العملية السياسية في العراق والموقف الكردي المتوازن ... عبد الرحمن آلوجي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

منذ الإطاحة بالنظام العراقي السابق والعملية السياسية في العراق تمر بمرحلة مخاض عسير , مابين شد وجذب , وتوافق وتخالف وأخذ ورد , مع ما يعتور العملية برمتها من أخطار وعنف ومواجهات ضارية , في مرحلة بناء حالة جديدة , يفترض فيها ان تنتقل إلى صيغ الاتفاق والتوافق , للوصول إلى معافاة في الجسد العراقي , وهو يعاني من آثار الماضي القريب والبعيد , وأمراضه وأوضاره وأوشابه, ومن آثار الحاضر المستعر , , وهو يكابد رسم ملامح اللوحة السياسية , وسط العنف والعنف المقابل , وما يحصل جراء ذلك من إراقة دماء آلاف الأبرياء والعزل وممن لا حول لهم , وهم يصطرعون في لهيب الحرب غير المعلنة وأتونها , في مرحلة انتقالية حرجة ودقيقة وقاسية .

والمشهد العراقي يزداد – مع توالي الأيام – وضوحا , وهو يحاول رسم اللوحة السياسية بل نحتها على جدار زمن عصي ومتأزم ودام , رغم خوض الانتخابات وخروجه بكتل وتحالفات وائتلافات , تحصد ثمرة عمل سياسي وفكري ومذهبي , طالما فعل فعله وحرك الساحة , وانجح كثيرا من المساعي الخيرة كما أصاب بالإخفاق والعرقلة وبكثير من التوتر مساعي أخرى , لتبرز بين الحين والآخر مواقف متوازنة , منطلقة من تجربة وطنية مديدة , ومن خبرات ميدانية مكثفة تشمل شرائح وفئات وكتلا وشخصيات عديدة , لنشهد في الواجهة نمطا متقدما , وصيغة رائدة ومثلى , تجلت في رؤية متوازنة , تجنح إلى الحل والتوافق والتكامل كما قال الأمين العام للجامعة العربية السيد "عمرو موسى " وهو يزور العراق ويلتقي قادة إقليم كردستان العراق , ليبرز دور الكورد بوضوح وجلاء , وهم يتصدون لبناء العملية السياسية , ومد الأطناب لخيمة العراق الواسعة والفسيحة الرحاب , في منطلق وطني متميز , بعيد عن المحاباة والمواربة والمداهنة واستغلال الفرص , في رفد متميز للطاقات والخبرات , واختبار وتمحيص للنوايا , وانطلاقة رائدة للإعمار والتشييد , ورفع دعائم تجربة ديمقراطية وليدة , خاضوا قبلها عقدا ونيفا وهم يعتصرون تجربتهم غير المسبوقة في الإقليم , ينضجون قيم المدنية والتطور والرؤية الديمقراطية في موقف قومي , يحمل من الرؤية الإنسانية والوطنية نسغها الغني , لينقلوا ثمرة ما حملوه على العراق , ممارسين بجدارة ومسؤولية قيم الحق والعدل والتوازن بين ما هو وطني وما هو قومي , دونما خلل أو اضطراب واختلال .

وعلى الرغم من تعثر التجربة الأخيرة في المحاولات المتكررة لحسم تشكيل الحكومة العراقية , والتحركات المتواصلة للوصول إلى صيغة مرضية في الكتل والائتلافات القائمة , وما تشكل أخيرا من الائتلاف الوطني , وما حدث من تآلف بين ائتلاف دولة القانون والمجلس الأعلى , وما أصرت عليه القائمة الوطنية العراقية من ضرورة قيامها- كأكبر كتلة نيابية – برئاسة الحكومة , وإصرار المالكي على ذلك بالمقابل , فإن الكتل الكردستانية الموحدة الموقف بقيت في توازنها على مسافة من جميع الكتل , لا تكاد تؤثر واحدة على الأخرى , ولا تستغل الفرص لمواقف غير مشروعة , بل مضت وتمضي قدما في استثمار علاقاتها الطبيعية والمتوازنة مع الجميع للم شملها , وجمع كلمتها , ودفعها إلى مناقشة الرئاسات الثلاث , والوصول إلى صيغ قانونية وواقعية مرضية , بعيدة عن التجاذبات الحزبية والفئوية , مؤثرة المصلحة الوطنية العليا على مكاسب حزبية ضيقة , ممارسة بذلك المعايير والقيم الوطنية المؤهلة لعملية سياسية رائدة , تقي من مقدمات البلبلة وضياع الفرص , مدركة حجم المسؤولية , وجسامة التحديات , وخطورة التلكؤ في المراهنة على عامل الزمن , والخضوع لمنطق محدود الأفق آني التصرف , وفئوي التوجه , مما قد يؤثر على العملية السياسية برمتها , وهو ما يعرض التجربة الديمقراطية لخطر الانزلاق إلى متاهات غير واضحة المعالم والهوية .

إن الموقف الوطني القادر والمسؤول يتطلب الترفع على المكاسب الآتية ترسيخا للتجربة التوافقية في ديمقراطية تتخذ من المعايير الأساسية في بناء العراق واستقراره وتوحده وازدهاره , في بلد متنوع العراق والاتجاهات والمذاهب والأديان , مما لا يمكن فيه غلا الوصول إلى صيغ ومقدمات تعايش سلمي ومدني , يوفر للجميع المهمة في قرار سياسي متكامل ومتوافق وفعال , يتشارك في صنعه وتنفيذه وأدائه الجميع , وهو ما حرص عليه القادة والزعماء الكرد , مستهجنين أي موقف تفردي يؤثر موقفا على آخر , مما سهل مهمتهم , غذ لم يسمحوا لأنفسهم أن يخترقوا أي صف , بل ساهموا باقتدار في محاولات جادة لإنجاح التجربة , ونقلها من الصيغ المحدودة إلى أفق وطني عراقي رحب , وواسع في طيوفه وألوانه ومكوناته , وهو ما يضع القاعدة العريضة للموقف السياسي المتوازن , والذي يمكن رفده والبناء عليه , واعتباره خطوة سياسية متقدمة , تحدد محور العملية السياسية الناشطة والناجحة وفقا للمادة الدستورية رقم 76 والتي يحاول البعض تفسيرها وفق الكتلة الفائزة في الانتخابات في حين يرى آخرون أن التحالفات اللاحقة هي التي تؤهل لتشكيل الحكومة ورئاستها, في حين يحتدم الجدل حول التفسير المختلف لهذه المادة, نجد الكتل الكوردستانية تقف بتوازن ودعوة إلى الحل المرضي والمؤهل للخروج إلى منطق متعاضد يرضي الجميع , ويحدو لأمل عريض , هو قوام عمل يوفر قواعد وأسس المسيرة المتقدمة والموقف الوطني المطلوب , وهو ما عمل من اجله مؤخرا قادة الإقليم في الاتصالات المكثفة بعد لقاءات الكتل الكردستانية بمختلف الكتل , وبخاصة إثر لقاءات السيدين " مقتضى الصدر , وإياد علاوي " , وما يمكن أن يثمر عنه هذا الجهد المتواصل والمتاني والهادف و وهو ما يأمله الجميع ويقفون عنده ويشيدون به , ليكون من صلب التحرك الدافع والمؤسس للعملية السياسية المثمرة والمرتقبة .

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة