كاظم حبيب ... خلوة مع النفس

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الصداقة كنز.. وخيانة الأمانة والصداقة رجس شنيع..!


حين أخلوا إلى نفسي أعيش معها تجاربي الحياتية الفاشلة منها قبل الناجحة .. أعيشها ثانية, أعيش بها المرارة والفرحة, أعيش فيها وكأنها تحدث الآن وليست من الماضي القريبة أو البعيد. وغالباً ما تكون التجارب الفاشلة دروساً مهمة يتعلم منها الإنسان الشيء الكثير وغالباً ما تعود إلى الذاكرة لتؤرق الإنسان لأنه يشعر بالذنب لعجزه عن وعي احتمال هذا الفشل قبل وقوعه.. والتجربة الفاشلة التي كانت ولا تزال تثير لدي الاشمئزاز والشعور بالقرف أكثر من غيرها من التجارب الفاشلة التي مررت بها في حياتي القصيرة تلك التي اقترنت بمن كنت أطلق عليه صديقاً وأخاً ورفيقاً عزيزاً.

ولد هذا "الصديق" في عائلة عراقية كريمة ومناضلة. التحق أخوه الضابط العسكري بالحزب الشيوعي العراقي قبل ثورة تموز 1958 وكان من بين تنظيم الضباط الشيوعيين الأحرار الذين عرفوا بموعد ثورة تموز. وكان نموذجاً للضابط الوطني الذي لم يؤذ أحداً من الناس, ومع ذلك فقد اعتقل في انقلاب شباط الفاشي في العام 1963 وعذب ولاقى شتى المصاعب وسجن. ثم أطلق سراحه فيما بعد ولم يعد يمارس السياسة الفعلية واكتفى باتخاذ موقف إيجابي طيب من الحزب الشيوعي العراقي يمارس النقد حين يجده ضرورياً ومفيداًو وخاصة في علاقة الحزب التحالفية مع حزب البعث الحاكم حينذاك.

وكان "الصديق" المفترض قد التحق بالحزب الشيوعي العراقي حين كان طالباً في كلية التجارة والاقتصاد وتخرج منها قبل ثورة تموز. وأصبح ضابط احتياط في الجيش العراقي بعد ثورة تموز. منح فيما بعد زمالة دراسية لدراسة الاقتصاد ونيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في تشيكوسلوفاكيا. نال الشهادتين العلميتين وتزوج من امرأة تشيكية وعاد إلى العراق بعد انقلاب 17 تموز 1968.

كان هذا "الصديق" شخصية دافئة وإنساناً وديعاً ومسالماً, لم يكن يحمل الضغينة لأحد, مرح ويحمل روح النكتة, كان كسولاً وأطلق عليه مع بعض من أصدقائه في فترة الدراسة في الخارج بتنابلة السلطان عبد الحميد. تعرفت عليه حين كنا ندرس في الخارج, أنا في ألمانيا وهو في تشيكوسلوفاكيا وحين كنا نقيم فعاليات طلابية في برلين أو أثناء السفر إلى براغ.

حين عاد إلى العراق بدأ بالتحري عن عمل. تعرفت عليه بشكل أفضل بعد أن التحق باللجنة المختصة بالشؤون الاقتصادية للحزب الشيوعي العراقي, وساعده الحزب في الحصول على وظيفة مدير في إحدى الوزارات العراقية.

تكونت لي علاقة طيبة وصداقة حميمية معه بمرور الزمن, خاصة وأنه كان رفيقاً وجاراً لي في السكن وعملنا معاً في جمعية الاقتصاديين العراقيين.

خلال السنوات تلك لم الحظ عليه ما يقلقني سوى كونه كان يتطلع إلى العمل التجاري والغنى المالي. وكان يمارس شتى أنواع الأعمال إلى جانب وظيفته للحصول على المال وتحسين أوضاعه المعيشية التي لا يمكن أن تؤخذ عليه كنقيصة ما دامت في الإطار العام المقبول.

وحين أُجبر الشيوعيون على مغادرة وظائفهم بعد اشتداد الضغط عليهم, رحل هو الآخر وبدأ يعمل في التجارة إذ كانت له ولزوجته بعض المال الذي سمح له بذلك.

خلال فترة وجودنا في المهجر تعززت علاقاتنا الصداقية وأحياناً العائلية وأتمنته على مال كان وديعة عندي. كان يعمل مع بعض معارفي في النشاط التجاري. حذرني أحدهم منه, واعتبرت ذلك من باب المنافسة بين العاملين في التجارة. وهو في المحصلة النهائية لا زال عضواً في الحزب, رغم أنه تصرف مرة بما لم نتفق عليه وحمَّلَ ذلك المال خسارة معينة, فأن ثقتي به لم تتزعزع, ولكني حذرته من التمادي بالعمل المصرفي الذي يحمل أخطاراً معينة لا قدرة للجهة التي أودعت المالي عندي على تحملها.

حين غادرت الجزائر إلى إقليم كُردستان كنت قد جمعت بعض المال من راتبي الشهري في الجزائر, إذ كان من بدرجة أستاذ يدفع له 70% من راتبه الشهري بالعملة الصعبة, وكان الباقي 30% يدفع بالعملة الجزائرية كافياً للمعيشة في الجزائر وشراء بطاقات السفر في العطل الصيفية, فأودعته عند هذا "الصديق" ورجوته أن يشتغل به ليوفر شيئاً من المال لعائلتي في ألمانيا التي لا راتب ولا عمل لديها هنا, علماً بأن المبلغ لم يكن كبيراً. وكان الحزب الشيوعي يقدم مبلغاً شهرياً لعائلتي يحسب ديناً علي أن أسدده بعد عودتي من كُردستان إلى الخارج, وقد سددت الدين كاملاً غير منقوص في العام 1989 ووفق وصولات محفوظة عندي.

كنت ألتقي بهذا الصديق في لندن أحياناً وفي براغ أحياناً أخرى حين أكون خارج كُردستان وحن أصبحت ممثلاً للحزب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية. أعطيته وكالة بالمال المودع في البنك لكي يستطيع التصرف المحدود بالمال ولم يكن المبلغ الإجمالي المؤتمن عليه قليلاً.

وبعد عدة سنوات أدركت أن هذا المدعو "صديقاً" لم يتصرف بإجمالي المال بشكل نظيف بل كان يستثمره لأغراضه الخاصة ويتلاعب بالحسابات وحمل الجهة التي أودعت المال لدي خسائر لا بالرأسمال الأساسي بل بالأرباح التي كان من المفروض أن تتراكم لتك الجهة, وكذلك بالأرباح التي تكونت في المجالات التي وظف فيها تلك الأموال لم يحسبها لتلك الجهة بل لنفسه. كما ابتلع جزءاً من المال الشخصي الذي وضع لديه لصالح عائلتي في حالة وقوع حادث أثناء مشاركتي في حركة الأنصار الشيوعيين في كردستان, وكان احتمال الشهادة موضوع في الأجندة اليومية للمناضلين, إذ سقط الكثير جداً من الشهداء الأبرار ممن كانوا معي أو في مواقع نضالية أخرى من كردستان العراق.

لقد استعادت تلك الجهة المال, ولكنها لم تحصل على الأرباح كلها بل ابتلعها ذلك" الصديق" الذي خان الأمانة فعلياً.

ولكن المشكلة ليست في هذا المال الذي ابتلعه كأي سارق بائس وشرير, بل تكمن في مكان آخر, وهي التي تؤرقني أكثر وتثير عندي القلق بضعف قدرتي على اكتشاف زيف البعض من الناس.

فقبل فترة وجيزة التقيت بصديق عزيز أخبرني ما لم أكن أعرفه ولم أتوقعه, ولم يكن ما قاله قولاً عابراً بل موثقاً. لقد كان هذا الصديق قد انتقل إلى معسكر صدام حسين, إلى ذلك المستنقع الذي يلتقي عنده جواسيس وعيون النظام الذين يعملون في صفوف قوى المعارضة العراقية ويحملون تاريخاً كان نظيفاً. لقد أصبح "الصديق" جاسوساً على رفاقه وأصدقاء حزبه السابق وعلى قوى المعارضة العراقية. لقد اشتراه النظام بشروى نقير وباع تاريخه النضالي.

لقد حصلت قوى المعارضة العراقية على الملف الخاص به, ولم يكن يعلم بحصول قوى المعارضة, التي هي اليوم بالحكم على ذلك الملف. جاء إلى العراق يطالب بحصته بالحكم, بمنصب دبلوماسي في بلد ما نتيجة "نضاله الطويل" في صفوف المعارضة العراقية ومساهمته في تشكيل كتلة ديمقراطية لم يكن أميناً عليها وعلى حلفائها. الشخص الكبير الذي قابله اعتذر له عن إمكانية إسناد أي منصب له, وحين استفسر عن السبب, رجاه أن يذهب إلى شخص معين كان يتعاون قبل ذاك معه ليريه الملف الخاص به الذي أخذ من أجهزة الأمن العراقية الخاصة بجواسيس النظام في الخارج وفي صفوف المعارضة. أدرك الأمر ولم يذهب لمقابلة الشخص المعني الحائز على الملف.

لقد كان حزني كبيراً ليس على المال الذي سرقه هذا الرجل من تلك الجهة التي جمعت تلك الأموال بجهد جهيد ومن عرق المئات من المناضلين الأوفياء للحركة الوطنية والأنصارية في العراق, رغم أهميتها, وليس على مالي الخاص أيضاً, رغم قلته, فحسب, بل وبالأساس حزني على تلك النفس الضعيفة والدنيئة لهذا الرجل الذي باع نفسه لمستبد لم يرع حرمة عائلة ولا إنسان في العراق, باع نفسه للدكتاتورية وأساء إلى تاريخه النضالي, في وقت لم يكن محتاجاً للأموال, إذ كان يملك ما يكفي من أرث كبير ورثته زوجته.

حين اخلوا إلى نفسي, كثيراً ما استعيد هذا الشريط المحزن وأشعر بالذنب لتلك العلاقة التي نشأت في مرحلة النضال مع "رفيق وصديق وأخ وجار" كنت أعتز به, ولكنه خان الصداقة والرفقة والأخة والجيرة, خان كل شيء ومرغ نفسه وكرامته وسمعته بالتراب, وأجهز على تلك الصداقة والرفقة والجيرة بسحت حرام ومال زائل وسوف لن يفتخر أبناؤه وأحفاده بهذا التاريخ المزري, رغم أنه, كما يبدو, قد اعتاد على العيش على فتات الموائد وعلى السحت الحرام وعلى التلاعب بمشاعر الصداقة, وإلا لكان قد دفن نفسه بالتراب أو قدم اعتذاراً لشعبه وحزبه السابق وإلى من كانوا أصدقاء له, للأفعال الكريهة والدنيئة التي مارسها في حياته السياسية.

لقد أدركنا جميعاً خطأ الثقة التي وضعتها في هذا الشخص والتي لي لم يكن أهلاً لها.

ما يؤرقني أيضاً أني لا أعرف إلى الآن متى بدأت خيانة هذا الرجل, متى بدأ التجسس على حزبه ورفاقه وكافة الأصدقاء, وربما على عائلته في العراق, هل بدأت في بغداد في العام 1978 حين اعتقل لفترة قصيرة سبب مخالفة مرورية, أم بدأت حين بدأ العمل التجاري في لندن وبراغ بعد خروجه من العراق, رغم أن الأمر في المحصلة النهائية واحد. ولا أدري حتى الآن ما هي الأضرار التي جلبها هذا الشخص على الحزب الذي احتضنه والرفاق الذين عاملوه بود والأصدقاء الذين وثقوا به, ولكنه كان مسيئاً للجميع ولكرامته التي فقدها منذ أن أصبح سارقاً وجاسوساً لسلطة غاشمة لم يعرف تاريخ العراق الحديث مثيلاً لها.

لقد كان درساً قاسياً وفشلاً ذريعاً لصداقة كانت مؤذية, وتجربة يفترض أن لا يلدغ الإنسان بمثلها مرة أخرى.

4/7/2010 كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة