الكاتب الكوردي علي تتر (حوار حول الإيزيديين ومستقبلهم) ... ترجمة من الكوردية: داود مهمد خضر الماموسي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بدون شك قبل مجيء المسيحية والاسلام الى كوردستان لا بد كان للكورد دين خاص يعتقدون به. فما هو ذلك الدين او العقيدة التي كان يتبعونها؟ طبعا كانت كوردستان مركزاً لعبادة الظواهر الطبيعية المختلفة فأولى الأديان التي ظهرت كانت في كوردستان. وحسب ما تذكر بعض النصوص القديمة التي حللت من قبل الباحثين والأثريين ان عبادة وتقديس تلك الظواهر كالهواء والمطر والشمس والقمر والطوفان كانت موجودة عند الإنسان الكردستاني. كما أنهم خصصوا لكل ظاهرة من هذه الظواهر إله.

وعلى مر التاريخ وفي عصوره المختلفة فكان كثيراً ما كان يقترب إلى أذهانهم أن هذه الظاهرة أو تلك اقوى من الأخرى مع ارتفاع إله تلك الظاهرة ويقل مكان الإله المقابل لها فلهذا السبب نجد انه في كوردستان قد أصبح الشمس والنور من ابرز المقدسات بل ومن اقوى المظاهر الطبيعية قاطبة ومثلوها بـ (ميثرا) و صار من أقوى الآلهة في كوردستان وما بين الشعوب الآرية.


وبمرور حياة الإنسان نرى إن البعض من اقرانهم كانوا أكثر تأثيراً هكذا كان يجب أن تتم ما بين كل تلك الآلهة ولابد من وجود إله قوي لذا نرى انه قد ظهر مابين الشعوب (الهندو أوربية) الإله (زيوس) كما ظهر في كوردستان الإله (ميثرا) والذي كان يعد من اكبر الالهة.
 

أما عن فكرة التوحيد فقد ظهرت بشكل تدريجي وكان هناك فكرة التوحيد في كوردستان وخاصة مابين الشعوب (الميتانية) والذين كانوا يقطنون في غرب كوردستان ثم انتشرت هذه الفكرة أي (فكرة التوحيد) في المناطق الأخرى عن طريق الاميرات الميتانيات عندما تزوجن من ملوك مصر الفراعنة. ومثال على ذلك ففي القرن الرابع قبل الميلاد حملت (نفرتيتي) معها رمز التوحيد والذي كان يتمثل برمز الشمس وانتشرت هناك. أما اخناتون والذي يعدونه الناس قائد ثورة التوحيد وبتأثير الأخيرة (نفرتيتي) عليه صار لدى اخناتون الشمس رمز للتوحيد وسماه بـ (أتون) وانتشرت هذه الديانة في مصر.


وفي القرن السابع قبل الميلاد وبعد ظهور الزرادشتية نجد أن هذه الديانة كان أكثر انتشاراً في شرق كوردستان في حين كانت (الميثرائية أي ميهرديني) منتشرة في غرب كوردستان ولا يزال هناك مدينة كوردية باسم (ميردين) وهي مشتقة من هذا الاسم أي (المثيرائية-ميهرديني) وفي القرن الرابع قبل الميلاد ظهر نوع من التقارب ما بين كلا الدينين. ويصبح الإله (ميثرا) من اكبر الالهة. وبعد أن تم التثليث ما بين (اهورا مزدا) و (ميثر) و (أناهيتا) إلهة الحياة. فمن خلال هذا الشيء انتشرت الزرادشتية وعلى مستوى كوردستان. ففي مناطق كوردستان وبشكل عام كانت الديانة الميثرائية لها تأثير ملحوظ في معتقدات أهلها. بل كان يمثل جانباً مهماً في ديانة الكورد وبقيت العقيدة الميثرائية حية لحين مجيء المسيحية والإسلام.


إن مجيء أي دين وانتشاره بالشكل السريع نحو منطقة ما لابد من توفر بعض العوامل القوية . وكما أوضحه التاريخ أن الانتشار كان يتم عن طريقة استخدام القوة والسلاح وانتشرت المسيحية إلى حد ما عن طريق التبشير في كوردستان. وخاصة في بداية القرن الأول الميلادي ودليلنا على ذلك النصوص التاريخية القديمة. فتذكر أن الكهنة الزرادشتيين كانوا يراسلون الملوك الساسانيين ويلومون فيها أولئك الناس الذين كانوا يتخلون عن الديانة الزرادشتية ويعتنقون المسيحية. وهذا الشيء يدل على أن أكثر أهل كوردستان ومثلهم الزرادشتيين قد تخلوا عن أديانهم واعتنقوا المسيحية.


وبالرغم من هذا وبعد فترة من الزمن تذكر المصادر الإسلامية القبائل المسيحية ويفصلونها عن الأخرى ويسمونها بعشائر الكورد المسلمين وعشائر الكورد المسيحيين. وبسبب تأثرهم ببعض المواضيع انفصل مسيحيو كوردستان عن الأكراد وكونوا لهم شعباً بتأثير المسيحية. وبعدما صار قوياً وأصبح ديناً رسمياً توجه نحو الإمبراطورية البيزنطية والرومانية وتحت تأثير هذا الدين الرسمي فقد اعتنق المسيحية البعض من سكان شمال كوردستان وغربها.

أن المسيحية أيضا انتشرت كالإسلام عن طريق استخدام القوة وشن الحملات العسكرية. مثال على ذلك ففي القرن التاسع الميلادي وفي زمن (شارلمان) تحديداً قضي على (1300) سكسونياً لأنهم تخلوا عن العقيدة المسيحية كما قضوا على ألف يهودي بيوم واحد في الحروب الصليبية وحتى في كوردستان أيضاً انتشر الدين الإسلامي عن طريق استخدام القوة وشن الحملات ففي الوقت الذي ينتشر الإسلام في منطقة ما فكان من الصعب على أهلها أن يتعرفوا على أسس هذا الدين بل تفاجئوا حينما رأوا بعض الأعراب وهم مسلحين ويشنون الحملات عليهم ويأمرونهم بالتخلي عن دينهم والدخول في حضرتهم، فقاوم البعض منهم، كمنطقة (هورامان) التي لم تعلن إسلامها إلى بعد مرور عدة قرون كما كانت المقاومة مستمرة في مناطق أخرى.
في حين كانت بعض المناطق تعلن إسلامها ظاهرياً ولم يسلموا مبدئياً،

وفي القرن الثاني كان يحل قتل من يطلق عليه اسم (الزنديق) وهذه الصفة شملت مجموعة كبيرة من الأكراد مثل (موسى بن عيسى) والذي كان كوردياً غير مسلماً فاطلقوا عليه اسم الزنديق. علماً أن هاتين الصفتين دليل على المقاومة مقابل إجبار الآخرين في الدخول إلى الدين الإسلامي. أما العامل الأخر هو العامل الاقتصادي والذي كان له الأثر البالغ في ذلك الشأن مثلا حينما كان الجيش الاسلامي يصل إلى منطقة ما ويلقوا المقاومة فكانوا يصادرون أموالهم وثرواتهم و يؤنفلونهم. وان لزموا الصمت فعليهم أن ينفذوا شروطهم التعجيزية كدفع الجزية والخراج، تلك الضرائب أثقلت كاهل أهل كوردستان وبسبب هذا العامل أيضاً اضطروا أن يعلنوا إسلامهم.


ففي زمن الخلفاء الامويين حينما كانوا يسلمون كانوا يتعاملون معهم معاملة المسلم ذو الدرجة الثانية مثلا ليس له الحق في ركوب الخيل أو أن يحارب مع العرب أو أن يرد حتى وان شطحه ذلك العربي إضافة الى كل هذا كان يؤخذ منهم الجزية ولم يوافقوا أو يرضوا بأن يصبحوا مسلمين من الدرجة الأولى. وفي زمن الدولة العباسية نرى أن المسلمين ذوي الدرجة الثانية اي (الموالي) والذين أكثريتهم كانوا يؤيدون العباسيين ففي حينها كان قائدهم أبو مسلم الخراساني وهو أيضاً كان يعد من المسلمين ذو الدرجة الثانية والذي كان مناهضاً للسلطة العربية في زمن الدولة الأموية.


وفي عام 132هـ انتفض جيش الموالي اي المسلمين ذوي الدرجة الثانية على ذوي الدرجة الأولى من المسلمين وانتصروا عليهم. ورغم ذلك ظلوا مواطنين من الدرجة الثانية في الدولة العباسية. بل لو نظرنا إلى النصوص التاريخية في زمن الدولة العباسية، كانت الأخيرة تنظر إلى الأكراد باستصغار وكانت تعد كلمة (كوردي) كلمة أهانة حينما كانت تطلق على شخص ما، لذا كان الكورد يدافعون عن أنفسهم كما كانوا يعانون من الاضطهاد والجدير بالذكر أنهم كانوا يحافظون على دينهم القديم في السر،

وبالمقابل كانوا يتظاهرون أمام الناس أنهم مسلمين. وفي زمن المهدي وهارون الرشيد والمأمون ظهرت ولأول مرة في التاريخ (محاكم التفتيش) والتي كانت مختصة بمراقبة أولئك الناس الذين يشكون بهم كتظاهرهم بالإسلام في الظاهر وفي بيوتهم يمارسون نهجهم الديني القديم، وكان هؤلاء الناس يلقون العقوبات بل كانت العقوبة تصل حد قطع الرأس، فكلما كانوا يشدوا عليهم الخناق بالمقابل كانت تزداد المقاومة. ومثال على ذلك استطاع (مير جعفر الداسني) أن يقاوم العباسيين ولم يتنازل لهم إلى أن استعان العباسيين بقوات تركية وقضوا على ثورته وعلى تلك المقاومة، ففي حينها أعلن البعض من الداسنيين إسلامهم مؤقتاً للحفاظ على دينهم وحالما زوال الخطر عنهم كانوا يرجعون إلى دينهم السابق وكثيراً ما كانوا يفرضون بعض الشروط مقابل اعتناق الإسلام.


وبخصوص العلاقة بين الإيزدية والمثيرائية كما هو معلوم كانت المثيرائية سائدة في المنطقة وإن الإله (ميثرا) وكما هو مذكور في النصوص الفهلوية باسم (ميهركا) كان معروفا بين الداسنية بـ (ميرك) وكان قصد الفهلويين والداسنيين والايزديين هو (ميثرا) اله الشمس والنور . وكما ذكرنا سابقاً أنهم وضعو أمام المسلمين بعض الشروط منها: ان لا يذكروا هذا الاسم أي (ميثرا_ميهرك–ميرك) لا سلباً ولا إيجاباً، فحينما كان الايزيدي يسمع هذا الاسم من احد كان يشمئز منه، لذلك يتهم المسلمين الايزديين بعبادة (الشيطان) أو (أهريمن). أن كلمة (ميرك) هو رمز ديانتهم القديمة، أذاً كان الايزدي لا يسمح لأحد أن يسيء لهذا الاسم فنرى هنا أن الإله (ميثرا – ميهرك – ميرك) وهو من جانب إله الخير والعهود وإله النور، ومن جانب آخر له صفات القهر والشر، وميثرا في الوقت الذي كان خيراً كان في نفس الوقت شراً.
 

وبعد اعتناق بعض العشائر الكوردية المسيحية كان يتم التعامل معهم معاملة أهل الكتاب ولا يعني هذا أن أكثر أهل كوردستان كانوا مسيحيين وكما هو معلوم إن الديانة الزرادشتية لم تكن معروفة لدى العرب، فقط كان لهم معرفة بالأديان السامية أما الآرية فلم يكن لهم معرفة بها. فحينما وصلت الفتوحات الإسلامية إلى كوردستان زمن عمر بن الخطاب فكان قادته يراسلونه ويذكرون في رسائلهم له أن هناك شعب ونبيهم (زرده شت) ولهم كتاب اسمه (آفيستا) فرد عليهم عمر بن الخطاب وقال لهم (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) أي عاملوهم معاملة أهل الكتاب رغم ذلك فإنهم لم يكونوا متساوين مع العرب بل كانوا يحسبونهم مواطنين من الدرجة الثانية بل ويحسبونهم (رعية) يؤخذوا منهم الخراج ويصادروا أراضيهم. 


ومثال على ذلك قاموا بمصادرة أراضي الآذربيجانيين وتم توزيعها على العرب، فأضطر الكورد بإيجار أراضيهم من العرب والعمل فيها. أما أراضي العراق فقد بقيت مدة بأيدي أصحابها وكان لهم غرض في ذلك ألا وهو كي يفسح لهم المجال لشن الحروب في أماكن أخرى ولكن رغم هذا كان يؤخذ منهم الجزية والخراج فكان الكوردي غير متساوياً مع العربي وبكل المقاييس الإنسانية كان ليس من حقه أن يكون في مستوى الإنسان العربي ولهذا الأسباب ظهرت الحركات الشعوبية.

ليس هذا فحسب بل كانوا يقولون للحكام العرب: ((لستم اصلاء أكثر منا ولا تراثكم التاريخي أغنى من تراثنا)) فكانت هذه الكلمات أو الأقاويل تؤدي بالقائل إلى الموت.
فمثالاً على ذلك (ابن المقفع) الذي لم يتوانى في تقديم الخدمات للعرب، لقي حتفه بسبب كلمة واحدة حينما قال لهم نحن العجم لسنا أقل منكم أصالة. وبحسب مقولة ((الشعوب على ديانة ملوكهم )) فالدين المسيطر كان الدين الإسلامي وفي مناطق أخرى كان الدين المسيحي هو المسيطر.

فأضطر الناس في تلك المناطق أن يسلموا أو أن يتنصروا حفاظاً على مصالحهم إما البقية الباقية فألتجئوا إلى الجبال وحافظوا على ديانتهم القديمة. أما المعاملة التي اتبعوها مع الزرادشتيين لم يتبعوها مع الآخرين فكانوا يعدونهم من (الكفرة) بل كانوا يخيرونهم بين الموت أو الدخول في حضيرة الإسلام. مما اضطر الكثير منهم اللجوء إلى الأماكن العاصية والاختباء فيها. فيما عدا هذه المناطق وكما نحن نعلم أن بعض المناطق المجاورة للموصل وكركوك كانت مسكونة بالإيزديين فأستطاع البعض منهم إن يجد نوع من التنسيق مع المسلمين ليس هذا فقط وإنما اطلقوا أسماء إسلامية على أنفسهم أو على أوليائهم وغيروا أسمائهم القديمة هكذا أظهروا ارتباطهم ببعض أولياء المسلمين.


ففي الغالب كان الإيزديين ميثرائيين، ولكن في القرن الرابع قبل الميلاد ظهر نوع من التقارب مابين الميثرائية والزرادشتية، أي انه كان الزرادشتيين لا يؤمنون بالميثرائية لحين القرن الثالث قبل الميلاد. ولكن في الوقت الذي رأوا أن المدافعين عن الميثرائية كثيرون، وحب (ميثرا- ميهرك – ميرك) مابين الشعوب كبير، ففي مناطق شرق كوردستان كانت الزرادشتية منتشرة، أما الميثرائية فكانت منتشرة في الغرب منها. لذا حينما ننظر إلى النصوص المسيحية نجد إنها تعترف بـ(ميثرا) و (أناهيتا) بدرجة (أهورا مزدا) حتى أن البعض من الطقوس التي نجدها بين الايزدية  نجدها أكثر اقتراباً لليمثرائية.


وإذا ما وضعنا أمام أنظارنا خارطة كوردستان القديمة سنرى بشكل واضح أن كوردستان كانت تمثل حلقة وصل تربط شعوب المنطقة بعضها بالبعض الآخر فمن ناحية الشمال نجد الشعوب الهندو- أوربية واليونانية والأرمنية والقبائل الميدية والفارسية والميتانية، تتشابك في كوردستان. ومن الجنوب نجد شعوب أخرى مترابطة بكوردستان وهي السومرية والأكدية والآشورية والبابلية والعيلامية. ومن الغرب تلتقي بكوردستان الشعوب الفينيقية والأرامية والسريانية والمصرية. فكانت كوردستان هي نقطة التقاء جميع هذه الشعوب. لذا فلا غرابة أن يكون هناك نوع من التقارب مابين الشعوب في كوردستان.
      

من جانب آخر إن طبيعة كوردستان الجبلية الصعبة مقارنة بالمناطق السهلية المجاورة ساعدت على تعدد المعتقدات فيها، فإذا تعرض الناس إلى التهديد كانوا يختبئون في جبال كوردستان، لذا نجد الكثير من العقائد انتشرت في كوردستان وحافظت على بقائها. هذا الشيء يدل على مدى امتلاك الكورد لروح التسامح، لأننا نرى فقط في كوردستان التواجد المسيحي واليهودي والإيزيدي فمن المحتمل أن لا نجد هذا الشيء في أماكن أخرى، لذا كان تسامح الشعب الكوردي مع نفسه ومع مكوناته الدينية أمراً شائعاً. لأنه في شبه الجزيرة العربية وفي العراق وفي إيران لا نرى سوى الديانة الإسلامية والمسيحية، وكان من الصعب أن يتقبلوا ديانة أخرى، وهذا يعني أن ذلك التسامح كان قومياً. أما الاستفسار حول أصل العقائد، فمن الصعب على الإنسان أن يقول أن أصل هذه العقيدة أو تلك يعود إلى الشعب الفلاني 100%، لان جميع هذه العقائد تكونت من خلال تأثير بعضها على البعض الآخر. كتأثير الميتانيين على المصريين، وتأثير المصريين على اليهود، واليهود على المسيحية، والمسيحية على الإسلام، فانتشرت هذه العقائد بهذا الشكل.


أما بالنسبة الى بعض شعوب المنطقة القديمة التي يدعي بعض الناس رجوعهم إليها أظن أنها خالية من الصحة، ومثال على ذلك حينما قام الميديون سنة 612 ق.م بالاستيلاء على جميع المنطقة. انتشر هذا الشعب أي الشعب الميدي و وصلوا إلى نهر (قزل ايرماق – هالني) والتي تقع بالقرب من (انقره)، كما التجأ الشعب الاشوري بعد سقوطهم سنة 612 ق.م إلى أعدائهم بحجة الحفاظ على أنفسهم. إن تلك الإمبراطوريات كانت إمبراطوريات عسكرية، وسقوط تلك الإمبراطوريات أو الحكومات كان كسقوط الاتحاد السوفيتي، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تحولت الشعوب الخاضعة لسيطرتها إلى دول مستقلة، يعني لم يبقى شيء بإسم تلك الإمبراطوريات بعد سقوطها، ثم نحن لم نجد في أي مصدر تاريخي، يذكر أين بقي الاشوريين أو الكلدانيين أو السومريين أو الاكديين.


ان هذه الشعوب قد انصهرت بين الشعوب المسيطرة. ولكن معتقداتهم ظلت حية بسبب تأثيرها على الأديان الكبيرة كاليهودية والمسيحية والزرادشتية والإسلامية، بقيت هذه الشعوب حية من خلال تلك المعتقدات، وإنها مسألة دفاعية مقابل تلك الأديان التي لجأت إلى المنطقة. مثلا لا يزال الكورد المسلمين يقسمون بعين الشمس أو بالقمر أو بمظاهر طبيعية أخرى، فبدون شك أن هذه الممارسات لا تنسجم مع الإسلام، ولا يزال هناك بعض المعتقدات باقية مثل عدم نثر الماء الحار ليلاً أوعدم إطفاء النار بالماء،

ويمنعون من ترك أضافرهم المقروضة أو ترك شعرهم المقصوص بل عليهم أن يخبؤها في مكان بعيد عن الأنظار كشقوق الجدران أو تحت التراب. ولا يزال لهم اعتقاد ببعض (البيرة) الصالحين أو المزارات وحتى ببعض الأشجار، فكل هذه الأشياء تدل على حفاظهم على التراث القديم. ليس هذا فقط بل حتى قبل عقود مضت حينما كانت قرانا معمرة، كانت متزاولة كل تلك المعتقدات التي تعود الى ما قبل ظهور المسيحية أو الإسلام، وبقيت فيما بينهم وإن هذا الإصرار والتمسك بتلك المعتقدات، يدل على عدم قدرة تلك السلطات المسيطرة من إزالتها بينهم ولكن في الفترة الأخيرة تلاشت تدريجياً وبدأ الناس يتوجهون نحو عقيدة واحدة، والبعض من تلك الأفكار أو المعتقدات تعود إلى الغرباء والبعض منها ليس لها علاقة بالإسلام، فمن المحتمل أيضاً أن يكون للغرباء تأثير على شعبنا.


فالايزدية بدون شك جاؤا بأسماء أخرى مثل (ميثري، ميهركي، محيري، ميهري، داسني، ئيزدي ) وئيزد يعني الله، وئيزدي يعني أولئك الناس الذين يؤمنون بالآلهة ويعتقدون بالله. ولا تزال هنالك اسم مدينة كوردية باسم (ميردين) أو ميهردين، وكذلك توجد عشيرة كوردية باسم (ميهركان) أو ميهرانى ولا يزال يسمون هذه العشيرة (ميرانى). فباعتقادي إن كلمة (ئيزدي) مشتقة من (ئيزده) والتي تعني الله، ويعتقد الايزديون إن (ئيزي) هو احد أسماء الله الحسنى، أو يعني الإله. فحينما انتشرت الزرادشتية شرق المنطقة دافع أهلها عن آلهتهم القديمة ومن المحتمل تخلو عنها، فحتى المعارك التي كانت تحدث كان سببها ذلك، فكل ما كان يحدث كان مجرد نوع من المقاومة دفاعاً عن تراثهم القديم، فعبادة الآلهة ظل محتفظاً بها في المناطق الغربية من كوردستان ثم حصل نوع من التقارب فيما بينها. من الخطأ أن تدعي بعض المصادر أن (ئيزي) هو يزيدي، أعتقد أن هذا الشيء نوع من الإهانة، يوجهونه إلى الايزيدي.


فكما هو معلوم أن الايزديين معروفين بـ (الداسنيين) وخاصة في المناطق المجاورة للالش والموصل ومنطقة بهدينان وسوران، وكانت منطقتهم تعرف بـ(داسن)، فمن المحتمل أن تكون هذه الكلمة مشتقة من (ديوه + يسنا)، وهي قبل أن تظهر (المزديسنا)، ومن المحتمل أن تكون مشتقة من (تاؤوس + سان) أي (الله + الشمس) وعرفت بين الشعوب الهندوـ أوربيه بـ(طاووس+ داسن). ولا يزال الايزدية يستعملون كلمة (طاووس ملك)، فأعتقد أن الايزديين يقتربون من الميثرائية كثيراً، فإذا جئت ونظرت إلى العادات والتقاليد الإيزدية وخاصة التي لم تستطع المسيحية والإسلام التأثير عليها سيظهر لك أن كل تلك المراسيم ميثرائية.
على سبيل المثال  نحر الثور في عيد الجماعية ومراسيم القاباغ يجب أن تؤخذ في نظر الاعتبار، وكذلك رمز (الحية) المرسوم على مزار لالش، إضافة إلى وجود برك الماء داخل المعبد في لالش. فحينما ننظر إلى المعبد نجد الشيء نفسه في المعابد الميثرائية، (كانيا سبي) أي العين البيضاء في معبد لالش، إضافة إلى ذلك إيقاد القناديل وتقديسها وفق مراسيم خاصة، وتقديسهم (التراب، الماء، النار، الهواء) فكل هذه الأشياء علامات ميثرائية. إضافة إلى ذلك علامة الصليب (+) لا تزال موجودة بين الايزدية بل كثيراً ما يرسمونها على مهد الطفل.


فأخيراً نقول كان الايزدية في زمن ما على الديانة المثيرائية، وكما أن الديانة الميثرائية تعد من أقدم الأديان في المنطقة، باعتقادي أن الايزدية كدين وبقائه كان يدل على المقاومة فقط ولم يكن تسامحاً، وعلى مر التاريخ طلب من الايزدية اعتناق الإسلام رغم الحملات التي لقوها ولكن دون جدوى. مثلا في القرن التاسع عشر وفي زمن السلطان (عبد الحميد الثاني) جرت محاولات عديدة لتغيير دينهم، وجعلهم مسلمين، ليس هذا فقط وإنما قاموا ببناء الجوامع في قراهم، وفي عهد قريب قاموا بالاستيلاء على معبد لالش وجعلها مدرسة إسلامية، وكم مرة نبش قبور موتاهم في زمن الدولة الاموية والعباسية. وفي عهد الأتراك العثمانيين، والصفويين، والافشار، والقاجار، أُزيل الوجود الايزدي من آذربيجان وكركوك وشهرزور. وأضطر العديد من الايزديين اللجوء إلى روسيا.


لدينا أدلة تاريخية تؤكد كل تلك المحاولات الكثيرة التي جرت لإجبار الايزديين على تغيير ديانتهم، ولكن قاومهم الايزدية، واحبطوا كل تلك المحاولات. ويمكن معرفة التاريخ الايزيدي عن طريقة المقارنة، والبحوث الطويلة حول التغييرات التاريخية في المنطقة، خاصة من الجانب التراثي والعقائدي، ومقارنة العقائد القديمة مع الايزدية. فبهذه الطريقة سنستطيع أن نتعرف على جانب من التاريخ الايزيدي، ومن جانب آخر سنجمع المصادر القديمة التي كتبت عن الايزدية حتى وأن كانت بلغات أجنبية يتم ترجمتها إلى اللغة الكوردية. ثم جمع النصوص الدينية للايزدية من أقوال وقصائد دينية، وتوثيق الطقوس والمعتقدات التي كانت تزاول في القرى قديماً، وللأسف إن ما دمره النظام العراقي من قرى قد أزال معه كل ذلك التراث.


وحتى الآن، إن لم نكن حذرين كما ينبغي، سوف يزول ما بقي من تراث. فجمع المتبقي والحفاظ عليه، سيكشف للايزدية جانب آخر، فعلى الايزديين الموجودين خارج الوطن، البحث في المكتبات، وخاصة في دول الجوار، ومنها أرشيف الدولة العثمانية والدولة الروسية وفي بريطانيا وفرنسا والمانيا، فهنالك المزيد من الكتابات عن الايزدية. والآن وبفضل التقدم التكنولوجي، يمكن العثور على نصوص كتابية بسهولة من قبل المختصين، وجمعها، فمن المحتمل بهذه الطريقة أن يكتب شيئ عن التاريخ الايزيدي.


 كما إن السبب الرئيسي لكل تلك الحملات التي شنت ضد الايزديين كان العامل الديني، ولكن ليس في كل الأوقات كان الدين هو السبب في شن تلك الحملات، ففي الكثير من الأحيان كانوا يستعملون الدين كذريعة لشن الحملات، باعتباره أفضل ذريعة. لانه كان بإمكانهم من خلال ذلك جمع اكبر عدد من الناس حولهم، والهجوم عليهم. بدون شك فيما أذا كان الايزديين غير متمردين عن ذلك الواقع الاجتماعي، وقصدنا هنا التمرد الايجابي لما أصبح الايزديون مصانين لحد الآن.


فحينما كان الايزيديون يرفضون الخضوع لسلطاتهم لعدم اقتناعهم بذلك الواقع، كانوا يستخدمون أساليب أخرى للنيل منهم، وخاصة الذرائع الاقتصادية. وبسبب وفرة الخيرات التي كانت موجودة في المناطق الايزدية، صار مصدر اطماعهم، للنيل منهم وشن الحملات على الايزدية. أو كثيراً ما كانوا يثيرون الآخرين على الايزدية، من خلال سرد الأقاصيص الواهية، أو يدعو ادعاءات كاذبة ضد الايزدية. مثلاً يقولون أن الايزدية قتلوا الشخص الفلاني، أو سائرين على دين معادي، فكل هذه الإدعات كانت تدفع الآخرين وتشجعهم في الثأر من الايزدية وذبحهم، فباعتقادهم أن ذلك العمل الذي قاموا به، من أعظم الأعمال التي قاموا بها. 
 

على سبيل المثال، هذا ما تذرع به (مصطفى باشا) في القرن السابع عشر، في حملاته الثلاثة المتتالية على شنكال، وأخفق فيها، فقام (أحمد باشا) وأراد أن يظهر للناس بسالته وبأنه سوف يشن حملة على الايزدية، وقال بأنه سوف ينتصر عليهم. وتعرض الايزدية للاعتداءات، مرة لكونهم إيزديين ومرة لكونهم أكراد، مثلاً نادرشاه الافشاري كان يشن حملاته على الكورد الايزديين والكورد المسلمين في أذربيجان وعلى البلباس أيضاً. هكذا أكثر الحملات التي تعرض لها الايزديون، كانت على يد الأتراك والعرب والايرانيين، وكان للكورد أيضاً دور في كل تلك الحملات. 
 

وكانوا إذا أرادو أن يشنوا حملة على الايزدية، كانوا يقولون أنهم لا يدفعون الجزية والخراج، أو أنهم متمردين، أو لا يدفعون مقابل كل رأس ذهباً، وكان يكفي بأن تصدر فتوى بحقهم كفتوى (أبو سعود العمادي) أو فتوى (ملا ختي) أو آخرين من الملالي وخاصة في الوقت الذي كانوا تحت ضغط الدولة العثمانية. فكل تلك التصرفات كانت تدل على عدم معرفتهم بتلك الفتاوى التي كانت تصدر، وبدون شك كان الشرع آنذاك يحلل ذبح الايزديين، والجهلاء كانوا يطاردونهم هنا وهناك، ولا يخفى عن البال أن العشائر الكوردية كان لها يد مع تلك السلطات التي كانت تحاول إبادة الايزدية.


أما عن العرفان، فإن ظهورها كان بين العرب، بل من المحتمل إنها انطلقت من بين الكورد أو الايزديين، لان العارفين لم يكونوا من العرب، وحتى وإن كان العربي من العارفين فلابد أنه كان يعمل لدى أحد العارفين العجم. ولكون الايزديين جزء من العجم، فكانوا مساهمين في نشر العرفان، ليس فقط في كوردستان، وإنما في الشرق بشكل عام.


وبخصوص كتابات الرحالة الأجانب كان هدفهم منها أن يلفتوا نظر الآخرين، كما أن ذلك الوقت يختلف عن الآن فبالإمكان الرد على الكتابات المغلوطة من خلال الانترنيت، أو من خلال الإذاعات، أو الصحف. والمشكلة آنذاك ان الناس كانوا يصدقون كل ما كتبوه، بالرغم من أن كل أولئك الرحالين كانوا مبالغين في أكثر كتاباتهم، ومن المحتمل أن يكون الجيل الأول منهم غير مغرضين أو لهم أغراض سياسية. ولكن في القرنين (19-20) كان لهم أغراض سياسية من وراء كتاباتهم، كما حدث في القرن(19)، عندما استطاعوا أن يدفعوا مسيحيي كوردستان لتكوين قومية خاصة بهم. ويفصلونهم عن بنيتهم الأساسية، حيث كانوا جزء لا يتجزء من عشائر هكاري، وربطهم بأشياء أخرى تعود تاريخها إلى (2600) سنة قبل الميلاد.
 

فأكثر الكتابات التي كتبت عن الايزدية كانت في القرن(18،19،20)، وخلال هذه القرون أُزيل الوجود الايزيدي من اكثر المناطق، ولكون لالش قبلة الايزدية ومركز استقطابهم، لهذا السبب صارت المصدر الرئيسي لأولئك الناس الذين كانوا يريدون الكتابة عن الايزدية. فكان هؤلاء الكتاب يتوجهون نحو (لالش) لغرض الإجابة عن استفساراتهم حول الايزدية، لكون لالش تقع في وسط الايزديين، ولكون لالش مركز استقطاب رجالاتهم الدينية، وعلمائهم المتضلعين في الشأن الايزيدي. وهناك الكثير من المصادر الغابرة تتحدث عن الايزدية، وعن وجودهم في (أذربيجان) و(هكاري) و(وان)، ولأن هذه المناطق كانت قريبة من إيران، بل على تماس معها، لذا فإن هذه المصادر تتحدث عن الايزدية بشكل مفصل فيها، في حين أنه لاتوجد فيها معلومات عن إيزدية المناطق الأخرى.


أما العولمة فبحد ذاتها لها تأثيرها على جميع المجتمعات والأديان، فهناك رأيان حول هذا الشيء، فالرأي الأول يقول، إنه من المحتمل أن يزول دور الدين والعادات والتقاليد بظهور العولمة بل من المحتمل أن تنصهر الأديان. أما الرأي الثاني، فهو عكس الرأي الأول، فيقول أن العولمة ستجعل الأديان والعادات والتقاليد أكثر ازدهاراً. والآن هنالك بعض الأديان ذو عقائد جيدة، وكنا على جهل بها، وفي زمن الانترنت استطعنا التعرف على أعرافها وطقوسها.

وبدون شك أن الايزدية لكونها ليست من الأديان الواسعة الانتشار، ولم تكن من الأديان التبشيرية، فهنا أن تأثير العولمة على الايزدية لن يكون أكبر حجم من تأثير العولمة على الأديان الأخرى. ولكن لكون الايزدية دين صغير وأفرادُها قليلون، فأن تأثير العولمة سوف يكون أكبر على الايزدية، إن كان سلباً أو إيجاباً. كما أن هذا الشيء سوف لن يشكل خطراً على الديانة الايزدية، لان ذلك الخطر لن يكون بذلك الحجم الذي بأعتقادنا سيؤدي الى زوال الايزدية، وتحولهم إلى ديانة أُخرى، لان زمن الفتوحات والتبشير قد ولى. ولكن الايزيديين الموجودين حالياً في ألمانيا أو بريطانيا ليسوا بحاجة إلى ممارسة العادات والتقاليد الدينية وهذا الشيء سيكون سبب رئيسي في عزلهم عن مجتمعم القديم.
 

أما الأديان ( اليهودية–المسيحية–الإسلام) فقد قدمت لها الخدمات في جميع المجالات، لكونها أديان رسمية، لا بل أديان الكثير من الدول، والسلطة بأيديها، عكس الديانة الايزدية التي لا تملك أي سلطة أو مؤسسة قوية شبة قومية. وللأسف كثيراً ما تصبح بعض مؤسساتها الدينية مؤسسات مضادة لوجود الايزدية، بل وتقع تلك المؤسسات تحت تأثير هذه الدولة أو تلك، والايزديون يصبحون في الأخير ضحية تلك المؤسسات. لذا إن لم تقدم الخدمة اللازمة للايزدية، لا يستطيع الإنسان أن يبشر لهم بمستقبل زاهر كدين، وعلى الايزدية أن يكونوا واعين وخاصة في زمن العولمة هذا. وقومياً على الكورد أيضاً أن يكونوا واعين على تراثهم، لان لا تزال محاولات العرب والأتراك جارية على قدم وساق، للنيل منهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة: هذا المقال أو البحث التاريخي عبارة عن محاورة اجراها السيد خيري بوزاني مع الكاتب الكوردي الدكتور علي تتر نيرويي باللغة الكوردية ونظراً لأهميته ارتأيت ان اترجمه الى لغة الضاد. علما ان هذا المقال كان  منشورا في مجلة لالش التي تصدر عن مركز لالش العدد 18-19.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة