أربيل واحة للحوار والتوافق ... نوري بريمو24 ـ 7 ـ 2010

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بموجب الدستور العراقي الذي جرى الاستفتاء عليه وحظي بموافقة غالبية مكونات البلد، والذي أقرّ علناً باختيار نظام حكم فدرالي تعددي قوامه التنوع القومي والديني والطائفي الموجود في بلاد الرافدين، والذي أعطى الأولوية لإعادة بناء الدولة العراقية الحديثة على أساس التوافق السياسي وليس المحاصصة بين قيادات كافة الأطراف التي تحالفت مع بعضها وتناغمت مع المجتمع الدولي وساهمت في إسقاط النظام البائد وشكلتْ فيما بينها مجلس حكم مؤقت ومن ثم خاضت انتخابات نيابية نزيهة لأول مرة بالقياس مع ما سبقها في البلد ومع باقي دول الجوار، ومن ثم ائتلفت مع بعضها وتموضعت على شكل تكتلات برلمانية متحالفة وأخرى متخالفة تحت قبة مجلس النواب الذي تحوّل إلى فسحة لا بأس بها لتبادل الرأي والرأي الآخر، خاصة وأنَّ الدستور الجديد أعطى حق المناقشة والتصويت لكافة ممثلي أطياف العراق الخارج لتوه من قبضة نظام شمولي مارس أبشع أنواع التنكيل بمعارضيه بلا رحمة، وواظب في توزيع المظالم على الجميع مع بعض الاستثناءات على هذه الخلفية أو تلك، وتفنَّنَت أجهزته الأمنية في زرع النزاعات الأهلية التي لا تزال تداعياتها الفتنوية تنخر في أوساط عراقية كثيرة باتت بؤراً ملائمة لخلق قوى معيقة تفعل فعلها كالفيروسات التي تنتعش وتتسرَّب بشكل سري إلى الأماكن المغبنية التي يكثر فيها أسرى العهد الماضي والمتضررين من الحاضر والذين لا يخفون حنينهم لأيام الخوالي رغم سقوط  فارسهم من على ظهر جواده ورغم تعرّض أيتامه ومريديه للهزيمة يوماً بعد آخر.

في هذا المنحى المندرج ضمن سياق المخاض العسير المترافق مع معضلات الراهن التمهيدي لتطبيق الدستور العراقي الجديد، وفي إطار مساعي إنجاح العملية السياسية في هذا العراق السائر نحو الأفضل بأي حال ومهما ساءت الأحوال، ومادام سقوط النظام البائد قد تحقق رغم أنه كان من سابع المستحيلات كما يُقال، فإنّ المصلحة العراقية المشتركة تقتضي أن يكون شعار كافة العراقيين في هذه الحقبة الجديد، هو التمسك بشعار "ممنوع الفشل" وعدم الاكتراث بما يضمره أعداء اليوم والأمس، وأن يجري تكثيف الجهود الخيرة التي من شأنها تقريب وجهات النظر بين مختلف المكونات على طريق تشكيل حكومة توافقية طال انتظارها، خاصة وأنه مضى على إجراء الإنتخابات البرلمانية حوالي خمسة أشهر مرت عجافا على العراق والعراقيين.

لكنّ شعار ممنوع الفشل الذي يجسّد نبض الشارع العراقي بجنوبه ووسطه ويمثل خيار الشارع الكوردستاني برمته، قد يتحول إلى عبارة كلامية ممنوعة من الصرف في القواميس ومستحيلة الترجمة في الميدان، حينما نجد أنّ كل فريق يغني على ليلاه التي يريدها كما يشاءها قلبا وقالبا لا كما يخدم هذه الدولة الفدرالية المتعددة الأعراق والأديان والطوائف، إذ أنّ سريان مفاهيم ومسلكيات الماضي وعدم دفنها قد يجلب مزيدا من الدببة إلى الكرم العراقي الذي انتفض ضد الاستبداد وظفر بالسلطة وانتعش من جديد وعاود التبرعم والأزهار مرة أخرى بعد طول انتظار وصبر من أهله الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل الوصول إلى هذا اليوم الذي يجدون فيه بلدهم ديموقراطيا مع مواطنيه ومسالما مع محيطيه الإقليمي ومنفتحا على المجتمع الدولي.

وبالبناء على ما سبق فإن عقلانية تطبيق الدستور والإسراع في التوصل إلى تشكيل الحكومة عبر التوافق، هو خير بداية للسير في دروب "ممنوع الفشل" لإعادة إعمار وبناء العراق الفدرالي الديمقراطي الموحد.

وبهذا الصدد الذي بات عالقا لعدة أشهر بفعل مفاعيل كثيرة، فإن الجانب الكوردستاني أبدى ويبدي استعداده الدائم للخوض في تشكيل الحكومة كشريك أساسي وللمساهمة كوسيط بين الشركاء المختلفين إن تطلب الأمر، وقد باتت تلوح في الأفق ثمة أخبار توحي إلى أنّ أربيل التي أضحت تتطور يوما بعد آخر إلى واحة لحوار الحضارات، قد تستضيف في هذه الأيام اجتماعا هاما سينعقد بين عدد من زعماء الكتل الفائزة بحضور سيادة الرئيس مسعود بارزاني الذي كان وسيبقى ملتزما بخيار الحوار ومؤمنا بأنّ كل شيء قابل للنقاش في إطار الدستور العراقي الذي ينبغي أن لا يعلى عليه أي صوت داخلي أو إقليمي أو دولي. 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة