المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني : ... عبدالوهاب طالباني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

"حق تقرير المصير" من هدف مؤجل الى ستراتيجية قومية للبارتي

في تطور سياسي نوعي كبير في المسيرة النضالية للحركة الوطنية الكوردية في هذه المرحلة اعلن الرئيس مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيس اقليم كوردستان في كلمته امام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثالث عشر للبارتي السبت 11.12.2010انه :
"بالاتكال على الله سنطرح مسألة تقرير المصير للشعب الكوردي امام اعضاء المؤتمر باعتبار الحق جوهريا واستكمالا لجهود المرحلة السابقة نطرح ذلك امام النقاش والتحليل والدراسة" ، مؤكدا ان "المرحلة المقبلة تنسجم" مع ذلك
.

وفي خطاب باللغة الكوردية القاه الرئيس مسعود بارزاني رئيس اقليم كوردستان وجرى ترجمته انيا الى عدة لغات منها العربية و امام رئيس الجمهورية جلال طالباني ورئيس مجلس الوزراء نوري المالكي ورئيس مجلس النواب اسامة النجيفي ، قال بارزاني "ظلت المؤتمرات السابقة للحزب تؤكد ان الشعب الكوردي يملك حق تقرير المصير. اليوم يرى الحزب ان المطالبة بحق تقرير المصير والكفاح السلمي لبلوغ الهدف تنسجم مع المرحلة المقبلة
"..

واضاف ان "الحزب وضع اهدافه بالارتكاز على نهج واقعي ودراسة موازين القوى والمعدلات السياسية وعلى هذا الاساس حدد اهدافه مرحلة بعد مرحلة في اطار مطالبته بالديموقراطية والحكم الذاتي والفدرالية في كوردستان".

وفي الواقع ان ايمان الحزب الديمقراطي الكوردستاني بحق تقرير المصير للشعب الكوردي ليس امرا جديدا ، فهذا التوجه كان وما زال موجودا في نهج وادبيات الحزب ، ولكن الحزب كان دائما يؤكد ان عراقا فيدراليا ديمقراطيا يقر بحقوق الشعب الكوردي وفق النظام الفيدرالي سيكون هو الهدف الرئيس لهذه المرحلة ، ولكن اي تطور يؤدي الى انتكاسة في النظام الفيدرالي الديمقراطي الذي اقره دستور البلاد بعد سقوط الدكتاتورية سيؤدي حتما الى ان يكون للكورد موقفا اخر ينسجم مع التحديات التي ستواجه المكاسب الكوردية ، اذ ان البارتي و شرائح كوردية كبيرة داخل الاحزاب الكوردستانية الاخرى ترى ان اي انتكاسة في النهج الديمقراطي الفيدرالي ستعيد الى الاذهان صور ماسي الانفالات والقصف الكيماوي وترحيل وتغييب وقتل الاف البارزانيين والكورد الفيليين و الكورد الايزديين ، مما ستجعل الكورد امام خيارات اخرى يجب ان يتهيئوا لها.

ومن جانب اخر اكد في كلمته على نقطة جوهرية اخرى في سياسات البارتي على انه "لايمكن المساومة على هوية كركوك"، مشيرا الى أن تطبيق المادة 140 من الدستور سيزيل الظلم والاستبداد عن الكورد.وحسب خبرتي المتواضعة ومواكبتي لنضال الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتشرفي كون احد بيشمركته في مرحلتين مهمتين في حياتي 1963 و1974 فانني اعتقد جازما ان القيادة البارزانية لا تطلق الشعارات جزافا ، فقد انبثقت هذه القيادة من الجراح الكوردية ومن نزيف الدماء الطاهرة التي سفكت في ثورات وانتفاضات امتدت لاكثر من مائة عام ومن حب الحرية والانعتاق الذي يملآ جراح الانسان الكوردي ، لذا على القيادات العراقية والاقليمية والدولية ان يفهموا بأن مسعود بارزاني جاد في كل ما يقوله ، وسلاحه الامضى هو ايمانه بالديمقراطية والعدالة ورياح التغيير التي يجب ان تهب على انظمة القهر السائدة في المنطقة ، وايمانه بقدرات الشعب الكوردي نفسه وبتيارات التقدم النامية في المجتمعات المحيطة بكوردستان التي تؤمن بعدالة القضية الكوردية .


وقال البارزاني في كلمته إننا "سننظم علاقاتنا مع كل الأطراف على أساس احترام محتوى الدستور العراقي، الذي يضمن حقوق الجميع، ومراعاة المصلحة العليا"، مؤكدا "أننا سنؤكد أننا سنكون نموذجا للتعايش والتسامح والتآخي، ولكن لا يمكن المساومة على هوية كركوك".


وحتى لا نسبق الاحداث ، فموضوع اقرار "حق تقرير المصير" كستراتيجية للبارتي ، الذي اشار اليه الرئيس بارزاني سيخضع الى مناقشات جادة ومعمقة من قبل ممثلي المؤتمر ، وقد يتم تبني الاستراتيجية الجديدة التي سيكون العمل من اجلها وفق سياسات سلمية ووفق ممارسات ديمقراطية تتحكمها الكثير من العقلانية التي تميز بها البارتي وقيادته الحكيمة في كافة مراحل النضال ، او قد يؤجل تبني تلك الستراتيجية الى مرحلة اكثر ملاءمة ، ولكن الطريقة التي اطلق بها الرئيس بارزاني الفكرة تلوح الى ان نية واضحة المعالم قد جرى تأسيسها في ضمير القيادة السياسية التاريخية للبارتي وذلك لعدة اسباب ، منها وحسب رأيي المتواضع:

- ان قيادة البارتي ادركت ان مواقف القوى السياسية العراقية بعد اسقاط النظام الدكتاتوري لم تكن بمستوى الحدث ولم تستطع ان تتطور بل تراجعت الى الوراء وما زالت تواصل تراجعها ، وظهرت قوى تلعن تحرير العراق ، وتتباكى على النظام الدكتاتوري ، وفي الشأن الكوردي كانت تلك القوى تتقدم خطوة الى الامام لترجع ثلاث خطوات الى الوراء في كل شيء ...في محاولات التنصل من النظام الفيدرالي الديمقراطي الذي اقره الدستور العراق الحالي ، و تأكيدا ت بعض القوى السياسية العراقية من السنة والشيعة على "اهمية تعديل الدستور" التي لا يراد منها الا التوجه الى قضم الجرف الكوردي وتحجيمه قدر المستطاع والاجهاز عليه تماما في الوقت المناسب . وهذه التخبطات والتراجعات باتت امرا ملموسا على كثير من الاصعدة ، مثل عدم قبول تلك القوى بالفيدرالية ، وتهربهم منها ومن استحقاقاتها ، واعتبارها جريمة بحق العراق وشعبه ، وعلى سبيل المثال ، وحتى في كلمته امام المؤتمر الثالث لم ينطق رئيس البرلمان العراقي "النجيفي" وحتى من باب المجاملة بأي كلمة تعني الفيدرالية او النظام الاتحادي وتهرب منها بطريقة مثيرة للريبة وللضحك في ان واحد ، مما يبين ضيق عقله وعدم تمكنه من ان يستوعب التغيير الذي حصل في العراق ، على الرغم من ان الفيدرالية هي نظام لادارة البلاد اقرها الدستور...هذا بالنسبة لرئيس البرلمان العراقي الذي من المفروض ان يحترم الدستور ويدافع عن مضامينها .. فكيف بالاخرين؟ .

اليس من الغريب ان لا تعمد اي محطة اعلامية عراقية عربية على عرض العلم الكوردستاني حتى ولو عن طريق الخطأ على شاشاتها في اية نشرة اخبار او تقرير صحفي ؟ الا يدل هذا المثال البسيط جدا على ان الكورد يدقون على حديد بارد وان الطرف المقابل ، بغض النظر عن معسول الكلام في المناسبات ، لا يستطيع تحت اية ظروف استيعاب الحالة الكوردية الجديدة وانها قد تحاول ايجاد الفرصة المواتية " وهذا مستحيل بالشروط الحالية لاوضاع العراق" للقفز فوق المواد الدستورية الخاصة بحقوق الشعب الكوردي وبقية القوميات.

- التلكؤء او خلق العراقيل في طريق تطبيق المادة 140 ، واستمرار عملية تعريب كركوك ومناطق ديالى ونينوى الكوردستانية المستقطعة وفق سياقات العهد الصدامي ولكن تحت تبريرات جديدة ومفضوحة الاهداف ، في حين ان كوردستانية كركوك وتلك المناطق المستقطعة مسألة " لايمكن المساومة عليها" حسب السياسات الاستراتيجية للبارتي وحليفه الاتحاد الوطني الكوردستاني ايضا.

- والاثار السلبية لتصريحات وزير النفط المكررة الرافضة لاتفاقات حكومة كوردستان النفطية على الرغم من قانونية ودستورية تلك الاتفاقات.

- وعدم هضم القيادة السياسية الكوردستانية للسياسات الدينية المتشددة لاكثرية الاطراف الداخلة في العملية السياسية العراقية عبر السلطتين " التنفيذية والتشريعية " في بغداد التي ستجعل العراق (الجنوب والوسط) في حالة من تخلف مستديمة مملوءة بالصراعات بخلاف الجزء الكوردستاني الديمقراطي العلماني المتقدم والمتطور الخالي بنسبة كبيرة من اي صراع خطير ، مما يؤدي في اخر المطاف الى حالة تنافر وعدم انسجام حقيقي بين اوضاع الشمال والجنوب ، وهو ما يحدث الان فعلا ، وفي هذه الحالة اصبح لسكان كوردستان الحق في ان يتساءلوا عن جدوى استمرار هذا الوضع غير السليم.

- تهرب الحكومة المستمر من اجراء الاحصاء العام للسكان على الرغم من اهميته القصوى في التخطيط لمستقبل البلاد الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والعمراني ، فقط لان ربما الكورد قد يستفيدون من نتائجه في مسألة الميزانية وتطبيق المادة 140، ومحاولةالحكومة عبر وزير التخطيط رفع حقل القومية من استمارة الاحصاء ( حتى الدكتاتور صدام لم يتجرأ على التفكير بهذا الفعل) وفقط لمعاداة الكورد وحتى اذا كان فيه ضرر لباقي العراقيين.

- الاحترام والثقة الكبيرة التي نالتها قيادة البارزاني الحكيمة من لدن الكثير من دول العالم نتيجة ادائها المتقدم والجيد والحضاري في مختلف مناحي الحياة ، جعلت جنوب كوردستان بؤرة للامان والتقدم والحرية والرفاه والعدالة وسط انظمة غارقة في ظلام الدكتاتورية والسياسات العنصرية ، وهذا هو احدى الاوراق المهمة التي جعلت الملف الكوردي في المكان اللائق في السياسات الدولية في الشرق الاوسط ، لذلك فالبحث عن مستقبل امن وحر لشعب كوردستان يبقى من المهمات التي يجب ان يضطلع بها البارتي بالتنسيق التام مع حليفه الستراتيجي الاتحاد الوطني الكوردستاني و الاحزاب الكوردستانية الاخرى ، وبالاعتماد على عقل متفتح واع لكل المتغيرات والمعادلات السياسية ، وبالاعتماد ايضا على قدرات شعب كوردستان.

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة