردية والاسماء التي تضمنتها القصائد ، اذ انها بالتأكيد تساعد القارئ العربي على سبر اجواء ومديات تخيل الشاعر واكتشاف جماليات صورالقصلئد .كما كتب في نهاية الكتاب سيرة ذاتية للشاعر الدكتور بدرخان السندي المولود في قضاء زاخو ، و تخرج من جامعة بغداد ، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة ويلز في بريطانيا ، وعاد مدرسا لعلم النفس بجامعة بغداد ، منتميا في الوقت نفسه الى الصحافة الكوردية ناشرا مجلتين وعددا كبيرا من المقالات الادبية والدراسات والقصائد والمتابعات الثقافية في المجلات والصحف الكوردية والعربية ، ومنتميا لاتحاد الادباء الكورد واتحاد الادباء العراقيين ، وهو يرأس الان تحرير صحيفة "التاخي" لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

ويتضمن الكتاب ايضا سيرة ذاتية للمترجم بدل رفو المزوري من مواليد الشيخان بكوردستان وخريج قسم اللغة الانكليزية بجامعة بغداد والناشط في الكتابة باللغتين العربية والكوردية وفي مختلف المواقع والمجلات والجرائد الكوردية والعربية التي صدرت وتصدرفي كوردستان وبغداد وفي عواصم اخرى.

"دم الصنوبر" يتكون من 154 صفحة من القطع المتوسط ، طبعت طبعته الاولى 2010 بمطبعة هاوار بدهوك ، وهو من منشورات اتحاد الادباء الكورد بدهوك ، صمم غلافه واخرجه محمد ملا فندي.

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة