عن مهاباد .......من نعاتب \"...في ذكرى استشهاد قاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد .... ( فارس الختاري )

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

أمتاز قاضي محمد بنكران الذات الذي هو صفة لكل ثوري حقيقي...ومات شهيداً ليعيش الشعب الكردي

حلم تحقق واندثر خلال مدة وجيزة دام فقط ثلاثمائة وثلاثين يوماً , إنها جمهورية مهاباد الكردية التي ستبقى رغم الانكسار نجمة تلمع في سماء الكرد المظلمة , سقوطها انكسار يضاف إلى انكسارات الكرد الكثيرة عبر التاريخ , كما قال عنهم آرجي روزفلت \" شعب يبدو أنه لم يتفق عبر التاريخ \" فمن المسؤول عن سقوط الجمهورية ؟ هل هو سياسة الاتحاد السوفيتي الخاطئة تجاه الشعب الكردي كما يدعي أبواق الدعاية الاستعمارية قبل وبعد سقوط الجمهورية
؟ حتى بدا أمراً مسلماً به , وإذا بالكثير ممن يدعون الثقافة إن كانت لديهم معلومات أو
وقائع تثبت ما يدعونه أو لم يكن لديهم فإنهم يجيبون أن السبب هو الاتحاد السوفيتي \"
قام ببناء الجمهورية ثم تركها وحيدة في مواجهة الأعداء \" وهذا ما قال عنه الشهيد عبد
الرحمن قاسملو بالبهتان الأول , حيث أنه يدحض هذا الادعاء في كتبه الثلاث (كردستان
الأكراد – وأربعون عاماً من الكفاح – و كردستان إيران) ورغم ذلك يأتي بالبينات عن أسباب
وكيفية سقوط الجمهورية , لم يقم أي تنظيم سياسي كردي بقول الحقيقة في برنامجه أثناء سرد
الحقائق التاريخية بقول الحقيقة عن مهاباد وسبب سقوطها لكي لا يذكر الأصدقاء الجدد \"
الأمريكان والإنكليز \" بأنهم واحتكاراتهم وراء سقوط مهاباد , هذا إذا استثنينا الشهيد
عبد الرحمن قاسملو , وكل هذه التساؤلات , سنصل إلى الإجابة عنها من خلال دراسة ظروف
تكوين الجمهورية بموضوعية وماهية القوى السياسية الكردية في كردستان إيران والواقع
السياسي والعسكري , لهذه القوى أثناء دخول قوات الحلفاء إلى كردستان وبعد انسحابها منها
, عندها فقط نستطيع أن نعرف الحقيقة وتلك الحقيقة أيضاً لن تكون كاملة لأن معظم وثائق
وكتب الجمهورية حرقها نظام شاه الدكتاتوري بتوجيه من أسياده الأمريكان و الإنكليز في
ساحة جارجرا بمدينة مهاباد بغية محو أثار جمهورية كردستان .
في 22/1/1946 , أعلن عن جمهورية كردستان في ساحة جارجرا بمدينة مهاباد حيث أجتمع الآلاف
ليشاهدوا مراسيم رفع العلم الكردي ولأول مرة حيث اعتبر مشهداً تاريخياً , وأصبح الشهيد
قاضي محمد رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني رئيساً للجمهورية وفي 17/12/1946 انهارت
الجمهورية عن عمر قصير دام أحدى عشر شهراً , ورغم هذه الفترة القصيرة جداً ورغم
الصعوبات فقد حققت نجاحات جمة وعظيمة إذا قارناها بهذه الفترة القصيرة .
عندما زار آرجي روزفلت جمهورية كردستان كتب ... يستغرب الإنسان من شيء واحد هو ذلك الجو
الديمقراطي الحر الموجود في مهاباد .....إذ لم يكن في كردستان سجين سياسي واحد .
وأعلن عن أسماء الوزراء الثلاث عشر في 11 شباط من نفس العام في جريدة كردستان الناطقة
باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني وهم :
1- الحاج بابا شيخ رئيساً للوزراء
2- محمد أمين معيني وزير الشؤون الداخلية
3- محمد حسين سيف قاضي وزير الحرب
4- محمد أيوبيان وزير الصحة
5- عبد الرحمن إيلخاني زاده وزير الدولة
6- إسماعيل إيلخاني زادة وزير الموصلات
7- أحمد إلهي وزير الاقتصاد
8- كريم أحمدين وزير البريد والكهرباء
9- مصطفى داوودي وزير التجارة
10- مناف كريمي وزير المعارف
11- محمود ولي زادة وزير الزراعة
12- صديق حيدري وزير الإعلام
13- خليل خصروي وزير العمل
ووضع نشيد وطني للجمهورية وهو ( أي رقيب ) من كلمات الشاعر الراحل يونس رؤوف دلدار ,
ولحنه المهندس نوري صديق شاويش , ومن منجزات الجمهورية أيضاً أصبحت اللغة الكردية لغة
رسمية في البلاد , ونشرت صحف ومجلات كثيرة باللغة الكردية منها جريدة كردستان , وصدر
منها مئة وثلاثة عشر عدداً , وهوارى كرد ( صرخة الكرد ) و هوارى نشتمارن ( صرخة الوطن )
, والمجلة الأدبية هلالة Ker u kale mendalen kurd
( غنين الطفل الكردي ) , وكانت المجلة من إصدار عمال مطبعة مهاباد تلك المطبعة التي
كانت إهداءاً من الحكومة السوفيتية حينذاك .
أنشىء المسرح الكردي لأول مرة حيث كانت ضرورية لإيصال الأفكار إلى الشعب الذي كان 90%
منه أميياً , وتأسس الاتحاد النسائي الكردستاني في 14/3/1946بالرغم من قلة النساء
المتحررات في المجتمع الكردي , كما أسس الجيش الشعبي الذي سمي بقوات البشمركَة .
إذا كانت هذه هي ايجابيات قيام الجمهورية ونجاحاتها , فما هي سلبياتها وأسباب سقوطها ,
وهنا تكمن مواضع الاختلاف في وجهات النظر , وفي المواقف المبدئية تجاه قيام هذه
الجمهورية حيث أن هذه الأسباب تكون في شقين , أسباب خارجية يتمسك بها الموالون للغرب
ولثقافة الانكلوأمريكية , وجوهر هذه السياسة وضع المسؤولية على الاتحاد السوفيتي فقط ,
بأنها وراء انهيار الجمهورية وأنها ليست بالصديق الوفي , بينما الشهيد عبد الرحمن
قاسملو يعتبر الأسباب الخارجية أمراً ثانوياً , أما الرأي الآخر فيقول بأن السبب
الرئيسي هو الشعب الكردي نفسه , وهو ما يؤكده قاسملو .
ومن هذه الأسباب :
1-كان الشعب الكردي يسوده الجهل ونسبة الأمية فيه يعادل90%
2- كانت علاقات الإنتاج في كردستان إقطاعية متخلفة , بينما في إيران كانت برجوازية
ناشئة
3- اعتمد قاضي محمد أثناء تشكيل الحكومة على الأغوات والإقطاعيين الكبار , وهؤلاء أصبح
معظمهم معادين للجمهورية , وخانوا الشهيد قاضي محمد , خوفاً من أن تتحول جمهورية مهاباد
إلى اشتراكية , فلم يكن باستطاعتهم أن يضحوا بإقطاعيتهم في الأرض , من أجل دوام
الجمهورية .
4- لم تقم الجمهورية بأي إجراء ثوري اجتماعي , وبقيت الحركة قومية بحتة , حيث أنهم لم
يوزعوا الأراضي على الفلاحين , وبقي المالك مالكاً إقطاعياً , ولم يتغير شيء فاستاء
الفلاحين الفقراء من الجمهورية , وكان من الواجب الاعتماد على الطبقة الأكثر راديكالية
في المجتمع .
5- الموقف الشعبي الكردي من السوفييت لأن الكرد بمعظمهم يدينون بالديانة الإسلامية ,
والدعاية الاستعمارية كانت بين العوام أن السوفييت كفار و ملحدين .
6- لم يتم تحرير كامل كردستان بل حررت ثلث الأراضي الكردستانية فقط .
وبالمختصر لم تجد الجمهورية من يدافع عنها , وفي السابع عشر من كانون الأول انهارت
الجمهورية , وبقيت الأوضاع هادئة حتى الحادي والعشرين من كانون الأول , عندما جمع
همايوني قائد الجيش الإيراني الرجعي , قادة حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في
بلدية المدينة , وطلب منهم الأسلحة المستلمة من الاتحاد السوفييتي , فأجابوه أن البنادق
وزعت وأحرقت قائمة الأسماء الذين استلموها , وقام الشهيد قاضي محمد , بوضع مسؤولية هذا
العمل على عاتقه الشخصي فقط , مضحياً بنفسه في سبيل خلاص وسلامة القادة الآخرين وليتجنب
سفك دماء شعبه, وأعتقل العميد همايوني جميع الموجودين من قادة الحزب البالغ عددهم
ثمانية وعشرون عضواً , وعلى رأسهم القاضي محمد .
أمتاز قاضي محمد بنكران الذات الذي هو صفة لكل ثوري حقيقي ومن محبة الناس له سمي بـ
(بشه وا ) (الإمام ) , وأثبت خلال المحاكمة حبه لشعبه أكثر من نفسه , وبقي وفياً
لمبادئه ولقسمه أمام الشعب بأنه سيضحي بنفسه في سبيل الوطن والشعب , ومات شهيداً ليعيش
الشعب الكردي من بعده مرفوع الهامة , ولم يتنازل عن مبادئه المعادية للاستعمار , حيث
زاره وفد من الأمريكان والإنكليز للتفاوض معه ونصحه بإظهار الندم , وقبول شروطهم
ومطامعهم في البلاد , ولكنه رفض , وفضل الموت على أن يظهر ندمه , ولم تستطع المحكمة
العسكرية أثناء محاكمته , بقيادة المحقق العقيد فيروزي العنصري الحاقد على شخصية قاضي
محمد وعلى الحركة الديمقراطية الكردية في إيران ,على إركاعه بل أركع المحكمة العنصرية
بثباته على مبادئه , ودفاعه عن حق الكرد في العيش الكريم , فحكم عليه بالإعدام في
23/1/1947 وأجل تنفيذ الحكم ست وستون يوماً , حيث نفذ حكم الإعدام على الشهيد قاضي محمد
وأخيه صدر قاضي و ابن عمه سيف قاضي في 30/3 /1947, في ساحة جارجرا فجراً وهي نفس الساحة
التي أعلنت فيها الجمهورية فأصبح بذلك قاضي محمد إماماً للشهداء الكرد الذي سينير ذكراه
ذاكرتنا المظلمة .
فطوبى لذكراه الخالدة في أفئدة الملايين من محبي السلام والحرية والديمقراطية . 


            

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة