رؤية في نص (احتمالات أخرى للمرآة ) للشاعرة ضحى بوترعة/ جوتيار تمر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

المرآة بحد ذاتها واهمة ، فكيف بما يسبقها من توضيح معجمي ، المتمثل بالاحتمالية ، هنا يتركز العنوان على اسس متضادة ، لخلق التوهيمات اللازمة قبل ولوج المتلقي الى جوانية النص ، بحيث تبقى ذهنيته مستيقظة لكل طارئ براني يمكنه ان يستجدي تعثره في فهم ماورائية الكلمة داخل النص نفسه.


يمكر بي طريق المساءات ........يمكر بي الطير .......
ويوقعني صوت المغني في خاصرة الجرح

كل شيء يحدث دفعة واحدة في ارتياب الوقت

الذي يرسمني بلون واحد ويرهق فينا الرغبات

وهناك أشياء أخرى تختبئ في ظلها شموس كثيرة

شهوات تغدر باللّيل وتضيء ساحة العشاق

باللعب المقدس
......

صور ديناميكية تتلون بمخالجات النفس وهي تمرغ نفسها بنفسها في اجواء الصدأ الوجودي ، بين التمكين والدلالة ، والروح الهائمة والواقع المكبل بذاته ، تتخذ الصور هنا منافذ عشوائية ، وتركيبات لغوية تحاول من خلالها التملص من الواقع نفسه ، والتخلص من التبعيات البوحية ، فالشعرية تكاد هنا تكون على المحك ، لانها تنجرف احيانا بلغتها الى حافة السردية الشفيفة ، لكنها تستعيد قوامها الشعري من خلال التضاد التي تخلقه والصور التي تبثه من خلال استعاراتها وايحاءاتها ، التي تضعنا امام لوحة رسمت بحركة ابداعية لفرشاة تعي كنة الليل ، وقيمة الانسان بعنصريه الروحي والجسدي ، اللذان ان غاب فعالية احدهما اصبح الاخر يعيش فراغا شاسعا يتسع في النهار طولياً ، وفي الليل عرضيا ، لانه في النهار يجذب صور ورؤى خارجية تجعله يعيش بعضها واقعا ، لكنها في الليل تتسع على فراش الفراغ عرضيا ، لتشمل كل مخلفات النفس في عزلتها الليلة، وهكذا تصبح الذات محطة يتلاعب بها العواصف الاتية من كل صوب ، عنصري الزمكانية هنا تجعلان للنص تأثيث يستحق التوقف عنده ، والختمة الشعرية في هذا المقطع جاء اقرب الى الرمزية الواضحة المخلفة لتساؤلات لامنتهية ، فهذا اللعب المقدس ، يوشك ان يخلق صور عرضية جانبية ، تبيح للمتلقي ان يستعيد بعض ايحاءات السرير.


يغدق عليّ بياض المشهد المعطل
في دفتر النهايات وسلّة البكاء

سطح القلب يعلو حين تتقدم اليه السواحل

والحدائق
........
يبتكر غرفة لغربته الصغيرة ويعود مشتعلا

الى أول العمر


الفعل هنا له دلالة الاستمراية في الفعل نفسه ، واذا ما تمكنا من تفكيك الجملة لوجدنا بأن احدى ركائز استمرارية الفعل الفعلي هنا هو كون الاغداق لايتم في عراء او وفق تداعيات جانبية عرضية خارجة عن الارادة الذاتية ، بل انه يتم على الذات الشاعرة ووفق معطيات حسية بارزة ، ترسم ملامح الشيء في الشيء نفسه وتضعه ضمن اطار جواني يتخد من البراني فسحة له لينطلق الى ابعاد زمكانية اخرى ، وهذا ما يخلق التيه الذاتي داخل النص نفسه احيانا ، ويبتكر في طريقه وجيعة الانتظار الضمني ، فالاخر هنا يحضر بكل تفاصيله ، وكأنه يمد الشاعرة بنفسه المغتربة على سواحل الموت المنسي ، ليتصبح هي الاخرى رمادا يستمر الاثنان من خلال الاشتعال الحاصل ، هي استعارة ضمنية للعنقاء في الصورة والايحاء.


كم ممل هذا الحوار بين عاشق أرهصه الانتظار

وليل فارغ من صخب الفضة

هناك أيضا أشياء أخرى

تنعكس على نقيضها ومدن مصابة بعمى الألوان

لاترى العشب أخضر

كنا منشغلين بتفكيك الفراغ في المرآة

وظلّي يفر الى مصيدة البكاء ويهيء جمرا

في قاع اللغة
........

اللغة هنا تبدو لي مشحونة بجمالية تتخذ من تعددية الالوان في الصورة الشعرية مرآة ثانية ، وتعددية الدلالات تمنح المتلقي وجوبا ضمنيا واخرا ظاهريا ، فمن اجل مواكبة الحدث في النص ، عليه ان يستعين ببعض المعاجم الاخرى لتفكيك الرؤية الحاصلة هنا ، لانه ينقله الى واقع اشبه بالحسي الملموس ، من خلال خطاب يبدو انه مباشر وحاصل بالفعل ، (كم ممل هذا...)، هنا التلاعب بعنصري الزمكانية امر ليس بخافي ، لكنه في الوقت نفسه امر وجدته يخدم النص ليجعله بالفعل حسب رؤيتنا ذا فعالية ديناميكية ، وليخرجه من قوالب الدياليكتيك الجامد ، فبين البداية بامر يبدو للعيان بانه حاصل وحاضر ، وبين الختمة التي جاءت تؤثث الفعل هذا ضمن اطار يمزج اللحظة / الآنية ، بالمسبق والاتي ، حفر على نصب رخامي بديع ، وكأن اللغة هنا لبست روح وجسد الشاعرة وارادت ان تعبر عن المكنون بعدما وجدت بأن الذات الشاعرة لم تعد بقادرة على تحريك ادواتها الاخرى للوصول الى ماهية الفعل الحاصل والمؤثر ضمن نطاق الممكن لديها، خاصة وان الاخر مصاب بداء العمى ضمن سياق ضياع مزدوج ، يلزم الذات الشاعرة هنا على اتخاذ موقف تجاه انحدارها الى هاوية العدم والتلاشي والبكاء والموت ، ولم تجد غير اللغة المارقة المسكونة بالوجيعة هنا منفذا لايصال النبأ العاجل الى الاخر ، لذا كان لهذا الحفر الوجداني الروحي الجسدي على رخام اللغة فعله المؤثر والايجابي في الوقت نفسه .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة