كاظم حبيب .... اتجاهات تطور الوضع السياسي والاقتصادي في العراق

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بمناسبة الذكرى السنوية لثورة تموز 1958 الوطنية


مرت قبل عدة شهور الذكرى السابعة لسقوط الدكتاتورية الفاشية في العراق التي جثمت 35 عاماً على صدر الشعب العراقي وأغرقته بالدماء والدموع والبؤس والفاقة والحرمان. وهي ذات القوى التي أطاحت بالجمهورية الأولى وصفت المكاسب الوطنية التي حققتها تلك الثورة في فترة وجيزة وأجهزت على قائد الثورة وجمهرة من قيادييها وعلى عدد كبير من المناضلين الشجعان في سبيل الشعب والوطن.

وكان الشعب ينتظر نهاية ذلك النفق الذي أدخلنا به حزب البعث العربي الاشتراكي القومي الشوفيني والدكتاتور الأهوج صدام حسين ورهطه. ولكن الشعب العراقي الذي تخلص من الإرهاب والدكتاتورية الحاكمة, سقط تحت الاحتلال وفي جحيم الطائفية السياسية المقيتة والإرهاب الطائفي لقوى متطرفة متنوعة سنية وشيعية وتكفيرية وبعثية وقومية.

حين تسلم نوري المالكي رئاسة مجلس الوزراء مثَّل في حينها البيت الشيعي على وفق المحاصصة الطائفية التي كرستها الإدارة الأمريكية وبول بريمر رسمياً. وفي السنة الثالثة من عمر وزارته أدرك نوري المالكي أن لا سبيل له للخروج من الأزمة التي يمكن أن تعصف بوزارته سوى توجيه الضربة الضرورية لقوى تساهم في العملية السياسية ولكنها تمارس الإرهاب خارج إطار هذه العملية, إضافة إلى قوات الإرهاب الأخرى كالقاعدة والبعث ألصدَّامي وهيئة علماء المسلمين وقوى قومية شوفينية متعفنة سياسياً. كما ابتعد نسبياً عن السياسات الإيرانية في العراق في محاولة منه لتمييز نفسه ووضع مسافة بينه وبين سياسة حزبه.

فوجه ضربته الماهرة إلى جيش المهدي, الجناح العسكري للتيار الصدري بالبصرة وبغداد وغيرها, إضافة إلى تشكيل القوات الأمريكية للصحوات العراقية في غرب بغداد والتي أجهزت على الكثير من المواقع القوية لتنظيمات القاعدة الإرهابية. وبهذه السياسة تحققت بعض النجاحات المهمة في مواجهة عصابات الإرهاب الطائفية المسلحة وفي بروز تحسن ملموس في الوضع الأمني.

وفي ضوء هذا الواقع الجديد نشأت إمكانيات غير قليلة لوضع حلول عملية لعدد غير قليل من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والإنسانية والخدمية الداخلية وفي العلاقات العامة في ما بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق وتأمين حمايتهم من الأوغاد.

من المؤسف أن نشير إلى السيد رئيس الوزراء لم يقدم على تلك الخطوات الضرورية بل تعثر في مسيرته وتراجع عن مواصلة السير على طريق دولة القانون التي أسسها لتجاوز القوى الشريرة والطائفية المقيتة, مما أدى إلى إضعاف الجانب الأمني والمكاسب التي تحققت فيه وأصبح الوضع الأمني هشاً وعادت العمليات الإرهابية إلى ممارسة يومية مريعة. لا شك في وجود ظروف معقدة وصعبة, ولكن نوري المالكي تصرف كمنتصر كبير واعتبر نفسه منقذ الشعب وراح يتصرف بصورة فردية, ثم عزز مواقع حزب الدعوة بدلاً من تعزيز الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام وكرس الطائفية في مكتبه ومستشاريه. ثم تعززت هذه الروح الفردية والغرور السياسي في خطاباته الكثيرة وتصريحاته الصحفية قبل وبعد انتخابات مجالس المحافظات بشكل خاص, مما حول الكثير من الناس ضده, إذ دخل باسم دولة القانون, ولكنه خرج بحزب الدعوة غير المقتنع بالديمقراطية كأداة وفلسفة, بل كأداة للوصول إلى السلطة فقط والبقاء فيها "أبد الآبدين!" ونسى المقولة التي تؤكد "لو دامت لغيره, ما وصلت إليه". ومن المؤلم حقاً أن نسبة غير قليلة من سياسيينا ينسون هذه الحكمة القديمة بعد وصولهم إلى السلطة مباشرة.

ونتيجة لهذا النهج غير العقلاني انتهى الوضع في العراق ومن جديدة إلى هشاشة كبيرة, ومنها الجانب الأمني. وأصبح العراق يعاني من مشكلات كثيرة تستوجب التفكير بها ومعالجتها.

فما هي المشكلات التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة؟ وما هي الصراعات الناجمة عنها؟ وما هي سبل معالجتها؟

ثلاث قضايا تشغل بال الشعب العراقي وتؤرقه يومياً وتتسبب في المزيد من الإحباط لدى المزيد من لناس, وهي:

القضية السياسية:

  1. ضعف الحياة الديمقراطية وهشاشة مجمل الوضع الأمني والسياسي في العراق والتجاوزات المتواصلة على حقوق الإنسان والحريات العامة في البلاد وضعف الإعلام المستقل وتنامي محاولات من جانب قوى الحكومة جادة في السيطرة عليه وتوجيهه لصالحها.

  2. استمرار العمل بنظام المحاصصة الطائفية وهيمنتها على الساحة السياسية والتي تبرز بوضوح في الصراع على السلطة بين القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية على المستوى السياسي المنبثق منها. وهي مشكلة ناتجة عن الرغبة الجامحة لتلك القوى والأحزاب السياسية الإسلامية في السيطرة على النفوذ في المجتمع وعلى الموارد المالية وسبل التصرف بها.

  3. تفاقم الخلافات في "البيت الشيعي" والناجمة عن صراع شيعي - شيعي على مستوى الحكم والأحزاب الإسلامية السياسية المشاركة في الحكم, وهي لا تبتعد عن الرغبة في الهيمنة على السلطة والتحكم بسياسة وموارد الدولة من هذا الطرف أو ذاك.

  4. استمرار المشكلات بين الإقليم والحكومة الاتحادية دون حل عملي لها رغم مرور فترة طويلة على صدور قرارات تفرض العمل لحلها. وهي مشكلات تتبلور في القضايا المالية وحدود المحافظات وقضية كركوك. كما تبرز بشكل صارخ وخطر في كركوك كصراعات عربية- كردية-تركمانية على مستويات متعددة وتحمل معها مخاطر غير قليلة على كركوك والعراق عموماً.

  5. الإرهاب الدموي غير المنقطع الذي تمارسه ميلشيات عديدة, إضافة إلى قوى القاعدة والبعث الصداميين. وعلينا أن نشير إلى احتمال بدء ميليشيات طائفية مسلحة سابقة نشاطها الإرهابي مجدداً للضغط على الحكومة والقوى السياسية للقبول بحلوبل معينة لتشكيل الحكومة وفرض سياسات معينة عليها.

  6. استمرار القتل والتشريد والتهديد ضد أتباع الديانات الأخرى في العراق من غير المسلمات والمسلمين والتي تتسبب في هروب الكثير من البشر. إنها محنة تلاحق المسيحيين والصابئة المندائيين وكذلك الإيزيديين في الأقضية التابعة إدارياً لمحافظة الموصل.

  7. ولا شك في أن قضية تأمين الاستقلال والسيادة الوطنية تلعب دورها المباشر في صراع مبطن في غالب الأحيان لا يقصد بحد ذاته بل يستخدم كغطاء لمهمات وشعارات أخرى تمارسها العديد من قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة.

الباب الاقتصادي:

  1. ويتجلى في إصرار الحكومة السير على نهج اللبرالية الجديدة الذي رسمه وكرسه بول بريمر للعراق , إذ لا يزال هو السائد والمعمول به في كل أنحاء العراق, بما في ذلك إقليم كُردستان, رغم ضبابية فهمها لدى الداعين إليها والعاملين من أجلها. إنه الوصفة التي يقمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى الدول النامية, وهي التي تتسبب في الكثير من مشكلات الدول النامية اقتصادياً واجتماعياً ومن ثم سياسياً.

  2. غياب إستراتيجية تنموية وخطط إنمائية والابتعاد كلية عن التصنيع أو تنمية وتحديث الزراعة, بل التركيز على الاستيراد السلعي بالنسبة للحكومتين الاتحادية والإقليمية. وهي واحدة من أكثر السياسات إضعافاً للاقتصاد الوطني وللعملية الاقتصادية.

  3. غياب الإستراتيجية النفطية التي تنسجم وحاجات العراق على المدى القريب والمتوسط, والتوقيع على عقود خدمة كثيرة ستجلب الكثير من المشكلات للعراق, كما أن فيها تفريط كبير بدور شركة النفط الوطنية التي في مقدورها النهوض بالكثير من المهمات التي استولت عليها شركات النفط الأجنبية وبعقود مغرية لها ولسنوات طويلة. وهي سياسة ستؤدي إلى نتائج سلبية على صعيد سوق النفط الدولي والأسعار وتخلق مشكلات جدية لمنظمتي الأوبك والأوابك.

  4. تخلف شديد في الخدمات العامة, ومنها بشكل خاص الكهرباء والماء والخدمات الصحية والتعليمية والبريدية ...الخ. وهي القضايا العقدية التي تؤرق العراقيات والعراقيين إلى أبعد الحدود, وخاصة في فصل الصيف اللاهب وعلى مدار السنة.

  5. كما إن البطالة واسعة الانتشار على مستوى البلاد وكذلك انتشار البطالة المقنعة المستنزفة للدخل القومي والاقتصاد الوطني والإنسان.

  6. الاستهلاك المتواصل لموارد البلاد المالية المتأتية من النفط الخام عبر سياسات الباب المفتوح أمام الاستيراد والفساد العام.

  7. الفساد المالي المتفشي في جميع أنحاء البلاد وعلى المستوى الرسمي والشعبي, حيث تساهم الشركات الأجنبية, وخاصة الأمريكية, في توسيع وتعميق نظام الفساد السائد ...الخ. إنه البلد الثاني بعد الصومال!

  8. تفاقم الفجوة الدخلية ومستوى المعيشة بين الغالبية العظمى من السكان وبين الأقلية الصغيرة, إضافة إلى وجود نسبة عالية من السكان تعيش تحت خطر الفقر المحدد دولياً للدول النامية.

  9. تفاقم مشكلات البيئة في العراق وما تحمله معها من عواقب سلبية على الاقتصاد والمجتمع والصحة العامة.


الباب الاجتماعي:

  1. ويتجلى في البطالة والفقر والأرامل وتشرد الأطفال وعمل الكثير منهم وتفاقم التسول.

  2. تزايد عدد المقعدين وذوي الحاجات الخاصة.

  3. تفاقم حالات العهر النسائي واستمرار عهر الصبيان بسبب الحاجة المادية وبسبب التشرد.

  4. تفاقم السلوك الانتهازي وازدواج الشخصية والتحايل والمخاتلة والجريمة المنظمة وما إلى ذلك في أجهزة الدولة والمجتمع.

  5. التمايز الكبير في مستويات الحياة الاجتماعية والمعيشة والسكن والأمن بين النخبة الحاكمة والنخب التشريعية القضائية والصف الأول والثاني من العاملين في الأحزاب السياسية وبين بقية فئات المجتمع.

  6. تفاقم حالات التشوه والأمراض السرطانية في الولادات الجديدة نتيجة الحروب وما استخدم من سلاح وعتاد مشع فيها.

  7. تزايد عدد السجناء والمعتقلين الذين يعانون من مصاعب جمة ويواجهون التعذيب وأوضاعاً مزرية, كما تعاني عائلاتهم مصاعب كثيرة بسبب فساد الأجهزة المسؤولة عن السجون والأمن.

إن السعي لإيجاد حلول عملية لهذه المشكلات أمر ليس بالتعقيد الكبير, ولكن حالة العراق الراهنة لا تسمح بذلك, إذ أن الصراع الراهن على السلطة في أعقاب إعلان نتائج الانتخابات يزيد من صعوبة ذلك.

كما إن المشكلة الأكثر تعقيداً تبرز في ميزان القوى الراهن الذي يميل لصالح قوى الإسلام السياسية التي تهيمن حقاً على القرارات السياسية العراقية, وتجسد ضعفاً استثنائياً غير معهود للقوى الديمقراطية على صعيد العراق وفي الوسط والجنوب والموصل على نحو خاص, ومصادرة دورها في المجتمع وفي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأمنية ...الخ, رغم الانشقاق الفعلي في التحالف الوطني الجديد بين دولة القانون وبين الصدريين + الائتلاف الوطني العراقي, والذي يسهم في إضعاف الطائفية وسياسات البيت الشيعي.

وعلينا أن نتذكر بأن الحكومة العراقية الراهنة تلعب دوراً سلبياً في عرقلة الدور الضروري الذي يفترض أن يلعبه المثقفون والمثقفات في الحياة التنويرية والثقافية العامة, وخاصة التنوير الديني والاجتماعي وإزالة الوعي الديني المزيف والمشوه من أذهان الناس.


على الصعيد الإقليمي:

يتفاقم التدخل المباشر, السافر والفظ, في الشأن العراقي من جانب كافة دول الجوار, ولكن بشكل خاص من إيران وسوريا والسعودية وبعض إمارات الخليج وتركيا. ويتخذ التدخل عدة أساليب ملموسة:

  1. الإعلام والدعاية الإسلامية السياسية شيعية, من إيران, وسنية من بقية دول الجوار, سواء عبر القنوات الفضائية أم عبر خطب الجمعة أم في الصحافة والتلفزة والمواقع والتي تريد تعميق الصراع وتحويله غلى نزاع دموي.

  2. الأموال التي تخصص للأحزاب السياسية في العراق سنية وشيعية وبعض القوى "العلمانية" القومية والبعثية.

  3. وجود عدد كبير من المستشارين الذين يعملون في العراق بشكل غير رسمي ويحملون جوازت سفر إيرانية أو عراقية ويمارسون التوجيه المباشر في بعض الأحزاب الإسلامية السياسية.

  4. إرسال المقاتلين الإرهابيين إلى العراق أو السماح لهم بالعبور, وبشكل خاص من إيران وسوريا, ولكن من دول الخليج أيضاً. ومنهم من يصل بصفة زائر أو سائح من إيران ومن الدول الإسلامية الأخرى.

  5. الضربات العسكرية المتتالية التي تنفذها كل من تركيا وإيران على الراضي العراقية في مناطق جبال كردستان وخاصة جبل قنديل والتي تقود إلى تشريد الكثير من الفلاحين من قراهم التي تدمرها تلك الضربات وتقتل العديد منهم.

ويفترض أن لا ننسى بأن العراق أصبح جسراً مهماً لتهريب المخدرات من أفغانستان وإيران إلى دول الخليج ومنها إلى العالم الخارجي, إضافة إلى زيادة تعاطيه في العراق. كما أصبح في مناطق معينة من العراق منتجاً ومستهلكاً لها بصورة غير رسمية.

وعلى الصعيد الدولي:

يبرز التدخل المباشر في الشأن العراقي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وهي القادرة على التأثير بحكم وجودها العسكري والسياسي والأمني والفكري, إضافة إلى الاتفاقيات المعقودة معها. ويتجلى تدخلها على شكل نصائح أو توجيهات. ولكن هذا التدخل لا يصل إلى مستوى تأثير إيران والسعودية. فكلا الدولتين استطاعتا أن تجمعا الشيعة في تكتل والسنة في تكتل آخر. وهي المعادلة الصعبة بين قوى متصارعة على الساحة السياسية العراقية والطامعة بحكم العراق بصورة غير مباشرة, ولهما أتباع في العراق.

يبدو أن الولايات المتحدة تميل إلى القائمة العراقية حالياً لكسر ما ساندته وكرسته من نظام طائفي محاصصي لصالح الشيعة في العراق. فهل هي قادرة على ذلك؟ إذ أن القائمة العراقية لا تخلو من إشكاليات مؤذية ففيها الكثير من العناصر التي ساهمت في قهر المجتمع في إطار النظام السابق.

تريد الولايات المتحدة, وبعد أن عقدت الاتفاقيات الضرورية وثبتت مواقعها, الانسحاب من العراق لمواجهة مشكلة أفغانستان والاستجابة النسبية لرأي الغالبية العظمى في المجتمع الأمريكي وللوعود التي قطعها باراك أوباما, ولهذا فهي مهتمة بتشكيل سريع للحكومة إذ لم يبق على موعد انسحابها أكثر من سنة واحدة, وقد سحبت الكثير من القوات إلى الآن. وهو أمر إيجابي طبعاً. وهذا الانسحاب سوف لن يؤثر كثيراً على دور الولايات المتحدة السياسي في العراق والذي يدعمه إلى الآن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

علينا أن نؤكد بأن الصراعات الداخلية الحالية متشابكة مع الصراعات الإقليمية والدولية, وهي معضلة العراق الراهنة. واللاعبون العراقيون غير أحرار في لعبتهم الداخلية بل يرتبطون بلاعبين إقليميين مؤثرين وآخرين على الصعيد الدولي, سواء بشكل مباشر أم غير مباشر. ولا يمكن معالجة هذه العلاقة المتشابكة بسهولة مع استمرار نهج المحاصصة والتوافق الجارية حاليا. ومما يزيد في الطين بلة ضعف الحكومة العراقية والبرلمان والمؤسسات الأخرى وضعف قدراتها في الدفاع عن الشعب في الداخل أو حماية الحدود مع الدول الأخرى. وخير دليل على ذلك الضربات العسكرية المتزايدة والقصف المستمر من جانب قوات الحكومتين الإيرانية والتركية على مناطق في كردستان العراق أو التفجيرات الانتحارية المتزايدة أخيراً.


الخلاصة: يمكن تلخيص واقع العراق بما يلي:

اولاً: صعوبة الوصول إلى حلول ديمقراطية في ظل النظام الطائفي السائد من جهة, وضعف القوى الديمقراطية وقدرتها الهامشية في التأثير على الأوضاع من جهة أخرى.

ثانياً: غياب الرؤية الموضوعية للمشكلات الراهنة لدى الأطراف الإسلامية السياسية المتصارعة وسيادة الصراع حول المكاسب الطائفية بغض النظر عن الصواب والحق والحقوق.

ثالثاً: التأثير المتفاقم لدول الجوار في تشكيل التحالفات وتشكيل الحكومة, وخاصة إيران وسوريا والسعودية على نحو خاص.

رابعاً: تراجع تأثير الولايات المتحدة الأمريكية على النخب السياسية في مقابل تأثير إيران والسعودية, رغم العلاقة المتينة التي تربط بين سياسات الولايات المتحدة والمملكة السعودية.

ما العمل؟

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو : من هي القوى أو الفئات الاجتماعية التي يهمها تغيير النظام السياسي الطائفي إلى نظام سياسي وطني وديمقراطي مستقل؟

لا شك في أن القوى والفئات الاجتماعية التي من مصلحتها تغيير الوضع لصالح الحياة السياسية الديمقراطية هي جمهرة العمال رغم تقلصها بالقياس إلى الماضي, وفئات واسعة من البرجوازية الصغيرة في المدينة والبرجوازية المتوسطة, أو الفئات التي يطلق عليها بالطبقة الوسطى, إضافة إلى المثقفين والطلبة وجمهرة الفلاحين, سواء أدركت مصالحها أم لم تدركها. وهذا يعني علينا أن نعمل من أجل تأمين مصالح هذه الفئات الاجتماعية من خلال بلورة المهمات التي تستجيب لمصالحها وربطها بالمصالح والمهمات الوطنية العامة. وهي مهمة كبيرة وثقيلة, ولكنها ضرورية في ضوء التحولات الجارية في البنية الاجتماعية العراقية.

ليس في مقدور القوى الديمقراطية أو قوى التيار الديمقراطي بفصائله المختلفة في الوقت الحاضر أن تفعل شيئاً كبيراً, فهي ليست من بين اللاعبين المباشرين, بل إنها تلعب دوراً هامشياً في السياسة العراقية لا يعتد به, رغم تاريخها الغني بالتجارب والطويل. ولكن في مقدور هذه الفئات التي تشكل غالبية المجتمع, والتي ربما لم تدرك مصالحها في الوقت الحاضر, أن تفعل شيئاً. كيف يمكن أن يتم ذلك؟ كلنا يتابع نشوء حركة احتجاج شعبية متصاعدة رافضة للواقع المر والأمر الواقع, وتريد انتزاع مصالحها من الحكومة. والقوى الديمقراطية قادرة على ممارسة هذا الدور من خلال التبني الفعلي والثابت لتلك المصالح. وهذا يتطلب الكثير من الجهد والعمل المثابر. هل يمكن تطوير المبادرة الجماهيرية نحو التغيير؟ نعم ممكن, ولكن كيف؟

أشعر بضرورة عقد مؤتمر واسع وعاجل للقوى التي تتبنى الديمقراطية, أحزاباً, وكتلاً وشخصيات سياسية بغض النظر عن قوتها أو ضعفها, مؤتمر يمكن أن يضم إليه ممثلين من تلك الفئات الاجتماعية التي لها مصلحة في دفع العراق صوب الحياة الديمقراطية الحرة. فالمتفرقون ضعفاء والمتحدون أقوياء. والعراق بحاجة إلى قوى ديمقراطية قوية تعبر عن مصالح تلك الفئات. ومن هنا تأتي أهمية تغيير أولية شعار الحزب الشيوعي العراقي الذي وضعه فهد في الأربعينيات من القرن الماضي من شعار "قووا تنظيم حزبكم, قووا تنظيم الحركة الوطنية" الذي وضع في ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية, إلى شعار "قوا تنظيم الحركة الوطنية, قووا تنظيم حزبكم" في ظروف أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي هذا المؤتمر يمكن تشكيل ورش عمل تقوم بتحديد المهمات المهنية للفئات الاجتماعية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية من جهة, والمهمات الوطنية العامة كالديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال والسيادة الوطنية واتفاقيات النفط والتصنيع وتحديث الزراعة من جهة أخرى. أي العمل من أجل ربط الشعارات الوطنية بالشعارات المهنية واليومية لفئات الشعب المختلفة. ثم وضع كل ذلك في شعارات يمكن أن ترفعها الجماهير وتناضل من أجل تحقيقها, وبعضها مرفوع فعلاً. ويمكن أن ينسق العمل والتحرك على النحو التالي:

تشكيل جماعات من قوى المؤتمر الديمقراطي وخارجه تعمل وتناضل في مجالات مختلفة على شكل محاورو منها مثلاً:

** المحور الاقتصادي: ويركز محور الاقتصاد الوطني والخدمات العامة على الموضوعات التالية التي تمس مصالح الناس مباشرة, ومنها:

  1. موضوعات عامة: مثل الكهرباء والماء والتعليم العام والابتدائي والصحة والطرق والنظافة العامة وإزالة أكوام القمامة ومشكلة السكن ...الخ.

  2. وضع سياسة نفطية وطنية مستقلة تتناغم مع إستراتيجية التنمية الاقتصادية المستدامة وحاجات المجتمع الفعلية بما يؤكد أهمية وضرورة تغيير بنية الاقتصاد والدخل القومي من جهة, ويحافظ على الثروة الناضبة للأجيال القادمة من جهة أخرى.

  3. وضع سياسة تصنيع حديثة وتحديث الزراعة وتقليص تدرجي مهم لحجم الاستيراد السلعي البذخي والاستهلاكي والكمالي والتصدي لاستيراد النوعيات السيئة بأمل إصدار قانون لحماي<

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة