مجازر الأرمن السابقة و العنف ضد المسيحيين اليوم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

يسجل تاريخ الشرق الأوسط لنفسه سجلا غير مشرّفا من تنكيل و قتل و اضطهاد و تهجير و كل انواع التمييز وبالذات في البلدان التي تمركزت فيها الديانات غير المسلمة ، إذ لاقت شعوب تلك الديانات الويلات ثم الويلات بسبب عقيدتهم التي اختلفت عن عقيدة حكام البلدان المعنية ، و طالما عُوملت معاملة الخارجين عن الدين و طوع الله فَوجب قتلهم و ابادتهم او تغيير ديانتهم .. و من هذه الأعراق ( المسيحية و الأيزدية ) .

بما أن الأزمنة مختلفة و الأساليب متغيرة ، الا أن الهدف بقي هو ذاته و لم يتغير . و رغم مرور مئات السنين و محاولات الشعوب غير المسلمة العيش في أوطانها بسلام و آمان ، لكنها بقيت دائماً تحلم بذلك و استمرت تهاجر من وطن الى آخر تاركة ورائها إرث حضارتها الذي نسجته بعاداتها وتقاليدها وسطرت وبشموخ تاريخها و بأحرف من ذهب ، و كانت دائما معطاءة للوطن ، تفديه بالغالي و النفيس و لم تساوم بيوم من الايام على مواطنتها ..

ففي الماضي ، كان السلطان العثماني او الحاكم يصدر فرماناً ( كلمة الفرمان = القرار ) بشن حملات شرسة على الشعوب التي اختلفت مع الدولة التركية في العقيدة والقومية رغم انها كانت شعوب تعيش في دولة تركيا المتمثلة بالدولة العثمانية حينذاك ، لها أراضي و املاك فيها و تخدم الدولة مثلما يخدمها التركيّ في النسب و العرق ، لم تشفع لها في أن تكون بمأمن عن تلك الأفكار المريضة و التي حاولت دائما النيل من عقيدة الغير .. اما اليوم و بذات النهج تحاول المجموعات المتطرفة والتي تنبذ كل شيء غير مسلم النيل من الأقليات والمكونات التي تختلف معها في العقيدة والدين كالتي يجري من خلال اصدار فتاوى وتهديدات بقتل واستهداف المسيحيين في كل ارجاء العراق و شن الهجمات الانتحارية عليهم بغية افراغ العراق من شعبه المسيحي الاصيل ، و كذا الحال بالنسبة للصابئة والايزديين الذين يتعرضون لهجماتهم واصبحوا أهدافاً لمآربهم .

قلنا أن الشعوب غير المسلمة معطاءة و وفية لأوطانها ، إذن .. ما هي المشكلة ، طالما هي معطاءة للوطن و لا تساوم عليه ؟

(1)ظهرت بارقة امل جديدة للشعوب المغلوبة على امرها ، والتي كانت تشكو من سياسات سلطان عبد الحميد الاستبدادية بعد استلام جمعية الاتحاد و الترقي دفة الحكم في الدولة العثمانية في سنة 1908 حيث وعدت السلطات الجديدة بالمساواة بين جميع المواطنين امام القانون ولكن الاتحاديين سرعان ما كشفوا عن نواياهم الخبيثة و سياستهم الطورانية تجاه القوميات غير التركية و نادوا بسيادة العنصر التركي على كافة الشعوب و القوميات داخل الامبراطورية العثمانية والتي باتت تعرف ( بالرجل المريض) . لذا فلم يكن عهد الاتحاديين افضل من سابقيهم بالنسبة للأرمن والقوميات الاخرى حيث استؤنفت في عهدهم سياسة المجازر مرة اخرى ، بل وبشكل اكثر بشاعة من قبل .

المهم في الامر انه بعد سنة من استلام الاتحاديين للحكم ــ أي في سنة 1909 اقاموا مذبحة جديدة للأرمن في مدينة ( ادنه ) ادت الى مقتل (9000) أرمني بريء خلال اسبوع واحد . الامر الذي دفع ببعض المصادر الى القول ( لم تكن مذابح سنوات 1894 ــ 1909 شيئا من حيث الفظاعة و البشاعة اذا قارناها بالمذابح الارمنية التي قامت في سنة 1915 و في السنين التي تلتها ، بعد اتخاذ القرار النهائي في جلسة سرية من قبل اعضاء قيادة الاتحاد و الترقي و مجلسه الاعلى بإبادة الأرمن عن بكرة أبيهم . اصدرت في سنة 1915 قانون التهجير الارمني و بموجبه تم تهجير الآلاف من الأرمن الى الصحارى العربية وروسيا وارمينيا وجورجيا وغيرها و تم اسكان الاتراك في قراهم و مدنهم .

ابتدءا من شهر كانون الثاني سنة 1915 بدأت مرحلة جديدة من عمليات النفي و قتل الأرمن نظرا لتشعب الاحداث وكثرتها ولا يتسع المجال للخوض في ذكر كل الاحداث . ((مجازر الأرمن في سنوات 1894 – 1918 و كانت أشرسها مذابح سنة 1915 و التي راح ضحيتها مليون و نصف قتيل من الأرمن المسيحيين ))..

و بهذا الشكل .. هاجر الأرمن المسيحيون تركيا او بالأحرى هربوا منها بسبب تلك الويلات ، وانتهج الايزديون ذات الأمر ، ففرّوا من تركيا الى مختلف البلدان في جورجيا و سوريا والعراق و اوروبا .

في هذه الأيام .. يعيد التاريخ نفسه و انما باسلوب جديد مع التأكيد أن الهدف هو نفسه والاشارة الى أن الاسباب هي ذاتها . فبعد أن كانت الدولة هي التي تشن الحملات على الأرمن والشعوب غير المسلمة ، أصبحت القوى التي تسمى بالمتشددة اسلامياً هي التي أخذت على عاتقها تكملة مشوار الحملات و ابادة الشعوب غير المسلمة في البلدان ذات الاغلبية المسلمة ومثال على ذلك ما يجري في العراق بحق أبناء الديانة المسيحية من قتل وتهديد حتى وصل الامر بتلك المجموعات المسلحة في أن تقتل الأبرياء والرضع ورجال دين أثناء مراسيم القداس في كنيسة سيدة النجاة ببغداد والتي سبقتها ولحقتها تهديدات مباشرة بضرب واستهداف المسيحيين وممتلكاتهم وما يخصهم أينما وجدوا و متى ما سُنحت الفرصة بذلك والحجة في ذلك تكاد تكون مضحكة و هي أن سيدة مسيحية من أقباط مصر قد أسلمت وأهلها حبسوها في دير او مكان لعبادة الأقباط (( يا للمفارقة .. قتلوا 24 عاملاً أيزدياً من المدنيين العُزل و هم عائدين من عملهم في مدينة الموصل قاصدين بيوتهم في بعشيقة و بحزاني قبل سنوات بحجة أن فتاة أيزدية أسلمت و قُتلَت فيما بعد على أيدي اقربائها في حين كانت القضية عبارة عن حادثة شرف وغسل العار كما هو معمول به في كل بلدان الشرق الاوسط و منها المجتمعات الاسلامية مع تحفظنا الشخصي و تنديدنا بطريقة قتلها البشعة ، و تم ضرب قريتين أيزديتين بسيارات مفخخة في شنكال – سنجار - لذات السبب و راح ضحيتها ما يقارب 400 من أفراد القريتين أغلبهم كانوا من النساء و الأطفال و كبار السن )) ، و ما أحداث القتل ومحاولات القتل الفردية بحق المسيحيين في الموصل الا أدلة واضحة فيما تذهب وتطمح اليها تلك المجموعات من تنفيذ تهديداتها ، رغم وقوف الجهات الرسمية في حكومة العراق ببغداد والموصل ضد تلك الهجمات وتعاطفها مع المسيحيين ومنها ما نادى بها السيد محافظ الموصل عندما شدد على ضرورة نشر ثقافة الآلفة والتسامح في المدينة ، لكنها تكاد تكون غير فاعلة بسبب توسع نشاط تلك الجماعات المتشددة و التي أخذت تمارس كل انواع الارهاب من اجل تنفيذ مخططاتها و لعل حادثة قتل الشقيقيّن المسيحيين في وادي عكاب بمدينة الموصل لخير دليل على ما نتحدث عنه وكذلك محاولة الهجوم على عائلة مسيحية في حي البكر لكن الجيران وقفوا بالضد من المجموعة المهاجمة وأفشلت هجومها هي الاخرى تثبت على أن القوى المتشددة لها يد طويلة و قادرة على ارغام المسيحيين بالهجرة و الهروب من وطنهم العراق .

كل هذه الأحداث و الاعمال الارهابية هدفها افراغ العراق من شعبه المسيحي ، ويمكننا القول في أنهم باتوا قريبين جدا من تحقيق مخططاتهم . إذ بدأ أبناء الديانة المسيحية في العراق بالهجرة و الرحيل الى البلدان الاخرى فعلاً و لاسيما الاوروبية منها بعد ان شعروا بجدية المخاطر التي تنتظرهم وتنتظر مصيرهم المحتوم و بعد ازدياد مطالبة المسيحيين في الخارج و دعواتهم لمسيحيي العراق بضرورة توخي الحذر ومحاولة ترك العراق قبل ان يلقوا مصيرهم على ايدي أحفاد جمعية الاتحاد و الترقي والسلطان العثماني ( نقول أحفادهم لأنهم سائرون بذات النهج الذي كانوا يسيرون هم عليه ) .

الحالتان متشابهتان .. في بدايات القرن الماضي و ما سبقه ببضع سنين ، غادر الأرمن فارّين من تركيا ، تاركين ورائهم أوطانهم وأملاكهم وأراضيهم وكل ما يرتبط بهم من اجل الظفر بحياتهم . و في هذه الأيام يترك المسيحيين وطنهم الغالي على قلوبهم .. هذا الوطن الذي بات مقبرة لهم بسبب فتاوى القتل بحقهم من قِبل الجماعات الاسلامية المتطرفة و منها ما تسمى بإمارة الدولة الاسلامية في العراق .. و بالفعل اصبحوا يرحلون منه الى البلدان المجاورة في انتظار حصولهم على فرصة الخروج من الشرق الأوسط نهائياً متوجهين الى بلاد اوروبا والغرب حفاظاً على أرواحهم ومستقبل أرواح أجيالهم .

 ومما يجدر الاشارة اليه في أن الايزديين هم أيضا نالوا حصتهم من حملات الابادة والفرمانات التي أصدرتها القوى الحاكمة بوقتها ( سنوات المجازر بحق الأرمن في تركيا ) ضدهم بسبب عقيدتهم الدينية المختلفة عن ديانة صاحب الفتوى و الفرمان ، إذ يكفينا في أن نشير الى حملتيَن فقط من تلك الحملات حتى يمكننا القول في أن الدين كان و ما يزال سببا رئيسياً في محاولات العنف والقتل بحق شعوب الأديان غير المسلمة و هي (2 )(( حملة الأمير الأعور سنة 832 – 834م ، وحملة فريق عمر وهبي باشا 1892 – 1893م على الأيزديين في منطقة شنكال )) .. كنماذج على نشر العنف و الكره الديني .

أخيرا ينبغي علينا القول في ان المسلمين المتشددين، وليس الاسلام، هم من قاموا بتلك الحملات على المكونات الدينية غير المسلمة ولا زالت تلك العقول وبذات المفاهيم تمارس طقوسها العنيفة والمتشددة تجاه الديانات الأخرى في سبيل تغيير أفرادها لعقيدتها او ترك أوطانها التي عاشوا فيها مئات السنين ، وضحوا بالغالي والنفيس بسبب عشقها للوطن و معنى حب التمسك به ..

هناك أمثلة حية و خيّرة و لها تأثيرها ، تعيش في المجتمعات الشرق الأوسطية و ما يخصنا هو المجتمع العراقي ، ينبغي عليه في أن يجد لها الأرضية المناسبة في تفعيل الجانب الخيّر ونشر ثقافة التسامح والسلام ما بين الشعوب كافة .. و لعل هذا يقع على عاتق المنابر الدينية بالوجه الخصوص ثم على الحكومة ( نقول المنابر الدينية قبل الحكومة ، لأن الوضع العراقي أصبح هكذا في هذه الفترة وأصبح القرار الديني ينفذ أكثر من القرار الحكومي ) .. لذلك من واجب تلك المنابر نبذ العنف وقتل الآخر بسبب ديانته وعقيدته وبأعلى صوت ، وفضح كل مظاهر التشدد ومنابع التفرقة . لعلنا نلحق بأنفسنا ونحافظ على ما بقي منا ونتحرر من هذا الخوف الأزلي ، الذي بات يعشعش معنا من جيلٍ الى آخر و من حُكمٍ الى آخر .. فالأديان وجدت لمعرفة الله و نشر الخير و ليس لقتل الانسان والعمل مكان عزرائيل في تنفيذ قضايا قبض الأرواح و الاستعجال بالآجل المحتوم قبل أوانه .

________________

(1) : موقف الكورد الايزيديون من المذابح الأرمنية 1894 ــ 1918  / قادر سليم شمو ( شبكة لالش الاعلامية ) .

(2) معلومات من قادر سليم شمو / أستاذ في قسم التاريخ بجامعة دهوك .

مصطو الياس الدنايي / سنجار

26 / 11 / 2010

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة