كوردستان في عشرينات القرن الماضي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

تعقيب على تصريحات القنصل البريطاني العام في اربيل

عبدالوهاب طالباني

 

كانت للحرب العالمية الاولى نتائج وخيمة على بعض شعوب الشرق الاوسط ومنها الشعب الكوردي الذي قسمت بلاده بين الدول التي "اخترعتها " المطامع الاستعماريةو التي تأسست وفق اتفاقات دولية غير مشروعة وغير قانونية لانها لم تعتمد على رغبات شعوب المنطقة ، اذ لم يسأل احد الشعب الكوردي حول رأيه في تقسيم بلاده بين ايران وتركيا والعراق وسوريا ، كما ان الدول التي تأسست بنتيجة الحرب كانت على اساس تقسيم الغنائم وفق مصالح الدول المحاربة وليس وفق مصالح شعوب المنطقة ، فكانت النتيجة تشكيل كيانات غير منسجمة داخليا وخارجيا فأدى ذلك الى حالة عدم استقرار مزمنة وبالتالي نشوب تلك الحروب المدمرة التي شهدتها المنطقة ، وكان من نتائجها ايضا الهجوم العسكري والسياسي الشامل على كوردستان في اجزائها الاربعة ومنذ تشكيل تركيا الحالية وتشكيل الدولة العراقية واستمرارذلك الهجوم الى الان في اجزاء كوردستان الثلاثة وفي العراق ايضا والى يوم سقوط الصنم في عام 2003، تلك الحرب الفاشية التي ادت الى سقوط مئات الالاف من الضحايا ، وحرق الاف القرى والقصبات وتخريب البنى التحتية وايقاف عجلة التطور والنمو الاقتصادي في كوردستان وذهاب مليارات الدولارات الى شراء الذمم وشراء الحديد والنار والسموم الكيمياوية لقتل ابناء الشعب الكوردي والاحرار من ابناء القوميات الاخرى غير الكوردية ايضا .

 

وفي هذا المجال ووفق  صحيفة " الشرق الاوسط" فقد أعلن القنصل العام البريطاني في أربيل "جيرمي ماكادي" قبل ايام "أن بلاده كانت ترغب في أن تكون هناك دولة كوردية، لكن قصر النظر وتمسك الكورد آنذاك ببعض الثوابت أدى إلى قيام بريطانيا بتقسيمها وتوزيعها على الدول المجاورة".

 

ان هذا الذي قاله الدبلوماسي البريطاني هو بعض الحقيقة التي يريد البعض من الشوفينيين  والجهلة التنكر لها.  اقول هذا مع تحفظي على عبارته (لكن قصر النظر وتمسك الكورد آنذاك ببعض الثوابت..) نعم ان حكومة بريطانيا في عشرينات القرن الماضي لعبت دورا سلبيا ومباشرا في الحاق الاذى بالشعب الكوردي ، حتى ان قواتها قصفت مدينة السليمانية في العام 1919 وعدة قصبات كوردية اخرى مثل اوباريك ( شرق كركوك) في الخامس من حزيران عام 1931وحسب مذكرات المس بيل مستشارة الحاكم البريطاني انذاك في بغداد فانها تقول وبصريح العبارة انها كانت ضد تشكيل حكومة كوردية في كوردستان وقالت " انني لا اطيق رؤية الشيخ محمود"   ، وانها وصفت القيادات الكوردية انذاك بعبارات غير لائقة تبين مدى حقدها وعدائها لحقوق شعب كوردستان وهي التي كانت اساسا توجه دفة الحكم في العراق.

 

يقول الكاتب كريم شاره زا في دراسة منشورة له على موقع كلكامش ما يلي:

شكل الشيخ محمود حكومة كوردية في كوردستان الجنوبية في 15-11-1918 وعيّن البريطانيون الميجر نوئيل حاكماً سياسياً في تلك المنطقة واعترف بحكمدارية الشيخ الحفيد وحكمه . ثم وصل الى السليمانية من بغداد الكولونيل (لي. تي. ولسن) الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق بتأريخ 1-12-1918 ليجتمع مع الشيخ محمود للتباحث حول مستقبل كوردستان العراق السياسي ، ثم اجتمع برؤساء العشائر الكوردية واوضح لهم علاقة الحكومة البريطانية بالكورد واستفتى آراء الحاضرين حول حكومة الشيخ الحفيد ونوعية الكيان السياسي للكورد، وتبيّن لـ (ويلسن) ان بعضاً من رؤساء العشائر كانوا يرغبون في انشاء كيان سياسي كوردي مستقل ، وبعضهم كان يريد انشاء حكومة كوردية تحت رعاية بريطانيا".

ويضيف الكاتب :

." لم ترق للشيخ محمود سياسة الانكليز المزدوجة ، حيث كانوا يظهرون انفسهم كل حينٍ بشكلٍ ، ففي الوقت الذي كانوا يوعدون الكورد بتحقيق مطالبهم القومية ، فأنّهم كانوا يتنكرون لوعودهم ومواثيقهم بعد حين . لذا اعلن الشيخ محمود في 21-5-1919 استقلال حكومته الكوردية وطرد القوات البريطانية من منطقة نفوذه والقى القبض على موظفيهم ولكن في نهاية الامر أُسر الشيخ الحفيد جريحاً في معركة دربند بازيان يوم 19-5-1919 بعد مقاومة شديدة عند صخرة سميت فيما بعد باسمه بـ (صخرة البطل). أُرسل الشيخ الاسير الى بغداد ليحاكم امام المحكمة العرفية العسكرية فحكم عليه بالاعدام شنقاً الا ان حكمه الجائر هذا قد خفف لأسباب سياسية الى سجن مؤبد ونفيه الى الهند . لكن الاوضاع في كوردستان لم تستقر بعد ابعاد قائد الحركة الكوردية لذا فكّر الانكليز في اعادة الشيخ الحفيد الى السليمانية ، فعاد الى السليمانية في خريف 1922 وشكل حكومته الثانية في تشرين الثاني من تلك السنة واعلن نفسه ملكاً على كوردستان واعترف الانكليز وحكومة الملك فيصل الاول ملك العراق بحق الكورد في تكوين كيانه السياسي وفق معاهدة سيفر التي كانت حينذاك سارية المفعول. الا ان الانكليز نقضوا وعودهم التي قطعوها لملك كوردستان واخذوا يعرقلون أُمور حكومته"

 

علما ان معاهدة  سيفر  التي وقعت في بداية العشرينات" 10 أغسطس 1920" اكدت على ضرورة تشكيل الكيان الكوردي ، ولكن حكومة بريطانيا وبالتعاون مع فرنسا واستجابة لطلبات اتاتورك وفي معاهدة لوزان "في23 تموز 1923"، الغيت المواد الثلاث التي اجازت تشكيل الكيان السياسي الكوردي وبدلت بجملة تؤكد على ضمان الحقوق الثقافية والادارية للقوميات غير العربية والتركية ، ولكن حتى هذه الجملة لم تدخل حيز التنفيذ في تركيا على الاخص ، وفي العراق ، وللحقيقة نقول ، ان شيئا بسيطا منها طبقت في منطقة لا تزيد عن ربع اراضي جنوب كوردستان  في محافظتي السليمانية واربيل.   

وأشار "ماكادي" في حديثه ايضا إلى العلاقات الكوردية - البريطانية واصفا اياها بانها "اتسمت بالتوتر عندما قدم البريطانيون في الربع الأول من القرن الماضي إلى كوردستان العراق بعد الضربات التي وجهوها إلى القوات العثمانية التي أجبروها في النهاية على التراجع إلى الأناضول".

مضيفاً أن هذه العلاقات المتوترة بينهما بلغت الذروة في المواجهة التي قادها الثائر الكوردي الشيخ "محمود الحفيد" عام 1919 ضد القوات البريطانية في الواقعة المعروفة بمعركة «دربندبازيان» ما بين كركوك والسليمانية التي جرح فيها الثائر الكوردي ووقع أسيرا في يد القوات البريطانية التي نفته إلى الهند.

وأوضح "ماكادي" أن التوتر السابق في العلاقات البريطانية - الكوردية مرده تقسيم كوردستان إلى أربعة أجزاء أو خمسة إذا أضفنا إليها كوردستان أذربيجان، وزعت على الدول المجاورة التي أنشأها البريطانيون أنفسهم.

وتابع ماكادي: لكن الآن تسير العلاقات الكوردية - البريطانية باستمرار نحو التحسن وهنالك مبادرات من الجانبين لتطويرها.

ويقول ماكادي : كنا نرغب في أن تكون هناك دولة كوردية آنذاك، لكن "قصر النظر وتمسك الكورد ببعض الثوابت"، جعلنا نتناول مسطرة وقمنا بتوزيع الأملاك العثمانية، وكان نصيب الكورد التقسيم وتوزيعهم على كل من سورية وتركيا والعراق وإيران.

وفي الوقت الذي يمكن تفهم التغييرات التي حدثت في العالم ، وان عشرينات القرن الماضي لا تشبه ايامنا هذه ، وحدثت اصطفافات جديدة ومختلفة عن سابقاتها ، مع تغيرات كبيرة في موازين القوى خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وفي الوقت الذي  لا يمكن ايضا نسيان الدور البريطاني والامريكي الجديد والجيد في اغاثة الشعب الكوردي عام 1991 ، وقيام الدولتين بالدور العسكري  الاهم في اسقاط الدكتاتورية وتحرير العراق والشروع في بناء دولة ديمقراطية ، لكن ومع كل ذلك يبقى تقييم احداث ذلك الماضي شيئا ضروريا ، ليس ابدا من اجل زرع الاحقاد بل من اجل جعل نتائج تلك الاحداث دروسا وعبرا للحاضر والمستقبل . ومن حق الكورد ان يحاولوا تصحيح اي مواقف  تؤدي في فحواها الى تكرار مواقف الماضي التي اضرت كثيرا بالشعب الكوردي.

 
ويزعم القنصل البريطاني العام في كوردستان: "على الرغم من أن الكورد في بعض الأحيان عنيدون ولا يرغبون في أن يتحكم فيهم أحد، ويريدون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، لكننا استطعنا أن ندير المنطقة بشكل جيد وناجح". هذا الكلام لا يمكن ان يتفوه به  من له مقام دبلوماسي كبير كمقام السيد ماكادي  ، ما معنى قوله " على الرغم من أن الكورد في بعض الأحيان عنيدون.." ؟ اهذا كلام دبلوماسي ام مقام  مقاهي مع كل الاحترام للسيد ماكادي ؟ هل يمكن ان ينعت شعب باسره بالعناد ؟ ثم لماذا يفترض السيد ماكادي ان الكورد كان عليهم ان يقبلوا حكم الاخرين عليهم ؟ هل انهم كانوا قاصرين ولم يبلغوا سن الرشد؟ ثم لماذا فضلت حكومته انذاك ان يحكم كوردستان من قبل الاخرين وليس من قبل ابنائها؟ وما هي مميزات وافضلية هؤلاء الذين نصبوا حكاما على كوردستان؟ ام ان المسألة اولا واخرا كانت تتعلق بتوزيع الثروات ونهبها وتأسيس دول مركبة معفدة التكوين وعلى حساب شعوب المنطقة  كي تبقى غير مستقرة وبحاجة دائمة لافضال اساطين ما وراء البحار؟

 

اما قوله من انهم استطاعوا ادارة المنطقة بشكل جيد ، فهذا كلام فيه الكثير من عدم الدقة ، انهم ، في الحقيقة ، زرعوا في المنطقة مشاكل لا تعد ولا تحصى ، ونتيجة لادارتهم السيئة نرى الان هذا الارث الملئ بالفرقة وعدم التناغم ..لانهم اساسا بنوا سياساتهم في المنطقة على اخطاء فادحة دفعت وتدفع شعوب المنطقة ثمنها الى الان.

ويشير الدبلوماسي البريطاني إلى أن حكومته "قدمت العون للكورد قائلا: لقد استقبلنا المواطنين الكورد الذين كانوا مهددين أو مراقبين في بلدنا، ونحن الذين قمنا بحث الأميركيين عام 1991 لتبني منطقة يحظر فيه الطيران العراقي لتكون بمثابة منطقة آمنة للكورد في شمال العراق، والآن علاقاتنا معهم جيدة خصوصا في مجال الزمالات والثقافة والأعمال" نعم بالتأكيد ان بريطانيا واميركا قدموا الكثير من الدعم والمساعدة للشعب الكوردي ايام الهجرة المليونية (1991)  ، ويشكرون على ذلك ، و الكورد يذكرون هذا الفضل الكبير لبريطانيا وللولايات المتحدة ، ويتمنون ايضا ان تستفيد الدول الكبرى من اخطائها الماضية ، وان لا تكون سببا في التاكيد على "امر واقع" ثبت فشله وعدم جدواه ابدا.

وجميل جدا ان يقف السيد "ماكادي" عند مظاهر الحياة الديمقراطية في كوردستان، ويتحدث عن عدد البرلمانيات في برلمان كوردستان العراق وهن أكثر عددا مما في البرلمان البريطاني، وهو يرى في ذلك أمرا إيجابيا ويقول: من الممكن أن نحذو نحن في ذلك حذوكم.
 ومن المفرح ان نرى قنصلا عاما لبريطانيا في اربيل  وهو يشيد يالديمقراطية التي بناها الكورد في بلادهم في حين يرى ان الدولة التي صنعوها في عشرينات القرن الماضي غارقة في تعقيدات الطائفية والدماء والارهاب ..

 

لنا ان نقول : اين المس بيل الان لترى  كيف ان "المتوحشين الكورد "..عبارة استعملها المس بيل عن الكورد في مذكراتها، اقول لترى كيف انها كانت حينها مستشارة خراب لا بناء ، وعلى خرائب فعلتها ينطلق الكورد اليوم وبشهادة القنصل البريطاني العام في كوردستان لبناء ديمقراطية انسانية لا تستوعبها الانظمة التي "اخترعتها" الخاتون واسيادها بعد الحرب العالمية الاولى.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة