منهم من يقول نصف الحقيقة ومنهم من يقلبها رأسا على عقب... تعقيب على تقرير" الفجوة..!" ... عبدالوهاب طالباني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

في عالم الاعلام الشرق الاوسطي ، في رأيي المتواضع ، هناك قلة يكتبون بانصاف عندما يتصدون للشان  الكوردستاني والبقية ..الاكثرية( مع الاسف)  ينقسمون الى قسمين قسم منهم يقول عن الكورد نصف الحقيقة والقسم الاخر يقلب الحقائق كلها رأسا على عقب .

 

 نشرت صحيفة الشرق الاوسط في عددها الصادر يوم السبت المصادف 10-07-2010 تقريرا  اعده  السيد سام داغر يتناول موضوعا مهما يتعلق باوضاع كوردستان ، ويرمي في الاساس الى التشكيك  بانجازات حكومة كوردستان خصوصا في المجال الاقتصادي ، ويحث بصورة ساذجة الاميركان ضد حكومة كوردستان عبر مزاعم وجود "فجوة كوردية" تخرق  العقوبات الدولية ضد طهران. و يمكن القول ان المقال يحمل كما كبيرا من الدس الرخيص الذي يوجه دائما الى التجربة الكوردستانية ، ورائحته النتنة تزكم الانوف  و يبدو انه طبخ في احد المطابخ المخابراتية الاقليمية والدولية ، ويمكن ان يصنف ضمن القسم الثالث من عالم الاعلام الشرق اوسطي.

 

يزعم السيد داغر في مقدمة تقريره :"في الوقت الذي تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة ضد إيران، تظهر واحدة من كبرى الفجوات التي تنطوي عليها هذه العقوبات بجلاء هنا في العراق، حيث يجري تهريب نفط خام ومنتجات بترولية مكررة تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات عبر جبال كردستان العراقية سنويا."

 

فالكاتب اساسا افترض ان الكورد خرقوا قرار العقوبات الدولي على طهران وهناك "فجوة كردية!"، وكتب تقريره  وكأنه يفدم اخبارية (مجانية) لاميركا ، وكأن امريكا لا تعرف شيئا عن علاقات كوردستان الاقتصادية بايران ، وهو ايضا اكد بشكل قاطع وكأنه يملك كل الادلة على ان الكورد يرسلون كميات كبيرة جدا من النفط الى ايران ..وهذا ايضا لحث اميركا ضد الكورد والتنبيه الى ان الكورد سيسببون الكارثة الكبرى وان السماء ستطبق على الارض من وراء"مؤامرات" و"عناد " الكورد وتجارتهم  "الكبيرة" مع ايران !

ويزعم داغر ايضا  :" يوما بعد آخر، من دون إجازة رسمية من بغداد، تتسلل أكثر من ألف ناقلة نفط عبر هذه المدينة الواقعة على الحدود العراقية - الإيرانية، الأمر الذي لا يقوض العقوبات الأميركية الأخيرة فحسب، وإنما يتسبب أيضا في تفاقم التوترات مع الحكومة العراقية حول السبيل لتقسيم العائدات النفطية العراقية."

 

يبدو من الكلام اعلاه ان داغر " الحريص ان يأخذ الكورد الاجازة من بغداد!"  وصل الى القناعة الاكيدة بأن الكورد يتصرفون دون رضا بغداد او بمعنى اخر ان الكورد ليسوا الا مجموعة من الخارجين عن القانون  ويمارسون اعمال "القجخ"  غير المشروعةّعبر تسلل ( اكثر من الف ناقلة نفط!) من حدودهم الى ايران !اي انه يردد نفس ما يردده اعدى اعداء الكورد ودون اي دليل مادي.

 

ان الذي ربما لايعرفه كاتب التقرير ومن وراءه ان الكورد لا يحتاجون الى اجازة احد للتصرف بثرواتهم التي ظل الكيان العراقي يسرقها منذ ان تأسس في عشرينات القرن الماضي ، وان ثمن كل تلك الثروات تحولت الى حديد وسموم ورصاص قتل به حوالي مليون كوردي ، ويأتي الان هذا"الصحيفي" ليعلمنا كلاما عن "المشروعية " و" غير المشروعية" معتبرا "ضمنا" كل النهب والسلب الذي تعرضت له بلاد الكورد من قبل  ديناصورات الشرق الاوسط مشروعا وحلالا على المحتلين والسراق الذين حكموا العراق والاناضول وايران وسوريا! متناسيا تأكيدات الرئيس مسعود بارزاني والدكتور برهم صالح  رئيس الوزراء واشتي هورامي وزير نفط كوردستان دائما بأن استثمار ابار النفط والغاز في كوردستان انما يتم وفق مضامين الدستور العراقي ، وكل ما يقال عداها انما هو نفخ في الهواء ، اما اذا كانت هناك عمليات تهريب ، فهذا امر لا يمكن التأكيد عليه ولا نفيه ايضا ، فعمليات التهريب تجري في كل العالم وامس اعلنت السعودية ان عمليات لتهريب لنفطها تجري منذ سنين طويلة الى اوربا ، ولا ادري لماذا لم يذكر السيد (داغر) شيئا عن عمليات التهريب التي تجري في جنوب العراق والتي نشرت عنها عشرات التقارير  واتهم بها مسؤولون كبار في الدولة العراقية : هل يمكن ان داغر نسيهم بسهولة بينما نشطت ذاكرته المثقوبة حول كوردستان بمزاعم لايمكن ان يثبته.


ثم تحدث نيابة عن الاميركان مشيرا الى تصريح ضعيف المصدر بأن أثار حجم وتنظيم هذه التجارة ولد" القلق في صفوف المسؤولين الأميركيين "، مبديا تعاطفه مع العقوبات الاميركية ومنبها الى عظم المشكلة و ذهاب مبالغ طائلة الى جيوب " سياسيين عراقيين فاسدين وانتفاع الحكومة الإيرانية بها".

 

المعلوم ان ايران وتركيا وسوريا في ستراتيجيتهم الفاشية ينظرون الى تجربة كوردستان كقنبلة موقوتة تخرب عليهم اوضاعهم في اجزاء كوردستان التي يحتلونها ، وانهم يعتقدون بأن اي تقدم في الوضع الكوردستاني في الجنوب لا يعني الا خرابا لعشرات السنين من سياسات الاضطهاد والقمع القومي ضد ملايين الكورد في  اجزاء كوردستان في الاناضول وايران وسوريا ، وكورد الجنوب يدركون مخاوف تلك الانظمة ، لذلك ، ولابعاد شرورهم اتبعت حكومة جنوب كوردستان سياسة واضحة المعالم تقول بأنها لا تتدخل في شؤون دول الجوار ، ومشاكل تلك الانظمة مع سكان كوردستان شمالا وشرقا وغربا هي مشاكل خاصة بهم وعليهم معالجتها باسلوب ديمقراطي وسلمي و ليس بسلوك سياسات العنف والقهر.

 

كما ان حكومة كوردستان فتحت المجال لمئات الشركات الايرانية والتركية للاستثمار في كوردستان وهناك اكثر من عشرة مليارات دولار تتداول للاستثمارات التركية والايرانية في كوردستان ، ولكن يبدو ان الحكومتين التركية والايرانية لا تشبعان من كل هذه المواقف الايجابية لحكومة كوردستان وتلحان على امر لن يحدث ولن يروه ، وهو جعل حكومة كوردستان شرطيا لحدودهما ، كورد الجنوب من واجبهم ان يكونوا شرطة على حدود بلادهم ولكن ان يكونوا شرطة لحدود دولية وان يكونوا حماة للانظمة التي تدعي العظمة وتتكابر حتى على اميركا فهذا في قناعتي لن يحدث ، ولن يستطيع الايرانيون والاتراك جر كورد الجنوب لمحاربة اخوتهم في الشمال والشرق وكما قال الرئيس مسعود بارزاني ان الدم الكوردي حرام على الكوردي ان يسفكه.

 

ومع ذلك فأن كورد الجنوب لا يعادون النظامين التركي والايراني مع رفضهم التام عن سياساتهما العرجاء ضد ابناء جلدتهم الكورد في الشمال والشرق ، و يتوجهون لبناء علاقات مبنية على حسن الجوار لعل عقلاء ايران والاناضول يفهمون الرسالة ، كما ان كورد الجنوب ليسوا مستعدين لخوض مواجهات مسلحة مع تركيا وايران ويتطلعون الى السلام والطمأنينة والهدوء .

 

ولكن ايران وتركيا على الرغم من كل السياسات الهادئة التي يتبعها كورد الجنوب يستمران في شن الهجمات العسكرية والقصف اليومي دون ان تحرك اميركا ساكنا وهي المسؤولة قانونا و لحد الان عن حماية اراضي العراق  ، بل حتى ان حكومة بغداد لم تتخذ اي موقف واضح وحاسم من الموضوع ،   في رأيي المتواضع ان الاميركان ليسوا بعيدين عن صورة العلاقات الايرانية الكوردية ، وانهم قد يتفهمون  حاجة كوردستان الماسة  لتجارتها مع ايران .

 

 والمسؤولون الاميركان موجودون في كوردستان وانهم ليسوا بحاجة الى مسؤول يرفض ذكر اسمه للسيد داغر ليتحدث عن "قلق اميركي" ، وحتى اذا كان صحيحا بأن الاميركان قلقون على العلاقة الاقتصادية وليس التهريب كما يدعي كاتب التقرير فان لكوردستان كلمتها وموقفها الذي لا تخفيه.

 

ومع ان لامريكا والغرب عموما  تاريخا اسود في العلاقات مع شعب كوردستان قبل اسقاط النظام الدكتاتوري وخصوصا مباركتها لاتفاقية الجزائر الغادرة (اذار 1975) الا ان المواقف قد تغيرت منذ عام 1991 و بعد تحرير العراق، ومع فهم الكورد ان المصالح وليس عيونهم السود هي التي تحدد شكل العلاقات السياسية  الاميركية مع كوردستان ، الا ان فصلا جديدا من العلاقات الايجابية بين كوردستان واميركا قد ظهر ، فالكورد كانوا في مقدمة من وقفوا مع اميركا في تحرير العراق ، وفي كوردستان وحدها يستطيع الجندي الاميركي ان يتجول دون سلاح ، وفي كوردستان وحدها لم يقتل لحد الان جندي اميركي واحد ، وفي كوردستان وحدها لم تنظم اية مظاهرة او عمل سلبي ضد الولايات المتحدة الاميركية ، لذلك ليطمئن السيد داغر بأن رسالته تلقفتها الهواء ، فاذا كان يستطيع ان يلعب بمشاعر حكام تركيا وايران ، الا ان اللعب على الساسة الاميركان بتقرير مليء بالقيل والقال و(حكي جرائد!)قد لا يصيب الهدف من نشر تقريره.

 

ويزعم السيد داغر:


"على الجانب الآخر، قال مسؤول بارز في الحكومة الكردية إن عائدات ذلك النشاط التجاري الذي وصفه بـ«المعقد» و«الضخم» تتجه إلى خزائن الحزبين الحاكمين بالإقليم والشركات المرتبطة بهما، مضيفا أن مسؤولين وسياسيين في بغداد يشاركون أيضا في الأمر."

 

بالله عليكم هل يمكن لمسؤول "بارز" في الحكومة الكردية ان يقول هذا الكلام الذي سطره السيد داغر؟ وهو لم يذكر المصدر واين ؟ ثم عن اي سياسيين ومسؤولين في بغداد يتحدث ؟ هل هو يتحدث عن الذين (غيبوا!) عشرات المليارات من الدولارات حسب العديد من التقارير المنشورة على صفحات الانترنيت؟

ويستمر السيد داغر في مزاعمه وليضع الكلام في افواه "مسؤولين اكراد" بطريقة غبية يفهم منها سذاجة المطبخ الاعلامي الذي الذي ينتسب اليه فيقول:
"استمر تدفق ناقلات النفط إلى داخل إيران من دون توقف أثناء الحملة العسكرية التي شنتها طهران الشهر الماضي ضد عناصر انفصالية من الأكراد الإيرانيين نشطين بالمنطقة الحدودية. يوميا، تدخل مئات الناقلات بكل منها حمولة 226 برميل نفط خام ومنتجات بترولية مكررة على الأقل إلى الأراضي الإيرانية، قادمة من بنجوين ونقطتين حدوديتين أخريين داخل كردستان العراقية، حسبما ذكر مسؤولون أكراد(!).


ويزعم السيد داغر: "أشار أشتي هورامي، وزير شؤون النفط بإقليم كردستان، إلى أنه يدعم هذه التجارة قرابة 70 معمل تكرير نفطي صغيرا. واستطرد موضحا أن هذه المعامل تنتشر بمختلف أرجاء إقليم كردستان والمناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في كركوك ومحافظة نينوى، وكثير منها يعمل من دون ترخيص." طيب الرجل اذا كان فعلا قال هذا الكلام  فانه  اوضح الامر ولم يخف شيئا ، ما مشكلة كاتب التقرير اذن؟

 

 

 

ثم وحسب كاتب التقرير ايضا اذا كان  عبد الكريم لعيبي وكيل النفط العراقي لشؤون الانتاج قد قال ب" أن جميع معامل تكرير النفط الصغيرة غير قانونية (في كوردستان). وقال: «إنهم يتحملون مسؤولية هذا الأمر»، مشيرا إلى السلطات الكردية" اذا قال او يقل هذا.. ما المشكلة ؟ فللكورد وجهة نظرهم القانونية ويتصرفون حسب الدستور ، ام ان السيد داغر يريد التشكيك بكل تصرفات  و منجزات حكومة كوردستان فهذا دليل اخر على انحيازه وعدم موضوعيته كصحفي.

ويحاول كاتب التقرير ان يدق اسفينا بين المسؤولين الكورد وممثلي قواهم السياسية ولكن غاب عن باله بان هؤلاء المسؤولين الكورد عندما ينتنقدون بعض اوضاع كوردستان انما يمارسون الديمقراطية التي غابت عن كل انظمة الشرق الاوسط ، لذلك عليه ان يحاول فهم السياسة الكوردية ، من ارض الواقع الكوردستاني. ولا يفرح كثيرا بتلك التصريحات فتلك امور مفهومة ووجه  جميل  لديمقراطية المجتمع الكوردستاني.

 

ان الكورد يفهمون انهم يخوضون صراعا مريرا ومتشعبا في المنطقة الغارقة في مستنقعات  التخلف وفي سفاهات انظمة الديناصورات ، ويفهمون كذلك ان الاعلام المعادي عنده الكثير من الدجل والكذب والنفاق كي يشوه انطلاقة شعب كوردستان. ولكن هؤلاء كلهم  انما  يدقون على حديد بارد فالمارد انطلق من عقاله والمستقبل لمن يفهم قوانين التحضر والحياة الجديدة، لذلك فالمستقبل  لشعب كوردستان المنتمي الى هذاالعصر و الزمان وليس الى ازمنة اصحاب الكهف.


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة