ئارام باله ته ي:ثقافة خرق القانون في العراق

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

قبل أكثر من 3500 سنة توصل العراقيون القدماء الى وضع قانون يعتبر الأقدم والأشمل في العالم ، تضمن هذا القانون 282 مادة تعالج شؤون الحياة كافة وتحدد بدقة واجبات الأفراد وحقوقهم في المجتمع . كل ذلك مدون في مسلة حمورابي التي لازالت محفوظة في متحف اللوفر بباريس . واذا كانت الحضارة حقا تراكما تاريخيا ، لكان يفترض بالعراق أن يكون بلد القانون بأمتياز ، وأن يتعلم منه الأخرون ، لا أن يعلموه ..
لن نذهب بعيدا ولن نغوض في تجارب الحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس دولة العراق الحديثة عام 1921 ، وانما نقتصر الحديث عن هؤلاء الذين عارضوا البعث البائد ، واشتكوا من غياب القانون في عهده وادعوا أن نضالهم من أجل التخلص من الدكتاتورية ، واقامة دولة تحترم القانون والمواطنين ، يخضع فيه الجميع للقانون ولايخضَََََع القانون . والحق يقال ودون أن نغبن حق هؤلاء القادة الأفذاذ ، أنهم اجتمعوا بعد سقوط النظام السابق ووضعوا القانون الأسمى للبلاد (الدستور) . والمواطنون من جانبهم باركوا الخطوة بنسبة تقارب 80% . ومن البديهي أن الدستور هو القانون الأعلى الذي يتفرع منه القوانين الأخرى ، حيث لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الدستور . انه عقد اجتماعي مدني في كل الدول المتحضرة .

في العراق ، لم يكن الحبر الذي كتب به الدستور قد جف ، عندما اخترقه العراقيون وأنزلوه من علياءه الى الحضيض . اذ أن الدستورالأتحادي العراقي ينص على انتخاب رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوم من تاريخ أول جلسة انعقاد لمجلس النواب (المادة 72 فقرة ب ) ، الا أن الجلسة البرلمانية بقيت أثناء تشكيل الحكومة المنصرمة 41 يوم مفتوحة ، حتى جاء الفرج بأنتخاب فخامة الطالباني رئيسا للجمهورية ومن بعده كلف السيد المالكي بتشكيل الحكومة . مرت تلك الأيام وبرر البعض ذلك الخرق بحداثة عهد العراقيين في الممارسة الديمقراطية بعد عقلية تعودت على ثقافة الأنا والواحد الأوحد وارث تاريخي يمتد للمد الأسلامي ، وأجزموا أن النضوج سيتم مع الوقت . لم يمضي الكثير من الزمن ، حتى التف العراقيون من جديد على دستورهم الموقر ، ليتنصلوا هذه المرة من التزام مادة دستورية أخرى ( المادة 140 ) . لم تتوقف الخروقات هنا ، بل أختزل المالكي صلاحيات مجلس الوزراء في شخصه ، مع ان المادة(80) من الدستور تتطرق الى صلاحيات مجلس الوزراء ولاتوجد مادة دستورية تذكر صلاحيات رئيس الوزراء .. هذا غيث من فيض السنوات الأربعة الماضية .
ولأن ثقافة الألتزام بالدستور ضعيفة ، ان لم نقل منعدمة في بلاد حمورابي . ها هو القانون الأعلى يخترق من جديد ن بعد تعذر اتفاق الزعماء والقادة والساسة والشيوخ ، على اختيار الرئاسات الثلاث . بالرغم من مرور أكثر من أربعة اشهر على انتخابات صورية فارغة المعنى والمضمون . اذ تقرر تمديد جلسة البرلمان المفتوحة لأسبوعين اخرين . وعداد الأيام يعد من جديد والدستور في عرض الحائط يتيه .
غالبية أعضاء مجلس النواب الحالي من الأسلاميين الذين يدعون تقوى الله والسير على هدي القران ، مع أنهم لايبالون بهموم المواطن حيث لايهمهم ذلك بعد الأنتخابات ، لكن المهزلة تكمن في أن هؤلاء الأبرار مذنبون أمام الله أيضا لأنهم حنثوا باليمين الذي أدوه قبل شهر ( أقسم بالله العلي العظيم أن أؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية بتفان واخلاص .. والله على ما أقوله شهيد ) (المادة 50 من الدستور الأتحادي) . أيها السادة النواب انكم مخلون بمسؤولياتكم القانوينة ، بل أخللتم بقانون القوانين (الدستور) بتأجليكم الجلسة اسبوعين غير دستوريين .
سبق أن قلت أكثر من مرة وبالفم المليان ، ان العراقيين يحتاجون الى من يرشدهم سبل الحكم الرشيد . انهم يبرهنون كل يوم ، في الماضي والحاضر ، على براعتهم في نكث العهود والوعود وحبهم للفوضى واللاقانون . ان عراقيي اليوم لايمتون بصلة الى سومر وبابل وأكد واشور . انهم بقايا ثقافة الصحراء .

ئارام باله ته ي
ماجستير في القانون
aram_balatay@yahoo.com

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة