فرسان جُدد لحملة قديمة ...

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

لم يكن يطرأ على بال أي مواطن عراقي كان ينتظر زوال الحكم الدكتاتوري البعثي الفاشي ويناضل في سبيل سقوط ذلك الحكم الأهوج ويلاقي ما يلاقي من القمع الهمجي لذلك النظام المقبور ، ان يعيش تلك الأجواء التسلطية الهوجاء ثانية بعد سقوط رواد الحملة الإيمانية القدامى . لقد برز قادة جدد لحملة قديمة قادها النظام الساقط ليعوض فيها عما كان يصيبه من إتنكاسات يومية أفلست من خلالها جعبته السياسية التي لم تجد ما تقدمه للمواطن بما يتناسب وطموحاته في حياة حرة كريمة مرفهة في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم يعيش أهله على ما ينتجه الآخرون . لقد ظلت سياسة الدكتاتتورية الحمقاء تجتر الشعارات البالية وتبتكر شعارات جديدة تسعى من وراءها إلى التعتيم على النهج الظلامي التي سلكته واستمرت على سلوكه الذي أرادت أن تربطه بالدين بعد أن جرده الواقع من كل مقومات وجوده السياسية والإقتصادية والفكرية والإجتماعية . شعار الدين الذي رفعته البعثفاشية السوداء من خلال حملتها الإيمانية آنذاك لم تزد النظام الدكتاتوري إلا إستهزاءً به من قبل الجماهير التي عرفت ماهية هذا النظام وفضحت ألاعيبه الخبيثة في الإلتفاف على المصالح الحيوية للجماهير . وبالرغم من اللعب بورقة الدين هذه وبالرغم من الحملة الدعائية الهوجاء التي رافقت حملته الإيمانية ، بالرغم من كل ذلك فقد سقط النظام المقبور غير مأسوف عليه ولم تنفع معه كل تلك الأكاذيب التي جعل الدين واسطته فيها لممارسة القمع على الناس وتشديد آلته الإرهابية عليهم .

لقد إستبشر الناس خيراً بزوال عهد الكذب والدجل خاصة فيما يخص توظيف الدين الإسلامي لمثل هذه الأغراض الشريرة التي لا ناقة للدين الحق فيها ولا جمل . إلا ان هذه البشرى لم تدم ، مع الأسف الشديد ، وذلك حينما برز فرسان جدد لتكملة مشوار البعثفاشية المقيته في ركوبها الدين لما فيه شر للدين لا صلاحه . الفرسان الجدد ، ورثة الجرذ المقبور ، كشروا عن أنياب حقدهم الأعمى على كل ما يبعث على الجمال والثقافة والفن والإبداع في وطننا ، فعبروا بذلك عن ظلامية أفكارهم وضمور عقولهم التي لم تستوعب العلم والحداثة والتقدم والتحضر ، فهرعوا إلى الدين الذي إمتطوه ليسلكوا به ذلك الطريق الذي وضعته أنانيتهم ورسمه جهلهم له ليقدموا أنفسهم إلى الشعب العراقي عبر هذا الكذب على الدين أولاً وعلى الناس ثانياً وعلى أنفسهم ثالثاً ، وكأنهم حماة الدين والمدافعون عنه وعن قيمه التي يجهلون أبسط مبادءها . فهل يمكن لأي عاقل ان يتصور بأن يتعامل هؤلاء الجهلة الظلاميون مع سارقي قوت الشعب في وزاراتهم ومؤسساتهم الحكومية التي يشرفون عليها باسم الدين أيضاً ، معاملة تضعهم في حل مما يسرقونه ، في حين توجه جل جبروتها وغطرستها لتنال من فنان أو مثقف عراقي يسعى لنشر الجمال من خلال حفلة موسيقية أو مسرحية هادفة ، جاعلة منه كافراً معادياً للقيم الدينية عاملاً على إنتهاك كيان خير أمة أُخرجت للناس .

الحملات الدينية الهستيرية التي إقترنت بإجراءات مجلس محافظة بابل ضد المهرجان الثقافي بالأمس وما سبقها من إجراءات مجلس محافظة البصرة قبل ذلك في منع الحفلات واللقاءات المختلطة ، وما جاء به فرسان الحملة الإيمانية الجدد هذه الأيام من إجراءات شملت نادي إتحاد الأدباء في بغداد ، جميع هذه الحملات التي ورثها الفرسان الجدد من سابقيهم من فرسان حملة أيمان البعث ، إن دلت على شيئ فإنما تدل على تلك العقلية المتخلفة الحاقدة على الفن والعلم والأدب والحداثة ومواصلة التلاقح الحضاري العالمي والمساهمة في مسيرة إنسان القرن الحادي والعشرين . الفرسان الإيمانيون الجدد الذين يكملون اليوم مشوار رفاق طريقهم بالأمس لا يفقهون من الدين الذي يتمشدقون به ، إذ انهم لو كانوا يعون أبسط مبادئ هذا الدين لما لجأوا إلى الإجراءات الإجبارية في فرض إيمانهم هم ، إيمان المنافقين الذي يسمح بالسرقات والرشاوي والتزوير والتلاعب بأموال الدولة والإثراء الفاحش على حساب قوت الجماهير وكل الموبقات التي يرتكبونها منذ سبع سنين ثم يسترون عوراتهم هذه بورقة الدين ، يجبرون الناس على تبني مفاهيمهم التي لم يستطيعوا أن يجعلوا من الإقناع وسيلة للتعامل معها فيما يؤمنون به من إجراءات لتنفيذ حملتهم الإيمانية الجديدة القديمة هذه . فلو كانوا يفقهودن الدين الذي يوظفونه في حملتهم الإيمانية هذه ، كما وظفه الجرذ المقبور من قبلهم ، للجأوا إلى إسلوب إقناع الجماهير بصدق ما يدعون . إلا أنهم يعلمون تماماً قبل غيرهم من الناس بأنهم فارغي العقول جهلاء بامور الدين والدنيا على السواء ، لا حجة لهم على معارضي أساليبهم البربرية هذه غير حجة القمع التي ورثووها ممن مارسها من قبلهم من رفاق الزيتوني بالأمس .

الكلمة الأخيرة ، أو بالأحرى الصيحة التي يجب ان يطلقها كل مواطن عراقي له شأن برفعة الفن والأدب والعلم في وطنه ، الرافض لسياسة نشر الظلام الفكري والعامل على إيقاف الحرب التي يشنها الجهلاء على الثقافة والفنون والآداب والعلوم في العراق الجديد ، هذه الصيحة التي يجب ان يطلقها الجميع في وجه الحكومة العراقية القادمة التي يجب عليها ان توضح مسيرتها المقبلة ، إن أرادت لوطننا الخروج من هذا النفق المظلم الذي يعمل على إطالة ظلامه كل هؤلاء الذين يتسلقون على الدين ليسرقوا وينهبوا ويثروا على حساب الآخرين . فإما أن تنحاز هذه الحكومة إلى جانب التطور الحضاري والتلاقح الفكري مع الحضارة العالمية ومع ما يتحمله المبدع العراقي في مجالاته المختلفة بعمله على إستمرارية العطاء العراقي الذي قطعت مساره الدكتاتورية الساقطة . وإما ان تستند الحكومة الجديدة في عملها القادم على هذا الرهط المتخلف في بعض مجالس المحافظات الذي يشن الحرب على الفن والعلم والثقافة والإبداع كما عبرت عن ذلك إجراءات مجالس محافظات البصرة والحلة سابقاً ، ومجلس محافظة بغداد في تعرضه لنادي الأدباء العراقيين لاحقاً.

الدكتور صادق إطيمش

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة