كاظم حبيب .... من أجل أن تبقى رؤوسنا مرفوعة نحلم بغدٍ أفضل وحياة أسعد!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


حين يقرأ الإنسان ما يجري في البصرة من ردة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية من جانب المحافظ ومن لف لفه بالمقارنة مع ما كانت عليه البصرة قبل خمسين عاماً حتى في أصعب أيامها اللاحقة, يصاب بالدوار ويسأل نفسه, لِمً هذه الردة الاجتماعية لدى الحكام بشكل خاص وفي المجتمع بحدود اقل كثيراً؟
وحين يتابع الإنسان ما يجري في المدن العراقية الأخرى حيث يترك الناس أعمالهم لعدة أيام متجهين صوب الكاظمية أو كربلاء أو النجف أو سامراء, ويجبر آخرون على ترك أعمالهم وغلق محلاتهم بسبب الوضع الأمني, وتنشغل أجهزة الأمن والشرطة والدولة لثلاثة أو عشرة أو أكثر من الأيام تحت وطأة الأمن الهش ومحاولة تأمينه, وحين يسقط العشرات شهداء من أجل لا شيء على أيدي إرهابيين, يسأل الإنسان نفسه لِمَ كل هذه الأعمال التي لم تكن قائمة قبل أربعين أو خمسين عاماً؟ لِمَ هذه الردة الفكرية والاجتماعية, لِمَ هذا التخلف في الوعي الديني, لِمَ هذا التطرف الذي لم يكن موجوداً؟ وحين يعزي رئيس الوزراء عائلات الضحايا ويرجو للضحايا دخول الجنة, ولكنه لم يجرأ ليقول لهم: لا تقوموا بمثل هذه التجمعات المليونية, بهذه التظاهرة غير المطلوبة, لكي لا تتعرضوا لخطر الموت على أيدي الإرهابيين الذين يسعون لإثارة الصراع الطائفي الذي لم يختف بعد من المجتمع ما دام هناك من يدعو له ويؤججه, كما لن يختفي بسبب سيادة الأجواء الطائفية في العمل السياسي العراقي.
وحين يرى المتتبع للوضع السياسي في العراق أن ديمقراطيين وتقدميين واشتراكيين وشيوعيين, جدد وقدامى, يشاركون في الانتخابات لا من أجل انتخاب قوائم ديمقراطية علمانية أو قائمة اتحاد الشعب, بل يصوتون لقوائم إسلامية سياسية, سواء أكانت شيعية أم سنية, أو أن بعض القوى الديمقراطية دخلت حتى في قوائم طائفية وانتهت بالصفر من المندوبين, حين يرى كل ذلك يسال نفسه: هل نحن في العراق, في هذا البلد الذي كان يناضل من أجل الديمقراطية والحياة الحرة والكريمة على مدى قيام الدولة العراقية الملكية الحديثة؟ هل هذا هو البلد الذي أنجب الحلي والزهاوي والرصافي والجواهري والسياب والبياتي والملائكة ومردان ورشدي العامل والنواب وشعراء وكتاب الحلة والسماوة والموصل والبصرة والناصرية والنجف, الأحياء منهم والأموات, إضافة إلى شعراء كرد مثل گوران ودلزار وبه كس ومئات من الشعراء والكتاب المتحررين القدامى منهم والجدد من محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك؟
وحين يلقي المتتبع نظرة إلى الوزارات العراقية الحالية سيجد العجب العجاب: هذه وزارة مليئة بالشيعة من أحزاب دينية, كل مسؤوليها لهم لحى لا يعلم الإنسان مدى صدقها, وتلك وزارة سنية لا تجد فيها سوى السنة ...الخ, وكلهم لهم جباه وكأنها محروقة من كثرة السجود!, فهي موزعة بين سنة وشيعة, ولم يعد للمسيحيين أو الصابئة المندائيين أي مكان يذكر في الوزارات أو في هذا البلد, وهم من أصل أهل هذا الوطن, بل نجدهم يجبرون على مغادرة العراق والخلاص بجلدهم تاركين خلفهم ذكريات أليمة وحنين لا ينقطع. إنهم مبعثرون في الشتات العراقي, في الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا وأوروبا على نحو خاص.
ويتساءل الإنسان العراقي: هل هذا هو العراق, عراق السومريين والأكديين والبابليين, عراق الآشوريين والميديين والگوتيين, عراق العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين, عراق أتباع مختلف الأديان والمذاهب والأفكار, العراق الذي يعتبر أحد مهود الحضارة العالمية القديمة, هل هذا الذي يتحدث عنه التاريخ هو نفس العراق الذي يغوص اليوم في أجواء الطائفية السياسية المقيتة والخانقة, [ وهنا لا يجري الحديث عن المذاهب الدينية في الإسلام التي تجسد التنوع في الاجتهاد والاختلاف في الرؤية والتفسير ], بل عن الطائفية التي تميز بين الأديان والمذاهب الدينية والتي تشدد الخناق على حرية الإنسان بتحريماتها الاجتماعية وممنوعاتها "الدينية" اليومية التي تريد بذلك تحويل العراق إلى جحيم اجتماعي وسياسي لا يطاق؟
هل نحن في البلد الذي كان شعبه لا يقبل بالضيم والقهر, الشعب الذي أُطلق عليه بالمتمرد والذي تساقط شعر المستبد بأمره الحجاج بن يوسف الثقفي بسببه. هذا ما يذكره الأستاذ والكاتب المتميز الدكتور قاسم حسين صالح في مقاله الممتع الموسوم "غضب العراقيين .. وصناعة الحكم", حيث كتب يقول: "... وكان أقسى طاغيتين حكما العراق هما الحجاج(عشرون سنة) وصدّام (ربع قرن)..وكلاهما عاش قلقا" ومنزعجا" من العراقيين. فالحجاج اعترف بأن العراقيين أتعبوه وأصلعوا رأسه (يا أهل العراق، جئتكم وأنا ذو لّمة وافره ارفل بها فما زال بي شقاقكم وعصيانكم حتى حصّ شعري). وصدّام أرعبه العراقيون من قبل أن تندلع في البصرة شرارة انتفاضة آذار (92) التي امتدت إلى الناصرية فالمحافظات الأخرى وكادت أن تطيح بنظامه لولا حماية أمريكا له." (راجع: الحوار المتمدن, العدد
2010 / 7 / 43053 ).
التاريخ يعرف التقدم نحو الأمام, لا يعرف الارتداد على الصعيد العالمي, لا يعرف خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء, ولكن هذا الشعب أو ذاك, هذه المنطقة أو تلك, يمكن أن يعيش أو تعيش التراجع والتقهقر أو الارتداد عما حققه هذا الشعب أو تلك المنطقة قبل ذاك من حضارة متقدمة, إنها الحركة الزگزاگية المحتملة في تاريخ هذا الشعب او تلك المنطقة. هذا هو الوضع الذي تعيش فيه الكثير من شعوب منطقة الشرق الأوسط. هذا هو حال إيران التي تعيش في ظلمات القرون الوسطى من حيث طبيعة الحكم السياسي والديني والمذهبي والاستبداد المريع الذي يئن تحت وطأته الشعب الإيراني بمكوناته القومية العديدة وكذا المرأة الإيرانية, ونعرف جميعاً حجم قرف الناس من هذا النظام الديني والطائفي المتخلف. وهذا هو شعب لبنان الذي يعاني من حزب الله الأمرين ويمرغ جبين الدولة اللبنانية بالتراب بحكم ارتباطه الكلي بولي الفقه وتبعيته السياسية والمالية لإيران, وهذا هو شعب السودان الذي يعيش الفرقة والانقسام تحت وطأة سياسات رئيسها "الإسلامي" الأهوج والمستبد بأمره. وها هي فلسطين تئن تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي وغزاة غزة من منظمة حماس المتطرفة الخاضعة للسياسات الإيرانية في المنطقة مرة وللوهابيين مرة أخرى. وهذا هو العراق الذي يعيش مرحلة جديدة من صراع طائفي مقيت لا يدري الإنسان متى يكون الخلاص منه لتكريس مبادئ المواطنة المتساوية والهوية الوطنية العراقية ومكوناته القومية, لصالح تكريس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الاعتيادية وفصل الدين عن الدولة لا عن المجتمع, فهي قضية خاصة بالفرد أو بالجماعات.
لا يمكن أن تستمر هذه الحالة, فالشعب في العراق يعيش في أزمات مستمرة, منها سياسية ومنها اقتصادية ومنها اجتماعية وثقافية, وهي كلها مقترنة بأوضاع أمنية وسياسية هشة, فالموت يومي وعدد الجرحى والمعوقين في تكاثر, ثم يسأل البعض: لِمَ لا يجري الحديث عن المنجزات؟ هل أصبح الأمن منجزاً؟ هل أصبح الوضع في البصرة منجزاً؟ وهل أصبح انقطاع الكهرباء ووصوله المستحيل لمستهلكيه من الناس الاعتياديين في فصل الصيف, وليس للحكام الذين يتمتعون به ليل نهار, منجزاً؟ هل قتل أحد المتظاهرين في البصرة بسبب مطالبته بالكهرباء وسقوط عدد من الجرحى في مظاهرة رفض المسؤولون إجازتها منجزاً؟ وهل ممارسة التعذيب في السجون والمعتقلات مهما كان سبب السجن أو الاعتقال منجزاً؟ وهل تفاقم عدد المشردين من الأطفال في المدن العراقية, كما هو حال مدينة الحلة على وفق ما جاء في مقال مها الخطيب ومقالات لكتاب آخرين منجزاً؟ وهل امتلاء هذه الوزارة أو تلك بالطائفيين أو من بنات وأبناء طائفة معينة, ووزارة أخرى من طائفة أخرى منجزاً؟ هل الصراع على من يكون رئيساً للوزراء وبالطريقة الجارية حالياً منجزاً؟ وهل تدخل الجيران في الشأن العراقي بسبب ضعف العراق السياسي والأمني منجزاً؟
أنا لا أطالب أن تكون في العراق ديمقراطية شبيهة بديمقراطية السويد أو ألمانيا أو بريطانيا العظمى, فهذا كما يقول المثل العراقي (( بعيد اللبن عن وجه الفگر!)), إذ أن هذا محال ولفترة غير قصيرة, فأنا أدرك الفارق بين واقع العراق وواقع هذه الدول من حيث المرحلة التاريخية التي يمر بها العراق وتلك التي تمر بها تلك الدول, وأنا أعرف الأسباب الكامنة وراء هذه الحقيقة المرة, ولكني أطالب من يتحدث عن سيادة الحرية والديمقراطية في العراق أن يفكر ويرى أبعد من أرنبة أنفه, ليرى ما يجري في العراق ولكي يدرك أن الطائفية السائدة مرض اجتماعي يرتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي المريض الذي يستوجب معالجته والشفاء منه, وهذا يعني ضرورة التركيز على تغيير البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية بدلاً من التخفيف عما يجري في العراق من طائفية مسمومة, سنية كانت أم شيعية. لا يمكن الحديث عن الحرية الفكرية والسياسية وعن الديمقراطية والبلد يعيش في أجواء العشائرية وفي وعي ديني ومذهبي مزيف ومع من يريد التشبث بالسلطة بأسنانه أو "أخذناها وبعد ما ننطيها" في حين أن الدستور ذاته, رغم ضعفه, يتحدث عن التداول الديمقراطي للسلطة وعبر الانتخابات.
الوضع الأمني والسياسي في العراق هش وفراغ السلطة شديد, ونحن بحاجة إلى حلول سريعة للأزمة السياسية الراهنة, وبحاجة إلى معارضة ديمقراطية جادة أعضائها في الملمات لا يصوتون للقوائم الطائفية بل لما يمليه عليهم ضميرهم للخلاص من الوضع الطائفي السياسي السائد لصالح عراق المواطنة المتساوية, عراق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, عراق الحضارة الحديثة ولو تدريجاً.

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة