مناقشة مع الرأي الآخر حول اللبرالية الجديدة والاقتصاد العراقي ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

وصلتني رسالة نقدية من أخ معلق على  المقال الذي نشرت يوم أمس 27/7/2010 في موقع العراقي المتميز (استراليا) أعيد نشرها هنا لكي يطلع القارئ وكذا القارئة على الملاحظات النقدية ويرى ملاحظاتي الشخصية بشأنها. (راجع الملحق في نهاية هذا المقال). كما نشر تعليق في نفس الموقع والذي يتضمن ثلاث أفكار, وهي أن اللبرالية الجديدة لا تنسى الفقراء وتنظم المساعدات الاجتماعية. ويتحدث هنا عن هولندا والدول الاسكندنافية, ثم يشير إلى النهاية التي انتهت إليها النظم الشيوعية والتخطيط المركزي, وإلى أين وصلت النظم الرأسمالية في جنوب شرق آسيا وهونك كونك وغيرها. ساحاول مناقشة البعض من هذه الأفكار في النقاط التالية:

1 . يتساءل المعلق الأول بقوله : من جاء الدكتور حبيب بالنقاط الست حول أهداف اللبرالية الجديدة في العراق؟

يبدو لي أن الأخ الكريم لم يطلع على  الخطب التي أدلى بها المسؤولون العراقيون في بغداد ولندن والأردن والخليج وفي النقاشات الحكومية وأوراق العمل المقدمة لمجلس الوزراءو بما فيها ورقة عمل نائب رئيس الوزراء السابق ومسؤول الملف الاقتصادي ومقابلته الصحفية مع قناة الشرقية في لندن حول السياسات الجديدة التي يقترح ويراد انتهاجها في العراق, كما لم يطلع على الخطة الخمسية التي طرحها فجأة وزير التخطيط العراقي قبل أسبوعين للفترة 2010-2014 والتي نشر جزء منها في أكثر من موقع وفي تقرير موسع عن دور القطاع الخاص.

نشرت أكثر من مقال حول العلاقة والاتفاقات الموجودة بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشروط الدول المانحة للمساعدات المالية للعراق وشروط الدول الدائنة من أجل شطب ديونها على العراق من جهة, وبين الحكومة العراقية من جهة أخرى وفي فترة بريمر وحين كان الدكتور مهدي الحافظ وزيراً للتخطيط, وكلها تؤكد بأن على العراق أن يلتزم بالوصفة التنموية التي وضعتها المؤسستان الماليتان الدوليتان للبلدان النامية عموماً, ومنها العراق أيضاً, والتي يطلق عليها بوثيقة "الإصلاح الاقتصادي والتكييف والتثبيت الهيكلي" والتي تطرقت لها أكثر من مرة وأكثر من بحث, كما تطرق له الكثير من الاقتصاديين أيضاً ومنهم الأستاذ الدكتور صبري زاير السعدي والدكتور صالح ياسر حسين وكثرة من الباحثين في الدول العربية والبلدان النامية. وبالتالي فالنقاط الست المشار إليها هي جزء من برنامج طويل يفترض في السياسة الاقتصادية في العراق الالتزام بها وتنفيذها. وبالتالي فهي ليست من عنديات كاظم حبيب, بل هي من واقع السياسة الاقتصادية التي بدأ العراق بالترويج لها والسعي لانتهاجها والتي تجلت في تصريحات وأوراق عمل مجلس الوزراء على صعيد الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وفي الممارسة تبلورت في النقطة التالية:

2 . بدأت هذه السياسة من خلال إهمال الصناعة والزراعة وأيلاء كل الاهتمام للتجارة الخارجية. أي إغراق أسواق العراق بالسلع المستوردة من مختلف بقاع الدنيا ( ولإيران وتركيا دور كبير في التصدير للعراق) والتي أدت إلى تراجع شديد في إعادة العمل بالمشاريع الصناعية التابعة للقطاع العام أو القطاع الخاص وكذلك عدم الاهتمام بالإنتاج الزراعي والإنتاج الحرفي الصغير. القطاع التجاري لم يعد بيد الدولة, كما كان في عهد السيطرة الشمولية للنظام البعثي, بل بيد أن جزءاً كبيراً منه بيد القطاع الخاص الذي يقوم باستيراد ما يشاء, كما تقوم الحكومة باستيراد ما تشاء والذي يسمح لكلا الطرفين بتحقيق ما يشاؤون من أرباح وبأشكال مختلفة وما يوضع بالجيب كثير وكثير جداً دون أية رقابة حكومية عليها. ومثل هذه الوجهة في الاستيراد تعطل القدرة التراكمية في البلاد وتعيق تطور الإنتاج المحلي وتشغيل العاطلين عن العمل حالياً وتحسين مستوى أجور وحياة القوى العاملة.

3 . إن المنشآت الصناعية العائدة للدولة لم يجر تشغيل 97% منها لأنها معروضة للخصخصة ولا يوجد من يشتريها ولا تريد وزارة الصناعة تشغيلها وتشغيل الناس بها, رغم أنها تدفع رواتب للعاملين السابقين فيها, لأنها ملتزمة بموقف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي يطلب عدم دخول الدولة بالإنتاج, ويمكن العودة إلى السيد وزير الصناعة لمعرفة تفاصيل الموقف والذي أعرفه جيداً. القطاع الخاص لا يمتلك إمكانية التشغيل في المرحلة الراهنة  بسبب مشكلات كبيرة بما فيها البنية التحتية الضعيفة والمتخلفة, إذ كيف يمكن لمشاريع القطاع الصناعي التابعة للقطاع الخاص أن تنتج ولا يوجد تيار كهربائي متواصل أو لا يوجد أمن كافي في البلاد أو توجد منتجات منافسة بأسعار أرخص بكثير من السلع المنتجة محلياً وغير المدعمة من قبل الحكومة وضعف التعريفة الجمركية للسلع المستوردة أو المعفاة من أي تعريفة ...الخ. هناك تشغيل لبعض المشاريع التي ورد ذكر بعضها , ولكنها هي الأخرى معروضة للبيع ولا من يشتريها.

4 . لست ضد القطاع الخاص المحلي والأجنبي, بل هو ضرورة موضوعية للعراق ولا يمكن تطوير العراق بدونه, ولكن العراق بحاجة إلى قطاع الدولة أيضاً لتعجيل عملية التنمية وليس على الأسس التي عمل بها النظام الدكتاتوري السابق أو الصيغة التي سادت في الدول الاشتراكية السابقة, فموارد الدولة كبيرة والخبرة المتوفرة والكوادر العلمية يفترض استنفارها لصالح التنمية المعجلة وبالاستفادة من كل القطاعات من حيث الملكية. ويمكن أن تركز الدولة على مجالات صناعية أساسية لا يمتلك القطاع الخاص مقومات إقامتها من حيث رأس المال أو الخبرة الفنية والإدارية أو من حيث أهميتها للاقتصاد العراقي. إن العراق وفي إطار واقعه الراهن يحتاج على مئات المليارات من الدولارات ولعقدين من السنين عل أقل تقدير لكي ينهض على قدميه ولكي يستطيع أن ينشط العملية الاقتصادية, ويحقق الديناميكية الداخلية في  عملية إعادة الإنتاج. لهذا فهو بحاجة إلى كل القطاعات من حيث الملكية شريطة أن يتحقق التعاون والتنسيق والتكامل في ما بينها.

5 . لم تكن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط الدكتاتورية, ولا قبلها, جادة بتنفيذ برامج للتنمية, وهو ما أتفق به مع السيد المعلق الأول, ولكنها مهتمة في أن تبقى في السلطة لتشرف على كل شيء, وخاصة على الموارد المالية وضمان النفوذ الاجتماعي لها. لم تستطع الحكومات المتعاقبة, رغم مرور سبع سنوات, على توفير مستوى لائق لوصول التيار الكهربائي إلى دور العائلات العراقية, ومع ذلك يمدح وزير النفط ووزير الكهرباء بالوكالة وزير الكهرباء المستقيل على منجزاته في الوزارة! وهو بذلك يتحدى الشعب العراقي الذي يتظاهر من أجل الكهرباء ويتحدى الواقع العراقي المرير ويبرهن على عزلته عن المجتمع ومشكلاته الراهنة. كافة المشاريع الصناعية القائمة لم تعمل بكفاءة قبل سقوط النظام, كما لا تدار حالياً بكفاءة, إذ ليست هناك مؤسسات ديمقراطية مسؤولة تراقب ما يجري في البلاد ويذكرني هذا بقول الشاعر معروف الرصافي وينطبق تماماً على المرحلة الراهنة وأكثر بكثير على ما مضى:

علم ودستور ومجلس أمه             كل عن المعنى الصحيح محرف

ليس هناك ما يمكن أن امتدح به الحكومة, حتى الأمن الذي قيمناه عالياً تراجع ليعود القتل والتخريب إلى سابق عهده تقريباً! كان يتمنى أن يحصل شيء لمدح أي حكومة تستجيب لإرادة ومصالح الشعب ولا تعمل لمصلحتها وإرادتها وجيوب أحزابها وذاتها.

6. في المقال المشار إليه قلت بأن المطلوب من الدولة من جانب وصفة المؤسسات المالية الدولية أن لا تقوم بخدمات الرعاية الاجتماعية, وهذا لا يعني أنها تقوم به الآن. أي أن المطلوب منها أن لا تقوم بذلك, وهو ما تمارسه الآن فعلياً. وهي التي تشكل طامة على الشعب العراقي المحتاج على المساعدات الفعلية من جانب الحكومة. وبكلمة واضحة أنها لا تقوم بمهماتها إزاء الشعب, وكم كنت أتمنى أن تقوم بذلك لكي أشارك الناقد رأيه في أن يكون لدينا شيء وسبب نحيي به حكومة المالكي! التي أصبحت حكومة تصريف أعمال, والأمن آخذ بالتدهور.

7 . يبدو أن السيد لم يفهمني على اقل تقدير حين كتب يقول " كما أن الدكتور في نفس هذه النقطة يذكر بان اللبرالية تعمد إلى أبعاد العراق عن التصنيع أو تحديث الزراعة ، حسنا ليسمح لي الدكتور أن اذكر أرقام حكومية رسمية ، مسجل حاليا لدى وزارة الصناعة العراقية مائة و تسعون ألف مشروع منها ست و خمسون ألف مشروع مسجله في التنمية الصناعية و حسب إحصائية وزارة الصناعة الرسمية فان عدد المتوقف منها هو سبع و تسعون بالمائة ، أما الزراعة فحدث بلا حرج عن ثلاثين مليون نخلة انتهت إلى اقل من ست ملايين وهذا حدث في زمن الهيمنة الحكومية التي يدافع عنها الدكتور و ليس في زمن اللبرالية التي يحاربها وهي لازالت حبر على ورق".

الأخ الكريم لا يتساءل لماذا هذا التوقف؟ هل بسبب السعي للخصخصة وليس هناك من يشتريها" أم بسبب كثرة  الاستيراد ولا يمكن تصريف منتجاتها؟ أم بسبب عدم إعادة تصليحها وإعادة الحياة إليها؟ 

يبدو أن السيد المعلق الأول يعتقد بأني أدافع عن زمن الهيمنة الحكومية في فترة الدكتاتورية الغاشمة والفاشية اللعينة التي خاضت الحروب الداخلية والخارجية وتسببت في موت مليون ونصف مليون إنسان, دع عنك النخيل الذي مات رغم استمرار شموخ النخلة, ولا يريد أن يلاحظ بأني كنت أتحدث عن سياسة اقتصادية  يفترض فيها أن تكون عقلانية وأن لا تفرط بالقطاعات الأساسية من حيث الملكية التي يفترض أن تلعب دوراً كبيراً في إعادة الحياة للاقتصاد الوطني ورفع مستوى حياة الشعب.

إن هيمنة الدولة المستبدة على الاقتصاد العراقي وسيطرتها على موارد النفط وتوجهها الشوفيني والعسكري هي التي أدت إلى المآسي التي لا يزال يعاني منها العراق وليس القطاع الحكومي الذي يعمل على وفق طبيعة السلطة وأجهزتها الإدارية وأهدافها. طبيعة السلطة هي الأساس وهي المحدد لطبيعة قطاع الدولة, وليس قطاع الدولة الذي يحدد طبيعة السلطة وسياستها الاقتصادية. أي أن القطاع العام أو الحكومي هو الذي يرتدي طبيعة السلطة وليس العكس. وحين تكون الدولة شمولية ستكون النتائج كارثية, وكذلك حين تكون طائفية.  

كان قول الأخ المعلق الأول صحيحاً حين أكد على أن كل شيء قد " تحول بالإدارة الحكومية السيئة إلى استنزاف حقيقي لموارد الدولة و لمعنويات الشعب." نعم طبيعة السلطة السياسية وسوء الإدارة هما اللذان يحددان طبيعة نشاط قطاع الدولة.

8 . ويبدو أن السيد ورغم قوله في البداية إن "مقالات الدكتور كاظم حبيب مهمة وتشخص الكثير من الخلل في البنية الاقتصادية العراقية..", لم يتسن له أن يقرأ الكثير من مقالاتي الاقتصادية, دع عنك السياسية, التي أتحدث فيها عما يطلب مني أن أتحدث وأبحث فيه في مقال واحد هو المقال الذي يناقش ما جاء فيه, ويشير إلى أن السياسات الراهنة للحكومات المتعاقبة منذ سبع سنوات هي السبب في ما هو عليه العراق, وكأني لم أقل ذلك في عشرات المقالات السابقة. ليست سياسات الحكومات الثلاث السابقة خلال السنوات السبع الأخيرة هي وحدها السبب في ما آل إليه العراق وما يعاني منه الآن, رغم دورها البارز في ذلك, إذ أن هناك أسباباً مهمة وأساسية أيضاً لعبت ولا تزال تلعب دورها في الواقع الذي يعيش فيه العراق, منها على سبيل لا الحصر:

** السياسات الاقتصادية التخريبية والذهنية العسكرية التي مارسها النظام البعثي, إذ بلغت مصروفات العراق على شراء الأسلحة والمعدات العسكرية خلال الفترة الواقعة بين 1976 - 1990 أكثر من 152 مليار دولار أمريكي, أي أكثر من إيرادات النفط الخام المصدر خلال ذات الفترة. ومن هنا أيضاً نشأت ديون العراق الكبيرة نحو الخارج. 

** الحروب الداخلية والخارجية السابقة التي دمرت الاقتصاد العراقي بالكامل تقريباً, وخاصة البنية التحتية وعطلت عملية التنمية وتشغيل العاطلين عن العمل وقادت إلى مزيد من الفقر والحرمان.

** الحصار الاقتصادي الدولي الظالم الذي فرض على الشعب العراقي طيلة 13 عاماً بالتمام والكمال والذي قاد إلى موت الكثير جداً من الناس الفقراء والمعوزين ولم يؤثر على النخبة الحاكمة ومن هم حولها.

** الغزو والاحتلال وتدمير الدولة العراقية في العام 2003.

** الإرهاب الدموي الذي انفلت مع تدمير أجهزة الدولة وحل الجيش العراقي والشرطة والأمن الداخلي والفوضى التي سادت البلاد, وبدء تكوين جماعات الإرهاب ونشاطها الدموي.

** سياسات بول بريمر التي كرست المحاصصة الطائفية في الحكم وقضايا سيئة أخرى كثيرة.

** السياسة الاقتصادية التي سعى بريمر إلى فرضها والتي سار عليها الآخرون دون أن يستوعب الكثير منهم  مضامينها وأهدافها والعواقب التي تنشأ عنها.

** الفساد المالي والإداري والنهب المتواصل لموارد البلاد المالية, وخاصة موارد النفط الخام المصدر بالسوق السوداء أو الموازية.   

9 . ويبدو لي بأن السيد الناقد ابتعد عن الموضوعية حين طلب مني ما يلي:

"كنت أتمنى أن يكون هجوم الدكتور حبيب على التخلف الحكومي و أن يحث على المزيد من الانفتاح و الشراكة مع القطاع الخاص بدلا من الدفاع عن نظام اقتصادي متخلف و متهرئ."

الخطأ الفادح الذي يرتكبه الأخ في نقده لمقالتي هو اعتقاده بأن الحديث عن القطاع الحكومي هو حديث عن النظام السياسي الشمولي السابق وسياساته الاقتصادية المناهضة لمصالح الاقتصاد الوطني والشعب أي عن نظام كانت إجراءاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذات طبيعة انتقائية مهمتها خدمة الحاكم وليس الشعب, مهمتها تحقيق أهداف الحاكم في التوسع والحرب والشوفينية والحروب وليس الشعب العراقي بكل مكوناته القومية. كل كتاباتي تشير إلى هذه الوجهة وتبرز في عدة مسائل جوهرية, وهي:

1.    أهمية وضرورة أن تلعب القطاعات الاقتصادية التالية من حيث الملكية دورها المباشر في عملية التنمية وبناء العراق, وهي القطاع الخاص والقطاع المختلط والقطاع الحكومي, إضافة إلى القطاع العربي والأجنبي.

2.    وضع إستراتيجية تنموية يمكن من خلالها بلورة نقاط الثقل الأساسية في التنمية وسبل الوصول إليها والقطاعات التي تتحمل مسؤولية النهوض بها. 

3.    أهمية تحديث الزراعة والاهتمام بها لضمان توفير المواد الأولية للصناعة المحلية وتموين السوق الداخلي بالسلع الزراعية, إضافة إلى ضرورات ضمان الأمن الغذائي للمجتمع.

4.    أهمية تطوير اقتصاد النفط الخام والغاز الطبيعية وتكرير النفط داخلياً وسلسلة الصناعات البتروكيمياوية واقتصاد الصناعة التحويلية بشكل عام عبر القطاعات الأربعة المشار إليها في أعلاه.

5.    أهمية وضرورة تقليص الاستيرادات السلعية لصالح التنمية الإنتاجية لتحقيق التراكم الرأسمالي المنشود في الاقتصاد العراق.

6.    تنويع بنية الدخل القومي من خلال زيادة دور وحصة الصناعة التحويلية والزراعة والقطاع الحرفي في تكوين الدخل القومي.

7.    تحسين استخدام وتوزيع وإعادة توزيع الدخل القومي في العراق.

8.    تحسين مستوى الخدمات وتطوير البنية التحتية المخربة والمتخلفة إلى الآن.

9.    تشغيل العاطلين عن العمل وتحسين مستوى حياة ومعيشة الفقراء وعدم السماح باتساع الفجوة بين الأغنياء والمتخمين وبين الفقراء والجائعين والمعوزين من الفئات الاجتماعية الكادحة.

10.                      أن يكون القرار الاقتصادي مستقلاً إلى أقصى الحدود الممكنة, إذ أن العولمة لن تسمح باستقلالية كاملة.

11.                      تغيير بنية الجهاز الإداري المتخلف الراهن والنظم التي سادت فيه في زمن الدكتاتورية أو ما نشأ عليها من تمييز قهري في زمن المحاصصة الطائفية المقيتة.

...الخ.       

يبدو أن السيد المعلق الثاني (راجع الملحق رقم 2) لم يقرأمقالاتي ودراساتي النقدية لتجربة الدول الاشتراكية, ومنها بعض محاضراتي في الجامعة المستنصرية قديماً. وهو غير ملزم بذلك طبعاً. ولكن السؤال المهم هنا هو: هل التخطيط المركزي  والقطاع العام هما السبب في خراب الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية؟ لم يكونا قطعاً هما السبب, بل أن خرابهما هو نتيجة. السبب واقع حال تلك الدول حين قررت بناء الاشتراكية ولم تكن هناك أرضية صالحة لهذا البناء لا من حيث مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي ولا من حيث الوعي الفردي والجمعي لدى المجتمع, وبالتالي كان البناء قسري يتناقض مع طبيعة القوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة فيها حينذاك وبمعزل عن إرادة الإنسان ورغباته. وبالتالي سادت البيروقراطية والإرادوية والتجاوز على القوانين الاقتصادية الموضوعية وغياب الديمقراطية والتجاوز على حقوق الإنسان وحقوق الفرد المواطن مما عمق من فعل التناقضات داخل المجتمع بسبب رفض الاعتراف بوجود مثل هذه التناقضات وعدم معالجتها, فكان الانهيار من الداخل وليس من الخارج. ليس القطاع العام والتخطيط المركزي التوجيهي كانا السبب في الانهيار, بل طبيعة السلطة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتخطيط المركزي المتشدد والتفصيلي وغياب المبادرة والتنافس والتعامل غير السليم مع حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, كما وعد بها النظام, كانت السبب وراء ذلك الانهيار.

لم يحن وقت بناء الاشتراكية لا في العراق ولا في الكثير من دول العالم. وليس الدعوة لإقامة القطاع العام هي دعوة لإقامة الاشتراكية في العراق, بل هي جزء من صميم الرأسمالية في هذه المرحلة من بناء الدولة العراقية وتحقيق التراكم الرأسمالي الضروري. وعلى الإنسان أن يتذكر موقف كينز من قطاع الدولة في أعقاب الحرب العالمية الثانية في أوروبا. كما على الإنسان أن يتابع اليوم الدعوة لتأميم البنوك أو فرض الرقابة المتشددة عليها ..الخ التي تتصاعد بعد نشوء الأزمة الجديدة للرأسمالية على الصعيد العالمي التي ارتبطت بسياسات اللبرالية الجديدة والمضاربات العقارية والمصرفية والبورصات المالية. إن الأزمة العالمية للرأسمالية حالياً لم تنته بعد ولم تصل إلى القعر الذي يفترض أن تصله لتبدأ بالنهوض مجدداً وعلى حساب الشعوب وخاصة الفقيرة والكادحة, ومنها شعوب الدول النامية.

العراق بحاجة إلى بناء الرأسمالية في العراق لا حباً فيها من جانبي, بل لأنها ضرورة موضوعية تشترطها طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق وأهمية الخلاص من العلاقات ما قبل الرأسمالية لبناء القاعدة المادية لأي تطور وتغيير لاحق منشود على المدى البعيد.

ولكن أي رأسمالية يفترض أن تنشأ في العراق, إذ أن الرأسمالية, ورغم كون قوانينها واحدة, ولكن مراحل تطورها مختلفة, وبالتالي دور الفئات الاجتماعية فيها مختلف. نحن بحاجة إلى نمو وتطور ونشاط البرجوازية الصناعية والزراعية المتوسطة, إلى الفئات المتوسطة الغائبة حالياً عن قطاع الإنتاج لصالح البرجوازية التجارية الكومبرادرية العاملة في التجارة وكذلك البرجوازية العقارية وتلك المعششة في أجهزة الدولة الإدارية المنتفخة. إنها برجوازية مستهلكة للدخل القومي وغير عاملة في مجال إنتاجه, أي أنها لا توظف رؤوس أموالها في القطاعات الإنتاجية والخدمات الإنتاجية, بل في مجالات غير منتجة وتلحق في بعض الجوانب أضراراً فادحة بالاقتصاد الوطني. نحن بحاجة إلى رأسمالية وطنية وبرجوازية وطنية مع قوانين تحد من درجة الاستغلال وتوفر الضمانات الاجتماعية والصحية والتعليمية والثقافية والبيئية ... الخ للمجتمع.

هناك تطور جيد في الدول الاسكندنافية, وهي لا تتبع اللبرالية الجديدة في أغلب سياساتها, والعراق بحاجة إلى ما يماثلها, وأن كان في مرحلة اقل تطوراً من المرحلة التي بلغتها الدول الاسكندنافية.

اللبرالية الجديدة لا توفر الخدمات الضرورية للكادحين وأقدم هنا نموذجاً واحداً لذلك إنها الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا البلد الكبير يوجد أكثر من 40 مليون إنسان يعيش تحت خط الفقر الدولي لمثل هذه الدول ونسبة عالية جداً من المشردين الذين يعيشون مع الجرذان تحت الأرض. وبالأمس ناضل باراك أوباما بشراسة واجبة من أجل إدخال الضمان الاجتماعي لنسبة معينة من السكان مع مقاومة أشرس من جانب الحزب الجمهوري الذي تبنى بشكل كامل سياسات اللبرالية الجديدة.

اللبرالية الجديدة لا تعرف المساومة مع العمال, إنها الرأسمالية المتوحشة التي أدخلت العالم الرأسمالي المعولم في الأزمة الاقتصادية والمالية الجارية والقاسية جداً على الشعوب والمربحة لجمهرة من الاحتكارات والشركات المضاربة والأشخاص. كمية الثروة لا تزال كانت لا تزال ذاتها حين وقعت الأزمة الجديدة, ولكن توزيع هذه الثورة كان ولا يزال غير متوازن ومتباين جداً. ما خرج من جيب دخل في جيب آخر. الشعوب التي خسرت كثيراً, قابلها شركات أو أفراد حققوا أرباحاً خيالية, ربحوا تلك الأموال التي خسرتها الشعوب. هذه هي الرأسمالية المتوحشة, اللبرالية الجديدة.          

28/7/2010                                             كاظم حبيب



     

الملحق 1: تعليق السيد (ز) على مقال كاظم حبيب " السياسة والاقتصاد في أزمة متفاعلة في العراق"

مقالات الدكتور كاظم حبيب مهمة و تشخص الكثير من الخلل في البنية الاقتصادية العراقية ألا أني أجد إن الدكتور حبيب قد افترض في مقاله هذا  قائمة من ستة نقاط حول أهداف اللبرالية العراقية الجديدة ولا اعلم من أين جاء الدكتور حبيب بهذه الأهداف المفترضة  للبرالية العراقية الجديدة وهل أحدثت هذه الأهداف التغيير المنشود ؟؟

إذا القينا نظرة  على الواقع الاقتصادي العراقي ألان عام إلفين و عشرة  نجد أن الدولة لازالت تستورد و تتاجر بالسيارات و مفردات الحصة التموينية و تنتج في مصانعها منتجات الألبان و زيت الطعام و الصابون و غاز الطهي و زيت السيارات و الأسمدة و خزانات المياه و السجائر و تدير الدولة العديد من الفنادق و المستشفيات و المختبرات و المراكز الطبية و ألأسواق المركزية لبيع المفرد و ساحات بيع الخضر و الفواكه و تجمع النفايات و توزع المنتجات النفطية و تجبي الفواتير و تغير مصابيح الإنارة المستهلكة و تقوم بأعمال البلديات و تشارك في المقاولات الإنشائية و تدير صوامع الحبوب و ترش المبيدات الزراعية و تدير المطارات و المواني و تعبي غاز الطهي و تسير القطارات و لديها أسطول لنقل الركاب و تمتلك قاعات الاجتماعات و المعارض الفنية و المسارح و تحتكر النقل النهري و تمتلك خطوط نقل الطاقة و الهاتف الثابت و إسالة المياه و القائمة تطول و تطول من المشاريع  و ياليت الحكومة تدير كل هذا بكفاءة و نزاهة  لكي ندافع عنها ضد اللبرالية الجديدة التي تبغي التغيير فكل ما ذكر تحول بالإدارة الحكومية السيئة إلى استنزاف حقيقي لموارد الدولة و لمعنويات الشعب

ولا اعلم من أين جاء الدكتور حبيب بما ورد رابعا بان اللبرالية تدعو إلى إبعاد ألدوله عن مسؤوليتها بالرعاية الاجتماعية وكأن العراق ينعم حاليا بشبكة من الخدمات الاجتماعية !!! فلا يوجد حاليا في العراق منهاج للضمان الاجتماعي يوازي ما هو موجود في الدول الغربية أو أي دوله تنعم بموارد مماثلة وان كان هناك من أمر معيب على الدولة فان أربع و عشرين بالمائة من شعبها يتضور جوع تحت خط الفقر من الكادحين الذين يذكرهم الدكتور حبيب و الدولة نائمة عنهم غير مكترثة بهم ، أين سيجري أبعاد الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية المذكور وهل فعلا الدولة تقوم بمسئوليتها الاجتماعية ؟؟

كما أن الدكتور في نفس هذه النقطة يذكر بان اللبرالية تعمد إلى أبعاد العراق عن التصنيع أو تحديث الزراعة ، حسنا ليسمح لي الدكتور أن اذكر أرقام حكومية رسمية ، مسجل حاليا لدى وزارة الصناعة العراقية مائة و تسعون ألف مشروع منها ست و خمسون ألف مشروع مسجله في التنمية الصناعية و حسب إحصائية وزارة الصناعة الرسمية فان عدد المتوقف منها هو سبع و تسعون بالمائة ، أما الزراعة فحدث بلا حرج عن ثلاثين مليون نخلة انتهت إلى اقل من ست ملايين وهذا حدث في زمن الهيمنة الحكومية التي يدافع عنها الدكتور و ليس في زمن اللبرالية التي يحاربها وهي لازالت حبر على ورق

لا أريد أن أطيل و أناقش في هذه العجالة ما ورد في مقال الدكتور حبيب ألا أني أجد أن الهيمنة الحكومية أدت إلى تدهور البلد و انهيار القطاع الخاص العراقي و ازدياد الفقر و ارتفاع معدلات التضخم و تراجع النمو الاقتصادي الذي أصبح اقل من أربعة بالمائة عام إلفين و تسعة و مرور سبع أعوام على التغيير هو زمن كاف للحكم على الأداء الاقتصادي الهزيل للدولة.

أحب أن اطمئن الدكتور حبيب بان اغلب المسئولين العراقيين لا يلهثون بوعي أو بغير وعي وراء نهج اللبرالية الجديد في السياسة الاقتصادية لأنهم منهمكون تماما بكراسيهم و كيفية إيجاد وظائف إضافية لأحزابهم و لمحاسبيهم وهم أن شئنا أم أبينا نتاج التخلف الذي زرعه النظام السابق وان الشراكة الحقيقة بين القطاع العام و الخاص هو أخر هموم هؤلاء المسئولين  وهو مجرد حلم سوف لا يتحقق ما دام الفكر الاقتصادي الشمولي يسيطر على عقول الفريق الاقتصادي الحكومي العراقي

كنت أتمنى أن يكون هجوم الدكتور حبيب على التخلف الحكومي و أن يحث على المزيد من الانفتاح و الشراكة مع القطاع الخاص بدلا من الدفاع عن نظام اقتصادي متخلف و متهرئ

احتراماتي
ز


***************


الملحق 2

الليبرالية الجديدة والرأسمالية لاتعني التخلي عن الفقراء والطبقة العاملة.
كل الدول الغربية المتقدمة لديها انظمة ظمان اجتماعي واسعة وشاملة تغطي كل شيء من ضمان صحي وسكن ورواتب للعاطلين عن العمل ووجبات مجانية لاطفال المدارس وغيرها. ليس كذلك فحسب بل أن بعض الدول كهولندا والدول الاسكندنافية تعطي سكانيها ذوي الدخول المحدودة و العاطلين عن العمل بدل سفر لغرض السياحة كل صيف ومبالغ لشراء الملابس و الاثاث كل ستة اشهر او سنة.

انا برأيي افضل نظام هو نظام رأسمالي حر لكن مع شبكة ضمان اجتماعي شامل.
طبعا الفجوة بين الفقراء والاغنيا ستزيد لكن معدل الدخل سيزيد للكل.
انظر اين وصلت الدول الشيوعية التي اتخذت نظام التخطيط المركزي واين وصلت الدول التي اتخذت النظام رأسمالي. اين وصلت هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية واين وصلت فيتنام او دول شرق اوروبا قبل سقوط الاتحاد السوفيتي.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة