مناخ بلاد الأرز غائم والبحر هائج والأهل مختلفون ...نوري بريمو 30 ـ 7 ـ 2010

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

لستُ من المنجمين وليس في نيتي أي وارد لقراءة أي كف أو التبصُّر في أي فنجان قهوة صباحي، لأنني أحترم مقولة: كذب المنجمون ولو صدقوا!؟، إلا أنَّ ثمة نظرة تشاؤمية تراود مخيلتي بشأن الوضع اللبناني المتأزم منذ سنوات والمحتاج لأية حلول قد تفك مختلف عُقَدِهِ وفي مقدمتها فك عقدة إفصاح المحكمة الدولية عن قرارها الظني باتهام ومقاضاة قتلة الشهيد رفيق الحريري ورفاق دربه من شهداء حرية واستقلال لبنان.

إذ كلما اقترب موعد إصدار قرار المحكمة الدولية، تزداد حساسية الموقف ويحاول بعض الذين يخافون من حكم العدالة ومعهم كافة المتخوفين من مغبة أية أحكام قد تصدر بحقهم أو بحق أتباعهم، ويحلفوا بأنهم سيدقون الأسافين في عجلة الاستقرار اللبناني ويهددوا بإعادة الأوضاع الأمنية إلى المربع الأول عبر تعكير الأجواء وطرح رزمة من العراقيل التي تختلقها بين الحين والآخر بعضا من الجهات الداخلية المعيقة والإقليمية المعاقة.

ورغم أهمية الجولة المكوكية التي قام بها العاهل السعودي الذي انتقل ما بين الرياض ودمشق وبيروت وعمان، والزيارة المشتركة الأولى لكل من الملك السعودي والرئيس السوري اللذان وصلا على متن طائرة واحدة إلى مطار بيروت التي يبدو أن مناخاتها باتت ملبدة بغيوم الحروب وأجواءها أضحت غائمة وبحرها صار عالي الموج والرؤية منخفضة المدى والقلاقل اقتربت من عتبات الديار و..إلخ، ورغم أهمية هذه القمة الثلاثية للزعماء الثلاثة (الملك عبدالله والرئيسان سليمان والأسد) الذين أوصوا اللبنانيين بضرورة نبذ العنف والاحتكام لشرعية الدولة اللبنانية ولمؤسساتها الدستورية القائمة على الوحدة الوطنية، وما رافق تلك القمة التي وصفها البعض بالتكافلية من لقاءات أخرى جرت على عجالة مع مسئولين كبار كنبيه بري وسعد الحريري الذي حاول طمأنة فريقه وأكد على أنّ استقلالية قرارات المحكمة الدولية لا تزال مصونة!؟، والأهم من هذا وذاك هو استقبال بيروت (بُعيد سويعات قليلة من إنتهاء تلك القمة وانصراف أطرافها) لأمير دولة قطر الموصوف بأمير المهام الصعبة والذي يبدو أنه سيسعى في هذه المرة أيضا ـ رغم مدى حرج الموقف وتباعد المواقف وعدائية المواقع ـ لتثبيت بنود اتفاقية الدوحة وترجمتها قدر الإمكان على أرض الواقع لدفع الأمور قبل فوات الأوان صوب التهدئة في ربوع لبنان وأجواء المنطقة الشرق أوسطية برمتها، ورغم هذه القمة الرئاسية وتلك الزيارة الأميرية، فإنّ أزمات لبنان المبتلي ببلاوي غيره قد تبقى بلا حلول إلى أمد آخر ريثما ترسو الصراعات الإقليمية الأخرى على بر، وريثما يجدُّ الجد وتبتُ المحكمة الدولية بهذا القرار الظني المتعلق بالشأن اللبناني العالق.

وليس من قبيل التبصُّر وإنما من باب التحليل، فإنّ أي مخرج آمن لن يفوز به اللبنانيون إلا على مركوب الاحتكام للغة الحوار ولمبدأ التوافق السياسي الداخلي شريطة تحاشي خلط الأمور وعدم المساس بحكم المحكمة الدولية التي أعتقد بأنها لن تردَّ على أحد مهما علا شأنه، فالعدالة ينبغي أن تأخذ مجراها والجاني لابد أن ينال جزاء كائنا من كان، لكنْ يبدو أنّ ثمة منجمين رماديين يقترحون بأن يتناسى سعد الحريري جراحه وأن يصفح عن هادري دم والده وأن يبادر بالحسنى وأن يعفو عن الجناة فيما إذا كانوا من الجهة الفلانية!؟، بحجة أن مثل هكذا اتهام لأي عنصر من هكذا جهات لبنانية أو غير ذلك، قد يودي بلبنان الصغير إلى هاوية حرب أهلية وأخرى إقليمية كبيرة!؟.

وبما أنّ العبرة لمن اعتبر، وبما أنه بانفكاك عقدة إصدار القرار الظني للمحكمة الدولية قد تكشف المستور وتنفك معها باقي عقد لبنان المعقودة باختلافات داخلية تستمد قوتها من أحابيل إقليمية، فإنّ الصواب اللبناني يكمن في قبول اللبنانيين أجمعين بقرار المحكمة سواء أكانت تداعياته إيجابية أم سلبية، ولا يكمن الصواب في أي موقف آخر من أي قبيل آخر.

لكن ألم يبق في بلاد الأرز أحدا يتجرأ ويستطيع مكاشفة المهوِّشين والمصافقين ويقنعهم بعدم استباق الأمور وبوجوب القبول برأي المحكمة التي يحق لها أن تكشف الحقيقة بدون الرضوخ لأية ضغوطات؟!، أم أنّ وراء هذه الأكمة التصعيدية الأخيرة ما وراءها ما من مصالح فئوية مصحوبة بإملاءات خارجية لها مصلحة في تأزيم أوضاع لبنان القابع فوق بركان طائفي متأجج بفعل تأجيجات إقليمية متواصلة؟، أم أن شرفاء لبنان سيستفيدون من هذه الزيارات والقمم ولن يركعوا لإرادة الغير ولن يسمحوا للمتربصين بهم بالتدخل في شؤونهم ولسوف يلبننوا مشاكلهم ويتوافقوا فيما بينهم، وفي هذه الحالة سيصبح الحل في متناول اليد وقادم لا محال وأن لبنان سيبقى الأصل والآخرين قشور بصل..كما يُقال في الأوساط الشعبية اللبنانية.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة