السياسة والاقتصاد في أزمة متفاعلة في العراق ... كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

منذ نهاية الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق (2010) يعيش المجتمع وكذا الدولة والحكومة في أزمة سياسية طاحنة عجزت القوى الفائزة إلى الآن عن إيجاد حل لها ولمن يتولى رئاسة الوزراء. ويتوقع الجميع معجزة سحرية تحل الخلاف بين القائمة العراقية ودولة القانون أولاً, وبين دولة القانون وبقية قوى التحالف الوطني الجديد الذي شكله البيت الشيعي أخيراً ثانياً. وليس هناك من طريق غير الضغط الشعبي الذي يفترض أن يتصاعد ليفرض على "الفائزين" تشكيل الحكومة وفق برنامج يرجو الإنسان أن لا يكون طائفياً مؤذياً لهوية المواطنة والمواطن.

استثمرت القوى الإرهابية هذه الأزمة المستمرة والصراع والفراغ السياسي لتصعد من عملياتها العدوانية والقتل في صفوف الشعب العراقي, هذه القوى التي استعادت عافيتها نسبياً بع الضربات التي تلقتها قبل ذاك وأعادت نشاطها الدموي في مناطق لم يكن متوقعاً وجودها بهذه الكثافة وحرية الحركة التي تتمتع بها والفعل العدواني ضد الشعب العراقي. هذا الفراغ السياسي القائم , الذي لا يمكن أن تسده حكومة تصريف أعمال غير مقبولة عملياً من عدد غير قليل من القوى الفائزة, قد عمق من المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي ومن الحياة المعيشية الصعبة التي تعاني منها نسبة عالية من سكان العراق وخاصة في مناطق الوسط والجنوب والموصل. فالحكومة على امتداد سنواتها الأربعة المنصرمة لم تنتبه إلى مشكلات الاقتصاد ولم تجد وقتاً لوضع إستراتيجية تنمية وطنية, وبالتالي واصل العمل العفوي في الوزارات وبالوجهة التي كان يدعو إليها البعض من المسؤولين عن الملف الاقتصادي, واصل وجهة ونهج اللبرالية الجديدة, رغم عدم توفر مستلزمات مثل هذا النهج الرأسمالي المتطرف في البلاد.

حين كنا نستمع إلى السيد وزير التخطيط وهو يتحدث إلى القنوات الفضائية, كنا نسمع منه شكوى مرة متكررة عن عدم وجود إستراتيجية للتنمية الاقتصادية في العراق, وكنا نتساءل بحق: من هو المسؤول عن وضع إستراتيجية التنمية الوطنية, أليس هو وزير التخطيط وجهازه الفني؟ أليس من واجب هذا الوزير قبل غيره تشغيل جهازه الفني وبالتعاون مع الوزارات الأخرى لوضع إستراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية, ومن ثم توزيعها على خطط خمسية وسنوية للتنمية الحكومية والقطاع الخاص, كمشروع يطرح على مجلس الوزراء للمناقشة والإقرار ومن ثم يرفع إلى مجلس النواب ليصدر بقانون؟ لقد كانت الشكوى غريبة, وكل شيء أصبح غريباً عجيباً في العراق, رغم كون الرجل اقتصادي متخصص لا بد وأنه يعي واجبه الاقتصادي والفني, وربما كان لا يجد من يدعم عمله وينشط دوره لإنجاز هذه المهمة! 

كل الدلائل التي تحت تصرفنا تشير إلى أن أغلب المسؤولين عن الملف الاقتصادي في العراق يلهثون, بوعي أم بدونه, وراء نهج اللبرالية الجديدة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية. والسؤال المشروع في هذا الصدد هو: ماذا يعني اختيار نهج اللبرالية الجديدة في السياسة الاقتصادية للعراق في الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية؟

ليست اللبرالية الجديدة بنت اليوم, بل هي نتاج فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وأن طرأ عليها بعض التغيير, فإنها حافظت على أسسها العامة. فقد طرح ميلتون فريدمان (الولايات المتحدة) وفريدريك أوغست هايك (النمسا) منذ العقد الرابع من القرن العشرين فكرة اللبرالية الجديدة بوهم القدرة على معالجة عواقب الحرب العالمية الأولى وعواقب أزمة الكساد العام في الفترة 1929-1932/1933 بإطلاق العنان لقوى السوق لتتحكم بمسيرة الاقتصاد في الدول الرأسمالية المتقدمة وعلى الصعيد العالمي. إلا أن جون مينارد كينز كان لهم بالمرصاد ومن مواقع الرأسمالية ذاتها التي استندا إليها وانطلقا منها الاثنان لمعالجة ما خلفته الحرب وفترة الكساد الأعظم.  وإذ كان الاثنان يركزان على قوى السوق الحرة, كان كينز يركز على دور الدولة الخاص لتحريك النشاط الاقتصادي لتجاوز الأزمة واستعادة الاقتصاد لعافيته. وكانت البطالة الكبيرة وتردي مستوى المعيشة والخوف من المستقبل ترهق كاهل تلك المجتمعات والعالم حينذاك. (راجع في هذا الصدد: أولريش شيفر, انهيار الرأسمالية. المعرفة رقم 371 لسنة 2010 ومصادر كثيرة أخرى).

إن ما تسعى إليه اللبرالية الجديدة في العراق, وأن تباينت في بعض جوانبها وتعددت اتجاهاتها, هو ضمان ما يلي في وجهة نشاط الاقتصاد الوطني العراقي:          

1 . الالتزام بتنفيذ نهج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الاقتصاد العراقي وما يطلق عليه بـ"سياسات التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي" التي في أغلب نقاطها تتعارض مع واقع وحاجة الاقتصاد والمجتمع في العراق.  

2 . إبعاد الدولة عن أي نشاط اقتصادي وخدمي أو إقامة قطاع دولة اقتصادي وترك ذلك للقطاع الخاص.

3 . خصخصة كل ما لدى الدولة من مشاريع اقتصادية وخدمية, إذ ليس للدولة أي شأن فيها.

4 . إبعاد الدولة عن الرعاية الاجتماعية الضرورية في بلد كالعراق للمحتاجين والمعوزين من الأشخاص الفقراء والعائلات الكادحة والفقيرة.

4 . إبعاد العراق عن التصنيع أو تحديث الزراعة بشكل خاص والإبقاء قدر الإمكان على علاقات الإنتاج المتخلفة, إضافة إلى استمرار الضعف في مراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي.

5 . تشجيع مواصلة الباب المفتوح في التجارة الخارجية أمام السوق العالمي ورفض وضع قيود لحماية الإنتاج الصناعي والزراعي, والذي هو بأمس الحاجة إلى الحماية الجمركية.

6 . مواصلة استيراد السلع من الأسواق الدولية وإغراق الأسواق المحلية بها, بما يتعارض وحاجات الناس ومتطلبات التنمية والتثمير الإنتاجي.

7 . عدم تنفيذ سياسة مالية تعتمد مبدأ الضريبة التصاعدية على الدخل المباشر لأفراد المجتمع, والذي يزيد من مصاعب العيش على الفقراء ويزيد الرفاهية للأغنياء بشكل خاص.

إن كل المؤشرات التي لدينا من دول أخرى مارست اللبرالية الجديدة في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا أو في آسيا تشير إلى أن هذه السياسة قادت وتقود بالفعل إلى ظاهرة ملموسة هي تفاقم فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء لصالح الأغنياء وزيادة وتوسيع فجوة الفقر عمودياً وشاقولياً في المجتمع. وهذا يقود بدوره إلى تشديد التناقض الاجتماعي وتحوله تدريجاً إلى صراع سياسي ومن ثم نزاع طبقي متفاقم.

فهل مثل هذه السياسة يحتاجها العراق بعد تحرره من نظام استبدادي مقيت وأربعة حروب داخلية وخارجية مدمرة وقمع متواصل دون هوادة ومصالح طبقية متناقضة؟ لا أرى ذلك في كل الأحوال. ليس هناك من يريد القفز فوق الرأسمالية أو تجاوزها, إذ ليست هناك إمكانية من هذا النوع. ولكن ليس من واجب الدولة أيضاً إطلاق العنان لقوى السوق الحر لتلعب دورها غير المسيطر عليه لتخلق المزيد من المشكلات السياسية والاجتماعية على خلفية المشكلات الاقتصادية وتعميق التناقضات والصراعات الطبقية وتغييب أهمية وجود سلم اجتماعي لتحقيق التنمية الضرورية.

إن القوى والعناصر المدافعة عن نهج اللبرالية الجديدة تتوزع, كما أرى, على ثلاث خانات, وهي:

** إما إنها لا تدرك مفهوم اللبرالية الجديدة ولا تعي عواقبه على المجتمع وعلى العلاقات بين الفئات الاجتماعية في هذه المرحلة الحرجة من تطور العراق. وهو اضعف الاحتمالات, ولكنه من جانب أخر أسوأها, إذ من غير المعقول أن يلتزم سياسي بنهج لا يدرك فحواه ولا نتائج تطبيقه.

** وإما إنه ملزم بتطبيق هذه النهج بسبب ارتباطه بقوى دولية تحتضنه وتلتزمه سياسياً لأي سبب كان.

** أو إنه يحمل فكراً ونهجا يتطابق مع قوى اللبرالية الجديدة في الدول الرأسمالية المتقدمة, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية, ومن مواقع الدفاع عن مصالحه وليس مصالح الاقتصاد الوطني والشعب.

إن ترك قوى السوق تمارس دورها العفوي في العملية الاقتصادية لا يعني في ظروف العراق الراهنة سوى إبقاء العراق متخلفاً وحيد الجانب, اقتصاداً ريعياً واستهلاكياً يستهلك ما ترده من موارد مالية نفطية لتغطية أقيام وارداته السلعية السنوية المتعاظمة ولا ينمي الإنتاج المحلي, سواء أكان صناعياً أم زراعياً, ولا ينمي التثمير الإنتاجي ولا يحقق التراكم الرأسمالي الضروري لإغناء الثروة الاجتماعية أو الدخل القومي العراقي. وهذا يعني استمرار وجود البطالة والفاقة في المجتمع. كما يعني تبعية عملية إعادة الإنتاج أو العملية الاقتصادية في العراق للاقتصاد الدولي المعولم وللنتائج السلبية الحادة التي تنشأ عن هذه التبعية.

إن على من يتسلم الحكم في العراق إن يعي مسألة مركزية بأن العراق بموارده المالية المتأتية من النفط الخام يفترض أن توجه للتنمية الاقتصادية عبر الدولة أيضاً بعدة اتجاهات أساسية, وهي:

1.    استخدام تلك الموارد لمواصلة تطوير وتحديث قطاع النفط الخام. كما لا بد من تحديد سقف الإنتاج النفطي بحاجات العراق للموارد المالية السنوية واحتياطي مناسب يعزز موقع الدينار العراقي وسعر صرفه. فالنفط مورد طبيعي ناضب لا نحتاجه ليومنا هذا فحسب, بل نحتاجه للأجيال القادمة أيضاً ولا يمكن توقع الكف عن استخدامه ببدائل أخرى خلال سنوات القرن الحادي والعشرين.

2.    أن تأخذ الدولة بنظر الاعتبار ثلاث مسائل مهمة في وضع إستراتيجية التنمية, وهي:

أ. تغيير بنية الاقتصاد الوطني, ب. الاهتمام بالتخطيط الإقليمي أو الجغرافية والتنسيق الفعال بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية, إضافة إلى التنسيق مع مجالس المحافظات بهذا الصدد, ب. ربط التنمية الاقتصادية بالتنمية البشرية, اي بالتربية والتعليم والثقافة والبحث العلمي وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب.

3.    تنمية وتطوير القطاع الصناعي والقطاع الزراعي بحيث يشاركان في تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية المجتمع وبنية تكوين الدخل القومي ويحولان الاقتصاد الريعي الاستهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي استهلاكي.

4.    المشاركة في تطير قطاع الخدمات الإنتاجية والخدمات العامة بما يلبي حاجات ويساعد على دعم القطاع الحكومي العام والقطاعين الخاص المحلي والأجنبي ويسهل دخول الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي.         

5.    أن تساهم الدولة في الرعاية الاجتماعية وللسنوات طويلة قادمة, إذ من غير المعقول والمقبول أن تتخلى الدولة عن هذه المهمة وتساهم في تعميق التناقضات الاجتماعية التي تظهر موضوعياً في بلد يسير على النهج الرأسمالي الاستغلالي.

6.    إن مثل هذا التوجه يساهم في توفير الأرضية والشروط الضرورية لنشاط القطاع الخاص أيضاً في البلاد, إذ لا يمكن تصور تخلي الدولة في بلد كالعراق عن واجباتها الاقتصادية والاجتماعية, وهو لا يتعارض مع تأمين مستلزمات حركة القطاع الخاص والأجنبي وفق رؤية إستراتيجية واضحة للتطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود في العراق.

 

4/7/2010                                           كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة