هل أن النحت في حجر هو مجدنا... لا غير؟ كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

تحت باب "تأملات" في جريدة طريق الشعب وفي مواقع إلكترونية كثيرة نشر صديقي ورفيقي في النضال من أجل غدٍ أفضل للشعب العراقي الأستاذ الكاتب رضا الظاهر مقالاً تحت عنوان "ننحت في حجر.. هذا هو مجدنا!". وتضمن جملة من الأفكار التي تستوجب المناقشة وتبادل الرأي لأنها تتضمن مفاهيم أرى أنها خاطئة ويصعب القبول بها كما وردت في هذا المقال, ويمكن أن تكون لها نتائج سلبية لا مبرر لها.

لا أعتقد بأن القوى المتنفذة اليوم تعتقد بأن الزمن متوقف, بل هي مدركة لحقيقة حركة الزمن والتحولات والتغيرات المحتملة عبر الزمن, ولكنها تريد أن تستفيد من اللحظة الراهنة لتبني عليها ما تريده لاحقاً, فهي مدركة أن هناك سباقاً مع الزمن وتريد أن تكرس مواقعها وتحقق مكاسب لها بحيث يمكن من خلالها إطالة عمر وجودها في السلطة. إنها تلاحظ, وربما أكثر من غيرها, أن تحولات كثيرة قد جرت حتى على قواها ومواقعها خلال السنوات السبع المنصرمة, وبالتالي فهي أمام منافسة حادة وتريد الفوز بها بأي ثمن. وبما إنها الأكثرية حالياً في مجلس نواب طائفي دافع الكثيرون عن شرعيته, فإنها تسعى إلى تحقيق مكاسب لها ولا يهمها إن تم ذلك بصورة دستورية أم غير دستورية. فمجلس النواب هو الجهة المشرعة وهي تمثل الأكثرية التي أقَّرت قانون الانتخابات الجديد. من حق هذا الفريق أو ذاك أن ينتقد وأن يتحفظ وأن يرفض, ولكنها تقول بأنها وصلت إلى هذا القانون عن طريق الأكثرية وتوافقات الأكثرية. لهذا فمبدأ الأكثرية والأقلية غير ثابت ومتغير, فالكل يعرف ذلك, وليس في هذا من جديد, ولكنهم يريدون أن يستثمروا هذه الأكثرية الراهنة لصالح أكثرية قادمة في مجلس النواب القادم .. وهلمجرا. وهل ينفعنا بشيء أن اعتمدنا على نصوص قرآنية للبرهنة على إمكانية غلبة فئة قليلة على فئة كثيرة؟ إلا يعبر الاعتماد على هذا النص عن ضعف في تفسير الأوضاع الراهنة في العراق. وما فائدة هذا النص للأقلية ما دامت أحزاب الأكثرية الإسلامية السياسية وتحالفاتها المتنفذة ستحقق نتائج لهم في الانتخابات القادمة التي تتقاتل في ما بينها للوصول إلى أكثرية مرضية لها, وهو هدفها الراهن وليس غير ذاك, إذ أنه يضمن لها استمرارها لسنوات أربع في الحكم, وأنت وأنا تريدنا أن نستمر في النحت في حجر! أشعر رفيقي العزيز إن خط السير الذي تريد التبشير به خاطئ ويستوجب إعادة النظر به قبل فوات الأوان.

رفيقي العزيز, تقول في مقالتك "فهذا الانقلاب هو تجسيد لنهج الاستحواذ على السلطة، وإقصاء وتهميش "الآخرين"، وحرمانهم من مشاركة فعالة، مثمرة، ونزيهة في البرلمان والحياة السياسية. وهو، قبل هذا وذاك، مرحلة جديدة في احتكار صنع القرار السياسي والتبرّم بالتعددية والتنوع". (راجع: رضا الظاهر. ننحت في حجر.. هذا هو مجدنا" طريق الشعب في 29/12/2009 وفي مواقع الحوار المتمدن وصوت العراق والناس وغيرها بنفس التاريخ).

أخي الفاضل, إنهم يستحوذون على السلطة منذ سبعة أعوام ويمارسون ما يريدون بالأكثرية الكافية التي لديهم في مجلس النواب ولم يجر الحديث عن ذلك صراحة وجهارا وعن سلطة مستبدة ومجلس بائس قبل الآن , في حين تشير إلى وقوع انقلاب في مجلس النواب. ليس هناك من انقلاب, بل أن هناك استمراراً في انتهاج ذات السياسة التي لم تنتقد قبل ذاك وتقوم بنقدها الآن. هناك ضرورة لنقدها ولكن لا على أساس النحت في حجر, بل بالممارسة العملية التي يقوم بها الحزب الشيوعي العراقي الآن في سعيه لتحريك الجماهير صوب مطالبها المشروعة التي عجز الحكم في السنوات السبع المنصرمة عن تحقيقها.

من حق أي حزب أو أشخاص وكتل سياسية واجتماعية أن ترفض قانون الانتخاب, الذي كتبت أنا أيضا ضده, وأن تذهب إلى المحكمة الدستورية لتطرح رأيها وتحاول النجاح في ذلك. فما دمنا قبلنا بمجلس النواب السابق وبأكثريته, فمن حقنا أن نحتج ونرفض ونطالب بالتغيير, ولكن هذا لا يعد انقلاباً, بل هو جزء من طبيعة النظام القائم والتوافقات المخلة بالديمقراطية والتي رضينا بها طويلاً. الانقلاب يحصل ضد وضع قائم باتجاه مغاير, في حين أن القرار الصادر عن مجلس النواب لا يختلف عن القرارات الأخرى الصادرة عن نفس المجلس وبذات الأكثرية المتنفذة. من ينحت في حجر, عليه أذن الصبر والاستمرار بالنحت, فهو ينحت وهم يمارسون الحكم ويكررون النجاح في الانتخابات.

تقول في مقالتك ما يلي: " وأما أولئك الذين يريدون أن نتوقف عن المسير فسنخيّب ظنهم .. لن نستسلم، فهذا ما يبتغون .. ولن نختار مقاطعة الانتخابات، كما يدعو متطرفون وعدميّون، لأن هذا الاختيار لن يعني سوى الخنوع والانعزال عن الناس والحياة."(راجع: نفس المصدر السابق).

أنا لست من دعاة وأنصار مقاطعة الانتخابات, رغم إدراكي منذ الآن باحتمال كبير في تزويرها لأسباب عدة بما فيها نص القانون والأوضاع السائدة في العراق وهيمنة قوى الإسلام السياسي على الحكم والتحالفات السياسية غير الديمقراطية السائدة والأموال والمواد العينية الكثيرة التي بدأت تنهال لتوزع على الناخبين ...الخ. ولكن, أليس من حق أي إنسان في العراق, سواء أكان شيوعياً أو ديمقراطياً أو اشتراكياً أو أي مواطن كان, أن يدعو إلى مقاطعة الانتخابات؟ وهل من حقنا أن نتهم من يدعو إلى المقاطعة بأنهم "متطرفون وعدميون, لأن هذا الاختيار لن يعني سوى الخنوع والانعزال عن الناس والحياة", ومت أعطاك هذا الحق, الذي فيه الكثير من الاستبداد والإطلاق, باتهام مثل هؤلاء الناس, بمن فيهم من يحتمل أن يكون عضواً الحزب الشيوعي العراقي أو مؤيداً وصديقاً له. أبهذا الأسلوب نقمع الرأي الآخر ونقنع الناس برأينا؟ من حقك الكامل أن تطرح رأيك, ولكن ليس من حقك قمع الرأي الآخر.

إن المقالة كلها وكأنها تصب في مجرى الخشية من الفشل في الانتخابات القادمة؟ حتى هذا الهاجس إذا ما وجد, فيفترض أن يطرح بطريقة أخرى وليس بهذا الأسلوب الغيبي, أسلوب النحت في حجر.

أتابع مجرى النشاط الجديد الذي يقوم به الحزب الشيوعي العراقي, وهو بعيد كل البعد عن النحت في حجر, بل بدأ يطرح منذ فترة مشاكل الناس ومطالبها بصورة أفضل من السابق وبحيوية منشودة ويطرق أبواب الدور ليتحدث ببرنامجه مع الناس ويدعوها للمشاركة في الانتخابات والتصويت له. وهذا أمر جيد وضروري, وهو ما كنت أطرحه في مقالاتي السابقة وغيري أيضاً. إنه الأسلوب النقدي المطلوب إزاء الحكومة والحلفاء وغيرهم, وهو ليس نحتاً في حجر!

صديقي العزيز, تقول في بداية المقال ما يلي: "بينما يتفاقم صراع السلطة والامتيازات، يسعى متنفذون إلى طمس حقائق وتشويه أخرى". (نفس المصدر السابق) والسؤال الذي يدور في بالي وبال الكثيرين: هل هذا الصراع على السلطة والامتيازات بدأ الآن ومع القانون الجديد, أم أنه جار منذ سقوط النظام الدكتاتوري؟ وهل أن طمس الحقائق هي ظاهرة برزت الآن أم أنها كانت منذ سنوات عدة؟ بل عليَّ أن اقول حتى قبل سقوط النظام حين كانت محاولات إبعاد أو عزل الحزب الشيوعي من جانب بعض قوى الإسلام السياسي, وحتى بعد سقوط النظام. هل نسينا ذلك, وهل الذاكرة قصيرة إلى هذا الحد؟ لا اعتقد ذلك, خاصة وأنت المثقف والكاتب اللامع.

أعرف أنك دقيق وصبور في الكتابة, ولكن لم تكن في مقالتك هذه تعبر بصورة موضوعية عن واقع الحال وعن المشكلات التي كان عليك معالجتها وليس إتحافنا بهذه المقالة التي تضعف الثقة لا تعززها, رغم قولك " لقد اخترنا التحدي ومقاومة تأبيد الراهن وثقافته السائدة، ونحن نعرف أن طريقنا مليئة بأشواك الجزر، وهي أشواك لا تستطيع أن تحجب زهور المد. وإذا ما هُزمنا في معركتنا، فأننا لن نلقي الرايات، ذلك أننا ناظرون الى نجوم، ومتطلعون الى أفق، وخائضون جولات وجولات في طريق يمتد أمامنا وفيه نغذّ المسير." هل يمكن تفسير هذا القول بوجود ثقة بالنفس أم الإحساس بالفشل المسبق والمراهنة على "نحت في حجر". كان فهد يقول: "لا تضيعوا الفرص بانتظار الفرص", فهل كان فهد مخطئاً في هذا القول أم كان يدرك بأن العمل مع الجماهير والدفاع عن مصالحها اليومية ونقد الأوضاع الراهنة بجرأة فائقة هو السبيل الوحيد لتحقيق نتائج إيجابية وليس النحت في حجر!

إن خسارة انتخابات لا تعني الانكسار والتقوقع, بل تعني دراسة أسباب ذلك والبدء مجدداً, ولكن يفترض أن لا يتوقع خائض الانتخابات الخسارة مسبقاً, وبالتالي فان قولك التالي هو الأصح حين ورد فيه ".. وإذا ما هُزمنا في معركتنا، فأننا لن نلقي الرايات، ذلك أننا ناظرون إلى نجوم، ومتطلعون الى أفق، وخائضون جولات وجولات في طريق يمتد أمامنا وفيه نغذّ المسير. وهذا لا يعني أبداً النحت في حجر. ورغم اللمسة الأدبية في هذا القول فكان الأفضل أن نقول .. إننا ناظرون إلى الناس ومتطلعون إلى ثقتهم وخائضون مع الناس جولات وجولات ....

أخي الكريم , كم أتمنى عليك أيها الأخ العزيز أن تعيد النظر في تأملاتك, إذ تبدو هنا وكأنك تسكن في صومعة معزولة عن الناس وليس في مقدورك سوى التأمل و"النحت في حجر". لدي القناعة بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يقبل بهذا الأسلوب ولا "النحت في حجر", وإذا قبل به فهو مخطئ. ولكني أعرف جيداً بأنه بدأ يعمل بحيوية أكبر مع الناس, مع الكادحين والفقراء المدقعين وفي الأحياء الشعبية ومع المثقفات والمثقفين ومع أولئك الذين تبلغ نسبة من يعيش منهم تحت خط الفقر أكثر من 30 % من سكان العراق. ليس مجداً لنا الحفر في حجر, بل العمل الجاد والدؤوب مع الجماهير الشعبية في سبيل انتصار مصالحه وإرادتها في إقامة عراق ديمقراطي اتحادي حر ومستقل.

29/12/2009 كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة